صناعة الجوع كآلية أميركية لتركيع الشعوب

بقلم: د. حسن هاشم حمود

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

لم يعد الحصار الاقتصادي ونظام العقوبات في العصر الحديث مجرد أدوات ضغط دبلوماسي بين الدول، بل تحولت في كثير من الحالات إلى منظومات معقدة تؤثر مباشرة في حياة السكان اليومية، وصولًا إلى تهديد الأمن الغذائي وصناعة أشكال متعددة من الفقر والجوع. وبينما تُقدَّم هذه السياسات غالبًا بوصفها “عقوبات ذكية” أو وسائل لإضعاف الحكومات والدول، فإن آثارها الفعلية تمتد في كثير من الأحيان إلى المجتمع ككل، بما في ذلك الفئات الأكثر هشاشة. فالقوى الدولية الكبرى تدرك بشكل متزايد أن السيطرة على مصادر الغذاء لم تعد مسألة اقتصادية فحسب، بل أصبحت أداة ذات أبعاد سياسية واستراتيجية عميقة. فامتلاك القدرة على التحكم في الغذاء يعني امتلاك قدرة غير مباشرة على التأثير في أنماط الحياة الأخرى، بما في ذلك تشكيل الوعي والتفكير، وإضعاف القدرات العقلية والإنتاجية للأفراد والمجتمعات، وبهذا المعنى يصبح الغذاء عنصرًا يمكن من خلاله التأثير في استقرار الدول وتوجيه سلوك الشعوب ضمن منظومة الاقتصاد العالمي غير المتكافئ.

وفي ظل النظام الدولي الراهن، تتجلى مظاهر الاستقطاب بين الدول في انقسام واضح بين دول تملك الموارد الاقتصادية والغذائية وتتحكم بها، وأخرى تعاني من محدودية الموارد بسبب العقوبات المفروضة عليها، مما يجعلها عرضة للاستغلال والضغط، ونتيجة لذلك يُستخدم الغذاء أحيانًا كأداة ضغط، إذ يؤدي الحصار الاقتصادي والعقوبات إلى خلق أزمات معيشية حادة تمسّ حياة السكان بشكل مباشر، وتؤدي إلى إضعاف قدرتهم على الصمود والإنتاج.

وتشير هذه الممارسات إلى أن العقوبات الاقتصادية والحصار قد يتحولان في بعض الحالات إلى شكل من أشكال “العنف الاقتصادي”، الذي يستهدف إضعاف المجتمعات من خلال تقليص قدرتها على الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية. وهذا النمط من السياسات لا يؤدي فقط إلى تفاقم الفقر، بل يسهم أيضًا في زيادة مستويات الجهل والتخلف، ويُنتج احيانًا حالة من الاعتماد والتبعية للدول الأكثر قوة وتحكمًا في النظام الاقتصادي العالمي.

وفي هذا المجال، تُفرض العقوبات أحيانًا بشكل أحادي من قبل بعض الدول الكبرى، دون الرجوع إلى المؤسسات الدولية المعنية مثل مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، مما يثير تساؤلات حول شرعية هذه الإجراءات وآثارها الإنسانية، خاصة عندما تنعكس بشكل مباشر على معيشة الشعوب.

 

أمارتيا سن
اقتصادي هندي قدم إسهامات في اقتصاد الرفاه، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، والنظريات الاقتصادية للمجاعات،

ومن منظور اجتماعي وتنموي، يُعدّ الأمن الغذائي أحد الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية التي تعكس مستوى الرفاه الإنساني، ويشكّل ركيزة أساسية في عملية التنمية الشاملة. ووفقًا لأعمال أمارتيا سن (1999)، فإن التنمية الحقيقية لا تقتصر على المؤشرات الاقتصادية فقط، بل ترتبط بتوسيع قدرات الإنسان وتنوع خيارته، بما في ذلك الحق في الغذاء والصحة والتعليم والأمن الاجتماعي.

وانطلاقًا من هذا التصور، فإن تدهور الأمن الغذائي يؤدي إلى آثار اجتماعية خطيرة، أبرزها زيادة الشعور بالحرمان والظلم،  كما أن تراكم هذه المظالم قد يخلق بيئة خصبة لعدم الاستقرار، ويزيد من احتمالية استغلالها من قبل جماعات متطرفة أو منظمات عنف تسعى إلى تعبئة الأفراد الغاضبين وتجنيدهم.

وعليه، فإن الحصار الاقتصادي والعقوبات لا ينبغي النظر إليهما فقط كأدوات ضغط اقتصادي وسياسي، بل كسياسات ذات آثار إنسانية وتنموية عميقة، قد تسهم في إعادة إنتاج الفقر والتبعية، وتقويض أسس التنمية المستدامة، بدلًا من تحقيق الاستقرار.

فاليوم ما يفرض ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسابقًا العراق وغيرها من الدول والشعوب من عقوبات اقتصادية وحصار من قبل الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها يمثل نوع من العنف الاقتصادي الذي تنعكس اثاره على جميع مرافق الحياة، لاسيما ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين الذي تتسابق فيه الدول لجعل اقتصاديات الذكاء الاصطناعي أكثر إنسانية واخلاقية واخضاعها لخدمة بني البشر، وفي الوقت نفسه تعمل القوى الكبرى على رسم سياسات دولية تتخذ اجراءات بهدف الحاق الضرر في الإنسان من خلال التضييق والضغط على سبل العيش ومرافق الحياة الأخرى، والتي قد تتعارض مع ماورد في نهاية ديباجة ميثاق الامم المتحدة “وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار ، وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي، وأن نكفل بقبولنا مبادئ معيّنة ورسم الخطط اللازمة لها ألاّ تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة، أن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها”، فضلًا عن ان الحصار والعقوبات الاقتصادية التي تمارسها الولايات المتحدة الامريكية سواء كانت منفردة او بتغطية دولية تتعارض مع مقررات الأمن الإنساني الذي اقره برنامج الامم المتحدة الانمائي وكان أول من لفت الانتباه إلى هذا المفهوم هو الاقتصادي والمنظر في مجال التنمية الدولية محبوب الحق وذلك في تقرير التنمية البشرية ضمن برنامج الامم المتحدة الانمائي 1994 ويقوم الأمن الإنساني على جانبين اساسين هما:

 

اولًا: السلامة من التهديدات المزمنة كالجوع والامراض والقمع.

ثانيًا: الحماية من الاختلالات المفاجئة والمؤذية لأنماط الحياة اليومية.

 

ولهذا تضمن تقرير التنمية البشرية لعام 1994 تفصيلًا اكثر للأمن العالمي ليشمل التهديدات والمخاطر الكامنة في سبعة مجالات وهي كالاتي:

  1. الأمن الاقتصادي: ويركز هذا النوع من الأمن على ضمان دخل الأفراد الأساسي والذي يتحقق في العادة لقاء توافر فرص العمل او عبر شبكات الحماية والرعاية التي تغطيها سياسات الدولة للحد من البطالة والخروج من دائرة الفقر.

  2. الأمن الغذائي: ويتطلب هذا النوع من الأمن ان تتاح لجميع الاشخاص وفي جميع الاوقات فرص الحصول على المستلزمات الغذائية والضرورية لاستمرار الحياة. ويعد الأمن الغذائي بوصفه جانباً مهماً من جوانب التنمية، التي تُعد عملية متعددة الأبعاد وتتجاوز المقاييس التقليدية مثل الدخل. فعلى سبيل المثال، يتضمن مؤشر التنمية البشرية عوامل أخرى في تصوره للتنمية، مثل متوسط العمر المتوقع ومستويات التعليم، في حين ان العقوبات تسبب ضرراً ونقصًا حادًا في توافر المواد الغذائية الاساسية، مما يؤدي ذلك إلى سوء التغذية بين عموم السكان وفي تقزم الأطفال، وذلك من خلال تقييد استيراد الغذاء المغذي، وحظر استيراد المواد الضرورية للإنتاج الزراعي، وإحداث مستويات مرتفعة من التضخم تجعل أسعار الغذاء باهظة للغاية، ويعزز ماسلو هذا المعنى حين يقول: «إن الشخص الذي يفتقر إلى الطعام والأمان والحب والتقدير، سيكون على الأرجح أكثر توقاً للطعام من أي شيء آخر».

  3. الأمن الصحي: يتطلب هذا النوع من الأمن توافر الحماية بحدود مقبولة تجاه الأمراض وتحسين اساليب الحياة الصحية، مع توافر كل ما يتعلق بعمليات التطعيم ضد الامراض الانتقالية وغيرها لخلق بيئة صحية اكثر امانًا. في حين ان نظام العقوبات قد ينتج كارثة صحية عامة من خلال تقليل توافر الأدوية والمستحضرات الصيدلانية بصورة حادة في الدول المستهدفة. ويمكن ملاحظة ذلك في حالات العقوبات المفروضة على العراق سابقًا وفلسطين وإيران. أما العقوبات المفروضة على فلسطين وقطاع غزة، التي بدأت عام 2007، فقد دفعت منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى الإعلان عام 2011 عن نقص 178 دواءً أساسياً، إضافة إلى نقص حاد في 190 مادة طبية استهلاكية في البلاد، كما أضعفت العقوبات قدرة النظام الصحي الإيراني على علاج أمراض شائعة مثل السرطان والربو، وتسببت في تأخير الحصول على الأدوية. وقد حددت إحدى الدراسات 73 دواءً تعاني نقصاً في إيران، وكان 44% منها مصنفاً ضمن الأدوية الأساسية بحسب منظمة الصحة العالمية ومنعت الولايات المتحدة إيران من استيراد دواء «سيبروفلوكساسين» (وهو مضاد حيوي) و«أتروبين» (وهو دواء ضروري للعمليات الجراحية التي تتطلب التخدير). كما تسببت العقوبات في نقص العامل الثامن لتخثر الدم، وهو بروتين ضروري لمرضى الهيموفيليا.

  4. الأمن البيئي: يركز هذا النوع من الأمن على حماية الأشخاص من تقلبات المناخ والطبيعة والتهديدات الناجمة عن الاضرار التي تسبب بها الإنسان تجاه الطبيعة ومنع تدهور البيئة من خلال تحسين استخدام موارد البيئة والحفاظ على استدامتها.

  5. الأمن الشخصي: ويهدف هذا النوع من الأمن إلى الحيلولة دون تعرض الاشخاص الى العنف الجسدي.

  6. الأمن المجتمعي: ويهدف إلى الحفاظ على القيم المجتمعية وحماية المنظومة القيمية والاخلاقية للحيلولة دون انتهاكها او خدشها مع الحفاظ على التنوع الاثني والعرقي.

  7. الأمن السياسي: ويهدف الى احترام حقوق الإنسان الاساسية من ان تنتهك من قبل الحكومات والدول التي تمارس سلطتها على الأفراد التابعين لها.

 

أحد الأسواق الشعبية في إيران

 

ومن هذا المنطلق، بات نظام العقوبات يُنظر إليه بوصفه أداة من أدوات الهيمنة والضغط السياسي، تُستخدم لإخضاع الشعوب واستنزاف قدرات الدول والتحكم بقراراتها السيادية. فالعقوبات الاقتصادية لم تعد تُقدَّم فقط كوسيلة دبلوماسية لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبحت – في نظر كثير من الباحثين والنخب السياسية – شكلاً من أشكال “الإرهــ ــاب الاقتصادي” الذي يُمارَس بهدف فرض الإرادة السياسية للدول الكبرى، ودفع الدول المستهدفة إلى تبني سياسات تتوافق مع مصالح القوى المهيمنة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها.

وتتجاوز آثار هذه العقوبات الجانب الاقتصادي لتطال البنية الاجتماعية والمعيشية للمجتمعات، إذ تؤدي إلى إضعاف القدرة الإنتاجية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الأمن الغذائي والصحي، الأمر الذي يجعل الشعوب أكثر عرضة للضغط والتبعية. وفي هذاالإطار أصبحت العديد من الدول تبحث عن بدائل اقتصادية واستراتيجيات داخلية تُمكّنها من تقليل الاعتماد على الخارج وتأمين احتياجاتها الأساسية بعيداً عن الضغوط الدولية.

وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، برز مفهوم “الجهاد الاقتصادي” بوصفه رؤية استراتيجية طرحها السيد الشهيد المرشد الاعلى للثورة الإسلامية اية الله العظمى السيد علي خامنئي في عام 2011 كعام للجهاد الاقتصادي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز القدرة على مواجهة العقوبات والحصار الاقتصادي. وينطلق هذا المفهوم من اعتبار الاقتصاد ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن المجالات السياسية أو العسكرية، بحيث يتحول الإنتاج والعمل والابتكار إلى أدوات للصمود والمقاومة.

وبحسب هذه الرؤية، فإن الجهاد الاقتصادي يمثل استراتيجية شاملة تقوم على تعبئة الطاقات الوطنية، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتطوير القدرات العلمية والتقنية، وتقليل الاعتماد على الخارج، بهدف مواجهة ما يُوصف بـ”الحرب الناعمة” والعقوبات الاقتصادية التي تستهدف إضعاف الدولة وإخضاعها سياسياً.

 

الأهداف الرئيسية للجهاد الاقتصادي:

  • تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل التبعية الاقتصادية للخارج.

  • دعم الإنتاج الوطني وتعزيز الصناعات المحلية.

  • مواجهة آثار العقوبات والحصار الاقتصادي.

  • تشجيع الابتكار والاعتماد على الكفاءات الوطنية.

  • تعزيز الصمود الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع.

  • حماية القرار السياسي من الضغوط الخارجية.

  • بناء اقتصاد مقاوم قادر على التكيف مع الأزمات الدولية.

 

خاتمة

وفي الختام إن العقوبات الاقتصادية، مهما اختلفت مبرراتها السياسية، لا يمكن النظر إليها بوصفها إجراءات محايدة أو محدودة التأثير، لأنها تمسّ بصورة مباشرة حياة الشعوب وحقوقها الأساسية في الغذاء والصحة والعمل والتنمية. فحين تتحول العقوبات إلى أدوات لإضعاف المجتمعات وخلق بيئات من الفقر والحرمان، فإنها تتجاوز إطار الضغط السياسي لتصبح شكلًا من أشكال العنف البنيوي الذي يهدد الأمن الإنساني والاستقرار الاجتماعي.

كما أن التجارب الدولية أثبتت أن الحصار الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار أو تغيير السياسات، بل قد يسهم في تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة مشاعر الظلم والحرمان، وخلق بيئات قابلة للتوتر وعدم الاستقرار. ومن هنا، فإن معالجة النزاعات الدولية ينبغي ألا تقوم على تجويع الشعوب أو التضييق على سبل عيشها، بل على احترام مبادئ العدالة الدولية وحقوق الإنسان، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة، بما يضمن كرامة الإنسان وحقه في الحياة الآمنة والكريمة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى