الحج وفلسفة المقاومة والثبات

بقلم: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

يمثل التوحيد في الإسلام أكثر من مجرد إقرار ميتافيزيقي بوحدانية الله تعالى، إنه إعادة صياغة جذرية وعميقة لعلاقة الإنسان بالكون، والسلطة، والذات، والمجتمع، فحين يقر الإنسان بأن السيادة المطلقة لله وحده، فإنه يتحرر تلقائيًا من الخضوع النفسي والفكري لأي قوة أرضية تحاول احتكار الحقيقة، أو التحكم بالمصير، أو مصادرة الوعي الفردي والجمعي، وهو ما يعالج حالة الاغتراب الوجودي التي يعاني منها إنسان العصر الحديث نتيجة تماهيه مع المادة وانفصاله عن جوهره الفطري.

ومن هنا فإن التوحيد لا يُفهم بوصفه قضية لاهوتية مجردة، بل بوصفه فلسفة تحرير إنساني تهدف إلى إعادة بناء الإنسان المستقل نفسيًا وأخلاقيًا وفكريًا، فكلما ازداد تعلق الإنسان بالخالق المطلق، تضاءلت تبعيته المرضية للبشر، والأشياء، والرموز الاجتماعية السائدة.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بدقة بالغة في قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ الجاثية 23، فالآية تكشف أن العبودية لا تقتصر على الأصنام الحجرية التقليدية، بل قد تتحول الشهوة، أو المصلحة، أو النزعة الاستهلاكية، أو الزعيم، أو الجماعة إلى إله نفسي باطني يتحكم بوعي الإنسان وقراراته، ومن هنا يتحول الحج إلى ممارسة عملية تهدف إلى نقل الإنسان من مركزية الذات والهوى إلى مركزية التوحيد.

إن التوحيد في الإسلام ليس فكرة دينية فحسب، بل هو مبدأ لإنتاج الإنسان القوي الحر الذي لا يقبل الذوبان أو العبودية.

والتلبية في الحج ليست مجرد ترديد صوتي جماعي، بل هي إعلان ولاء وجودي يعيد ترتيب سلّم الأولويات والقيم داخل الإنسان، ففي عالم تتصارع فيه الهويات الضيقة، والأيديولوجيات المادية، والولاءات السياسية والاستهلاكية، تأتي التلبية لتقول إن الإنسان لا ينبغي أن يُختزل في انتماءاته العابرة أو مصالحه الآنية، بل في صلته بالله تعالى وحده.

إن قول الحاج: لبيك اللهم لبيك، يعني: إنني حضرت بإرادتي الحرة، لا مكرهًا، ولا تابعًا لسلطة بشرية أو نظام مادي، بل استجابة لنداء الحق المطلق، ومن الناحية النفسية، تمثل التلبية لحظة استعادة للسيطرة الداخلية، فالإنسان المعاصر يعيش حالة من التشظي النفسي الناتج عن كثافة المؤثرات، والضغوط الإعلامية، والاجتماعية، ووقع التسارع الرقمي القهري.

ولذلك فإن الحج يعيد توحيد الإنسان من الداخل بعد أن مزقته الولاءات المتعددة، ممارسًا نوعًا من التطهير النفسي والإجرائي عبر الانقطاع عن زمن الإنتاجية الرأسمالية السائلة والدخول في زمن العبادة التأملي المحض.

 

إريك فروم
عالم نفس وفيلسوف ألماني

وهنا يشير عالم النفس الاجتماعي إريك فروم إلى أن الإنسان الحديث، رغم مظاهر الحرية الخارجية، يعيش أشكالًا خفية من العبودية النفسية تتمثل في التبعية للاستهلاك، والخوف الاجتماعي، والرغبة القهرية في القبول الجماعي، ومن هنا يمكن فهم التلبية بعدّها فعل مقاومة واعٍ وجذري لهذه العبودية الناعمة.

إن أخطر أنواع الاستبداد ليست تلك التي تُمارس بالقوة العسكرية المباشرة وحدها، بل تلك التي تنجح في احتلال وعي الإنسان وصياغة مفاهيمه حتى يصبح خضوعه وتهميشه طوعيًا، وهذا ما يمكن تسميته بالاستبداد الرمزي، حيث تتحول السلطة، أو النخبة، أو الخطاب الإعلامي السائد إلى مرجعية مطلقة غير قابلة للنقد أو المراجعة.

والحج، من خلال عمق التوحيد، يعيد تحطيم هذه المركزيات والأنصاب المصطنعة، لأن الجميع يذوبون داخل هُوية واحدة متساوية لا تقوم على العرق، أو المنصب، أو القوة المادية، بل على العبودية لله وحده، فيقول تعالى ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ القصص: 83، فالعلو هنا لا يعني فقط الطغيان السياسي المباشر، بل كل نزعة استكبار عرقية أو طبقية تسعى لإخضاع الآخرين نفسيًا، أو اجتماعيًا، أو اقتصاديًا.

وهنا تتجلى فلسفة الحج بوصفها تدريبًا جماعيًا على استعادة الكرامة الإنسانية والثبات في وجه الظلم ومقاومته، فالإنسان الذي امتلأ قلبه بالتوحيد يعلم أن السكوت على الظلم هو نوع من العبودية المقنعة للمستبد، ومن ثم، يصبح الثبات على الحق ومواجهة الجور امتدادًا للتلبية، مصداقًا للحديث النبوي الشريف: أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، حيث يتحول الوعي بحق الله إلى قوة دافعة لرفض الامتثال لأي طغيان يبتز الإنسان في حريته أو كرامته.

ويبرز هذا البعد التحرري بوضوح في تجربة المناضل الأمريكي مالكوم إكس، الذي وجد في الحج الترياق الحقيقي لعنصرية العالم الحديث وهياكله الطبقية، حيث عاين بنفسه كيف يذوب أمراء الدول ووجهاؤها جنبًا إلى جنب مع فقراء إفريقيا وآسيا في رداء واحد، متحررين من عُقد التميز والاستعلاء الأرضي.

 

Mecca – Malcolm X
April, 1964

ومن جانب آخر تقوم الحضارة المادية الحديثة على تحويل الكائن البشري إلى مستهلك دائم، تُقاس قيمته وجدارته بما يملك، ويعرض، ويستهلك خلف الشاشات الرقمية، ولذلك لم يعد الإنسان المعاصر يعيش لذاته وفطرته، بل لصورة افتراضية نمطية يريد تسويقها أمام الآخرين.

لكن الحج يضرب هذه المنظومة الاستلابية من جذورها، إذ يُجبر الإنسان على التخلي المؤقت عن كثير من مظاهر الترف، والزينة، والتمايز الطبقي، ليعود إلى بساطته الفطرية الأولى عبر مفهوم التبسيطية الأخلاقية والزهد الثوري، فاللباس الموحد غير المخيط في الإحرام يحمل دلالة تعبيرية عميقة، إذ يختفي الامتياز البصري والاجتماعي، ويتساوى الجميع في صورة تذكر الإنسان بحقيقته الأولى وبنهايته الأخيرة، وفي هذا المعنى يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13.

إن تفكيك النزعة الاستهلاكية لا يقف عند حدود المظهر البصري لملابس الإحرام، بل يمتد ليكون حصنًا أخلاقيًا يفرض على الإنسان الثبات على قيم العفة ونظافة اليد من المال الحرام، ففي عالم يغري بالفساد المالي ويُشرعن الكسب غير المشروع بذريعة الرفاهية والصعود الطبقي، يأتي الحج ليعلن أن المنظومة الإيمانية لا تقبل التجزئة، فالرحلة لا تبدأ أصلاً إلا بتطهير المال ورد المظالم.

إن الثبات على اللقمة الحلال في عصر شاعت فيه الضغوط المادية هو أقصى درجات المقاومة السلوكية، فالإنسان المتوجّه إلى الله يستحضر دائماً ذلك التوجيه الإيماني الصارم: إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة… نادى منادٍ من السماء: زادك حلال وراحتك حلال وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة… ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مأجور، ليعود الحاج إلى مجتمعه بيدٍ نظيفة ترفض الرشوة، وتأبى أكل أموال الناس بالباطل، صامداً كالجبل أمام مغريات الفساد والابتزاز المالي، فقد صنعت الحضارة المادية حضارة الأشياء، بينما يعيد الدين الاعتبار إلى حضارة الإنسان.

 

ايضاً يعاني الإنسان المعاصر من هشاشة نفسية وقلق وجودي متزايد نتيجة فقدان المعنى، وتسارع إيقاع الحياة، وضغوط المقارنات الاجتماعية المستمرة عبر الفضاء الافتراضي، ولذلك أصبح كثير من الناس يعيشون في خوف دائم من الفشل، أو الرفض، أو فقدان المكانة.

 

غير أن التوحيد يمنح الإنسان ما يمكن تسميته بـالثبات الوجودي، أي الشعور العميق بالأمان الداخلي والوضوح المعرفي حتى وسط الاضطراب الخارجي العاصف، وهذا الثبات ليس مجرد فكرة ذهنية مجردة، بل تدعمه المناسك بوصفها علاجاً سلوكياً ومعرفياً متكاملاً، فطواف الحاج حول مركز واحد ثابت (الكعبة الشريفة) يرسخ فكرة أن الله هو مركز الحياة وما سواه متغيرات عابرة، والسعي بين الصفا والمروة هو بذل للجهد دون الارتهان للنتائج المادية المباشرة، ورجم العقبات هو تجسيد حركي لفعل المقاومة المستمرة وتبرؤ من قوى الشر والغواية الطاغوتية.

ويشير القرآن الكريم ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الرعد: 28، فالطمأنينة هنا ليست مجرد حالة عاطفية مؤقتة، بل هي استقرار نفسي عميق ناتج عن وضوح المرجعية والمآل، وفي الحديث الشريف: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك…، وهو قانون نفسي يبني داخل الإنسان حالة من الصلابة تمنعه من الانهيار أمام الضغوط، أو الخوف، أو الابتزاز النفسي والاقتصادي.

بل إن تجربة الإحرام والمحاكاة البصرية للكفن، والوقوف بعرفة كصورة مصغرة ليوم المحشر، تجعل الحاج يواجه حتمية فنائه طوعاً، وهذه المواجهة الوجودية الكبرى تكسر حاجز الخوف من الموت، ومن يكسر الخوف من الفناء، تسقط من عينه هيبة الطغاة وتتضاءل أمامه كل مخاوف الحياة، فيخرج من نسكه بـشجاعة وجودية وثبات لا يتزعزع.

إن التوحيد في فلسفة الحج ليس مفهومًا نظريًا منعزلًا عن حركة التاريخ والواقع، بل هو مشروع وجودي متكامل لتحرير الإنسان من الخوف، والاستلاب، والتبعية، والانهيار الداخلي، إنه يعيد تأسيسًا أصيلًا للكرامة الإنسانية على قاعدة العبودية لله وحده، بما يمنح الإنسان القدرة الفذة على مقاومة الطغيان الخارجي (الاستبداد والجور) والطغيان الداخلي (الهوى والفساد) معًا.

ومن هنا فإن الحج لا يصنع إنسانًا متدينًا بالمعنى الطقوسي الإجرائي فحسب، بل يصنع إنسانًا مقاومًا، أكثر وعيًا، وحصانة، واستقلالًا، وثباتًا أخلاقيًا وسياسيًا في مواجهة عالم تتزايد فيه محاولات السيطرة على العقل والروح والهُوية الإنسانية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى