بقلم: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مقدمة
أثار إعلان حركة حقوق اختيارها موقع المعارضة البرلمانية بعد تشكيل الحكومة الجديدة نقاشاً سياسياً مهماً حول طبيعة التحولات داخل المشهد العراقي، ولا سيما أن الحركة لم تكتفِ بإعلان موقف سياسي اعتيادي، بل ربطت قرارها بجملة من التحفظات الجوهرية التي وصفتها بأنها “أعراف خطيرة” تهدد مستقبل العملية السياسية وآليات تداول السلطة في العراق.
يمثل هذا الموقف محاولة لإعادة تقديم مفهوم المعارضة البرلمانية بوصفها أداة رقابية لا مجرد انسحاب أو تعطيل للعمل السياسي، ففي البيان الذي ألقاه رئيس الكتلة حسين مونس، بدا واضحاً أن الحركة أرادت الجمع بين أمرين متوازيين: عدم عرقلة تشكيل مؤسسات الدولة في مرحلة حساسة، وفي الوقت نفسه رفض الطريقة التي تشكلت بها التفاهمات السياسية الحاكمة.
أولاً: المعارضة بوصفها خياراً سياسياً لا موقفاً احتجاجياً
تميّز خطاب الحركة بأنه لم يتجه نحو المقاطعة أو كسر النصاب، بل أكد الحضور داخل البرلمان ومنح الحكومة فرصة للعمل، وهذا التفصيل يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ إن الحركة أرادت أن تظهر بمظهر القوة السياسية التي تؤمن باستمرار مؤسسات الدولة، لكنها ترفض الانخراط في تسويات تراها مخالفة لإرادة الناخبين أو لمبدأ الشراكة الحقيقية.
وبذلك تحاول الحركة الانتقال من “المعارضة السلبية” التي تعتمد التعطيل، إلى “المعارضة المؤسسية” القائمة على الرقابة والمحاسبة وكشف الخلل داخل النظام السياسي، وهذا النمط ما يزال محدود الحضور في التجربة العراقية التي اعتادت على حكومات التوافق الواسع التي تُضعف فكرة المعارضة البرلمانية الفعلية.
ثانياً: نقد “الأعراف الخطيرة” ودلالاته السياسية
أخطر ما ورد في البيان هو الحديث عن “تأسيس أعراف خطيرة” في تشكيل الحكومة، وهذه العبارة تكشف أن اعتراض حركة حقوق لا يقتصر على مسألة توزيع المناصب أو الخلافات السياسية التقليدية، بل يمتد إلى طبيعة القواعد السياسية الجديدة التي بدأت تتشكل داخل النظام العراقي، والتي قد تتحول مع الوقت إلى ممارسات ثابتة تُعيد صياغة العملية السياسية بعيداً عن الأسس الدستورية والتمثيلية التي يفترض أن تقوم عليها الديمقراطية.
وقد حدد البيان جانبين أساسيين من هذه الأعراف:
-
التدخل الأمريكي الواضح في مسار تشكيل الحكومة.
-
تجاهل إرادة الناخبين ونتائج العملية الانتخابية.
ويشير ذلك إلى أن الحركة ترى أن التوازنات الخارجية ما تزال تلعب دوراً مؤثراً في رسم التحالفات السياسية وتحديد شكل السلطة، بما يتجاوز الإرادة الوطنية أو الحسابات البرلمانية البحتة. فحين تشعر القوى السياسية أو الجمهور بأن القرار السياسي لا يُصنع داخلياً بشكل كامل، فإن ذلك يضعف الإيمان الحقيقي بسيادة الدولة واستقلالية القرار الوطني.
أما النقطة الثانية، والمتعلقة بتجاهل إرادة الناخبين، فهي تمثل في جوهرها نقداً لفكرة “الشرعية السياسية” ذاتها، إذ إن أي عملية ديمقراطية تفقد معناها عندما لا تنعكس نتائج الانتخابات بصورة واضحة على شكل الحكومة أو على موازين السلطة. وهذا ما يجعل الانتخابات، في نظر قطاعات واسعة من المواطنين، مجرد إجراء شكلي لا يؤدي إلى تغيير حقيقي في بنية الحكم أو آليات اتخاذ القرار.
ومن هنا يحاول خطاب الحركة الربط بين الشرعية السياسية وبين “التمثيل الشعبي الحقيقي”، لا بمجرد التفاهمات والاتفاقات التي تعقدها القوى المتنفذة خلف الكواليس. فالديمقراطية، بحسب هذا المنطق، لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل بمدى احترام نتائجها وإرادة الجمهور الذي شارك فيها.
وتكمن خطورة هذه الأعراف، بحسب ما يفهم من البيان، في آثارها بعيدة المدى على الوعي الشعبي والثقة بالنظام السياسي. فحين يشعر المواطن بأن صوته الانتخابي لا يغيّر شيئاً، وأن التفاهمات السياسية تُصنع خارج إرادته، فإن ذلك يقود تدريجياً إلى اتساع حالة العزوف عن المشاركة الانتخابية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدستورية، بل وتصاعد النقمة الشعبية على العملية السياسية برمتها.
وهذا ما يجعل التحذير من “الأعراف الخطيرة” تحذيراً لا يتعلق بالحاضر فقط، بل بمستقبل النظام السياسي نفسه، لأن استمرار فقدان الثقة الشعبية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المجتمع والطبقة السياسية، ويهدد شرعية العملية الديمقراطية على المدى البعيد.

ثالثاً: بين الواقعية السياسية والخطاب الاعتراضي
رغم لهجة النقد الحادة، فإن الحركة أظهرت قدراً من الواقعية السياسية عندما بررت عدم تعطيل جلسات تشكيل الحكومة بـ”حساسية المرحلة وحجم الأزمات”. وهذا يعني أن الحركة تدرك طبيعة الظروف الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي يعيشها العراق، وترى أن إسقاط العملية السياسية أو تعطيلها بالكامل قد يفاقم الأزمات.
ومن هنا يمكن فهم موقفها بوصفه محاولة لتحقيق توازن دقيق بين:
-
الحفاظ على استقرار الدولة.
-
وعدم منح الشرعية الكاملة للمسار السياسي الحالي.
وهذا التوازن يمنح الحركة مساحة للتحرك كقوة معارضة من داخل النظام، لا من خارجه.
رابعاً: هل تتشكل معارضة برلمانية حقيقية في العراق؟
يفتح موقف حركة حقوق الباب أمام سؤال أوسع يتعلق بمستقبل المعارضة في العراق، فالنظام السياسي بعد 2003 قام غالباً على مبدأ المشاركة الشاملة وتقاسم السلطة، الأمر الذي جعل معظم القوى السياسية جزءاً من الحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأضعف فكرة “الحكومة والمعارضة” المعروفة في الأنظمة البرلمانية.
لكن إعلان الحركة اختيار “مقاعد المعارضة” قد يمثل محاولة لتأسيس ثقافة سياسية جديدة تقوم على:
-
الفصل بين السلطة والرقابة.
-
تحميل الحكومة مسؤولية الأداء.
-
مراقبة ملفات الفساد والخدمات والسيادة.
-
وإعادة الاعتبار لدور البرلمان الرقابي.
غير أن نجاح هذه التجربة يبقى مرهوناً بقدرة الحركة على ممارسة معارضة عملية وواقعية، لا الاكتفاء بالخطاب الإعلامي أو المواقف الرمزية.

خامساً: كيف يمكن بناء معارضة بنّاءة وقوية قادرة على تغيير المعادلة السياسية؟
إن إعلان حركة حقوق اختيار موقع المعارضة لا يكتسب أهميته من كونه موقفاً سياسياً آنياً فحسب، بل لأنه يفتح الباب أمام سؤال جوهري يتعلق بإمكانية تأسيس معارضة حقيقية داخل النظام السياسي العراقي، معارضة لا تقوم على الرفض المجرد أو التصعيد الإعلامي، وإنما على مشروع سياسي متكامل قادر على استعادة ثقة الشارع وتعديل ميزان القوى تدريجياً.
ولكي تتحول المعارضة من مجرد موقف احتجاجي إلى قوة تغيير مؤثرة، فإن ذلك يتطلب المرور بعدة خطوات مترابطة ومتسلسلة:
-
الانتقال من معارضة الأشخاص إلى معارضة السياسات
أحد أبرز أخطاء المعارضة في التجارب السياسية العربية عموماً أنها تتحول إلى صراع شخصي مع السلطة، فتفقد مضمونها الإصلاحي. أما المعارضة البنّاءة، فهي التي تركز على نقد القرارات والسياسات والآليات، لا مجرد مهاجمة الخصوم السياسيين.
فالمواطن لا يبحث عن خطاب غاضب فقط، بل يريد قوة سياسية تقدم تفسيراً للأزمات وحلولاً واقعية لها، سواء في ملفات الاقتصاد أو الخدمات أو البطالة أو الفساد أو السيادة الوطنية. وعندما تصبح المعارضة قادرة على تقديم “بديل سياسي” لا مجرد “رفض سياسي”، فإنها تبدأ فعلياً بتغيير المعادلة.
-
بناء خطاب وطني جامع بعيد عن الانغلاق
نجاح أي معارضة مرهون بقدرتها على مخاطبة جميع فئات المجتمع، لا جمهورها الخاص فقط. ولذلك فإن المعارضة القوية تحتاج إلى خطاب وطني عابر للطوائف والانقسامات التقليدية، يركز على مفهوم الدولة والعدالة والحقوق والخدمات والسيادة.
فالشارع العراقي، بعد سنوات طويلة من الأزمات، أصبح أكثر حساسية تجاه الخطابات الانفعالية أو الفئوية، وأكثر ميلاً إلى القوى التي تتحدث بلغة الدولة والإصلاح والاستقرار. ولهذا فإن أي مشروع معارض لا يستطيع الخروج من الإطار الضيق للهويات السياسية التقليدية سيبقى محدود التأثير.
-
استعادة ثقة الجمهور عبر الممارسة لا الشعارات
أزمة الثقة تُعد أكبر تحدٍ أمام أي معارضة عراقية اليوم، فالكثير من المواطنين لم يعودوا يثقون بالشعارات السياسية بسبب تراكم التجارب السابقة. لذلك فإن استعادة هذه الثقة تحتاج إلى سلوك سياسي مختلف يقوم على:
-
الشفافية.
-
وضوح المواقف.
-
عدم الدخول في الصفقات المتناقضة.
-
القرب من قضايا الناس اليومية.
-
وتقديم نماذج مختلفة في العمل النيابي والرقابي.
إن الجمهور قد يغفر ضعف الإمكانيات، لكنه لا يغفر التناقض أو استغلال الخطاب الإصلاحي للوصول إلى السلطة فقط.
-
تحويل البرلمان إلى ساحة رقابة حقيقية
المعارضة الفاعلة لا تكتفي بالمؤتمرات الصحفية، بل تستثمر أدواتها الدستورية داخل البرلمان. وهذا يعني:
-
متابعة ملفات الفساد.
-
استجواب المسؤولين.
-
كشف مواطن الهدر.
-
مراقبة تنفيذ البرنامج الحكومي.
-
وتقديم تقارير دورية للرأي العام.
فكلما شعر المواطن أن هناك جهة سياسية تدافع عن مصالحه داخل المؤسسات، ازدادت قناعته بأهمية المشاركة السياسية، وتراجع شعور العجز واليأس من العملية الديمقراطية.
-
خلق ارتباط مباشر مع الشارع
أي معارضة تنعزل عن المجتمع تتحول تدريجياً إلى نخبة سياسية معزولة. ولهذا فإن بناء معارضة قوية يتطلب حضوراً ميدانياً دائماً بين الناس، والاستماع لمشكلاتهم، وتحويل مطالبهم إلى مشاريع وضغط سياسي وإعلامي.
فالاحتجاجات الشعبية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية أثبتت أن الشارع يمتلك طاقة غضب كبيرة، لكنه يفتقر غالباً إلى الإطار السياسي المنظم القادر على تحويل هذه الطاقة إلى مشروع إصلاحي طويل الأمد.
-
تقديم مشروع إصلاحي واضح المعالم
المعارضة التي تريد تغيير المعادلة لا بد أن تمتلك تصوراً واضحاً لشكل الدولة التي تريد بناءها. وهذا يشمل:
-
إصلاح النظام الانتخابي.
-
تعزيز استقلال القضاء.
-
مكافحة الفساد الإداري والمالي.
-
ضبط السلاح خارج إطار الدولة.
-
تقوية الاقتصاد الوطني.
-
وحماية القرار السيادي من التدخلات الخارجية.
فالقوة السياسية تُقاس بقدرتها على إنتاج “رؤية للدولة”، لا فقط بقدرتها على الاعتراض.
-
الحفاظ على الاستمرارية وعدم الارتهان للظروف
كثير من حركات المعارضة تضعف لأنها تتحرك بردود الأفعال أو ترتبط بمواسم انتخابية فقط. أما المعارضة المؤثرة فهي التي تبني مشروعاً تراكمياً طويل النفس، يعتمد على التنظيم، وإعداد الكوادر، والعمل المؤسساتي، وتوسيع القاعدة الشعبية تدريجياً.
فالتغيير السياسي الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، بل يُبنى عبر تراكم الوعي والضغط والتنظيم والثقة الشعبية.
إن بناء معارضة بنّاءة وقوية في العراق لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة لحماية العملية الديمقراطية من الجمود وفقدان الثقة الشعبية، فوجود سلطة بلا رقابة حقيقية يؤدي إلى تكريس الأخطاء وتوسيع الفجوة بين الدولة والمجتمع. أما المعارضة الواعية، القادرة على الجمع بين النقد والمسؤولية، فقد تتحول إلى عامل توازن وطني يسهم في تصحيح المسار السياسي واستعادة ثقة المواطن بإمكانية التغيير السلمي عبر المؤسسات.
الخاتمة
إن موقف حركة حقوق من تشكيل الحكومة يعكس توجهاً سياسياً يسعى إلى الجمع بين الحفاظ على استقرار الدولة ورفض بعض المسارات التي ترى الحركة أنها تهدد جوهر العملية الديمقراطية. فالحديث عن “الأعراف الخطيرة” يكشف قلقاً من تحوّل التوافقات السياسية والتدخلات الخارجية إلى بديل عن الإرادة الشعبية، بينما يعكس اختيار المعارضة محاولة لإعادة تعريف الدور البرلماني في العراق.
وفي ظل الأزمات المتراكمة التي يعيشها البلد، قد يشكل هذا الموقف اختباراً حقيقياً لفكرة المعارضة الوطنية القادرة على الرقابة والتقويم دون الانزلاق إلى التعطيل أو الفوضى السياسية.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى