بقلم: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
ليست المشكلة في أن الحكومات العراقية تفتقر إلى عناوين كبرى، فالقاموس السياسي والإداري محفوظ: إصلاح، نزاهة، خدمات، تنويع، تمكين الشباب.
إن المشكلة أعمق، لغة التخطيط لا تتطابق مع لغة التنفيذ، وهناك نصّ يُكتب على الورق، ونصّ آخر يُعاد تأليفه يوميًا تحت ضغط التوازنات، بين النصّين تتكوّن فجوة، لا تُرى في المؤتمرات، لكنها تُقاس في ساعات انقطاع الكهرباء، وفي طوابير المستشفيات، وفي قلق الخريجين وهم يفتّشون عن عمل.
اولاً: الدولة التي تخطّط على الورق… وتفاوض في الواقع
في وثائق البرامج الحكومية، تبدو الدولة عقلانية: تحدد أهدافًا، ترسم مؤشرات، وتعد بآجال زمنية، لكن لحظة الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، يتحوّل القرار إلى عملية تفاوض مستمرة: من يملك الفيتو؟ من يحتاج إلى الإرضاء؟ ما الكلفة السياسية لكل خطوة؟
في ملف الكهرباء- مثلاً- تتجاور الحكومة مشاريع استراتيجية (شبكات، محطات، ربط إقليمي) مع حلول إسعافية موسمية (صيانة عاجلة، تعاقدات قصيرة)، فالأول يحتاج استقرارًا طويل الأمد، والثاني يُنتج أثرًا سريعًا يُخفّف الاحتقان.
وفي الإدارة المحلية تُصاغ الأولويات وفق توزيع الموارد بين المحافظات، ليس دائمًا على أساس الحاجة، بل أحيانًا على أساس ميزان التمثيل والنفوذ.
أما في التعيينات فيتراجع معيار الكفاءة أمام منطق الاستحقاق، فتتحول الوظيفة من أداة إنتاج إلى أداة توازن، وهنا لا تختفي الأولويات المفترضة، بل تُعاد ترجمتها إلى صيغة قابلة للمرور، ولو على حساب عمقها.
ثانياً: من الإصلاح إلى إدارة القابل للتحمّل
حين تضيق مساحة القرار، تتبدّل وظيفة الدولة من مُغيِّر إلى مُدير، إذ لا تختفي السياسات، لكنها تتخذ شكلًا مختلفًا: الخدمات- مثلاً- بدل برنامج شامل لإعادة تأهيل البنية التحتية، تُعتمد حزم متفرقة ذات أثر سريع (تبليط، تجهيزات، تحسينات جزئية)، والنتيجة تحسن موضعي دون قفزة نوعية.
أما في قضايا الفساد فتتحول المواجهة من منظومة مؤسسية مستقلة إلى ملفات انتقائية، تُحقق صدى إعلاميًا، لكنها لا تُعيد هندسة بيئة النزاهة. وفي التشغيل، بدل خلق وظائف إنتاجية، يُلجأ إلى توسيع الجهاز الحكومي أو عقود مؤقتة، تُخفف الضغط الآني، لكنها تُراكم عبئًا ماليًا.
هذا النمط ليس عجزًا كاملًا، بل استراتيجية بقاء: إبقاء المؤشرات ضمن الحد المقبول اجتماعيًا، حتى لو ظلّت جذور المشكلة قائمة.

ثالثاً: الاقتصاد الريعي- حين يغريك السهل ويؤجّل الصعب
الاقتصاد المعتمد على النفط يمنح الدولة قدرة إنفاق سريعة، لكنه يُضعف الحافز للإصلاح الهيكلي، وفي بلدنا يتجلى ذلك في ثلاث دوائر متداخلة:
أ. دائرة الإيراد السهل: ارتفاع الأسعار يوسّع الإنفاق، فيُؤجَّل الإصلاح، وانخفاضها يعيد الضغط، فتظهر الحاجة للإصلاح… ولكن في ظرف أصعب.
ب. دائرة التوظيف العام: الدولة ربّ العمل الأكبر، ما يخلق توقعًا اجتماعيًا دائمًا للتعيين، ويحدّ من نمو القطاع الخاص.
ج. دائرة الاستيراد: ضعف الصناعة والزراعة يفتح الباب لاستيراد واسع، فتُستنزف العملة وتُهمَّش فرص الإنتاج المحلي.
وينتج عن هذا اقتصاد يدور حول التوزيع أكثر من الإنتاج، وهنا يصبح التحول نحو التنويع (زراعة، صناعة، سياحة) قرارًا سياسي الكلفة، لا اقتصاديًا فقط.
رابعاً: الزمن القصير مقابل الزمن الضروري
الإصلاح الحقيقي يحتاج زمنًا تراكميًا: فالتعليم يحتاج عقدًا ليتحوّل أثره إلى مهارات في سوق العمل، والبنية التحتية تحتاج استقرارًا تمويليًا وتنفيذيًا، أما التحول الاقتصادي فيحتاج بيئة أعمال مستقرة، لكن الحكومة تعمل ضمن زمن قصير: ميزانية سنوية، ضغط إعلامي يومي، واستحقاق انتخابي قريب.
تنتج عن ذلك مفارقة قاسية:
-
السياسات العميقة (التعليم، التنويع) لا تُكافَأ سياسيًا بسرعة.
-
السياسات السريعة (منح، تعيينات، تحسينات آنية) تُكافَأ فورًا.
-
فيُعاد توجيه الجهد نحو ما يُرى الآن، لا ما يبني الغد.
خامساً: حين تتآكل الثقة بصمت (سوسيولوجيا الخيبة)
فالثقة لا تنهار بضربة واحدة، بل عبر تراكمات دقيقة: مشروع يتأخر، عقد يُفسخ، خدمة تتحسن ثم تتراجع.
ولغة المواطن تتغير: من متى تتحسن الخدمات؟ إلى هل ستتحسن أصلًا؟
السلوك يتكيف: الاعتماد على البدائل (مولدات أهلية، تعليم خاص، علاج خارج المنظومة)، وهنا العلاقة بالدولة تصبح براغماتية بحتة: أخذ ما يمكن، دون توقع كبير.
وهنا تتشكل دائرة مفرغة: ضعف الثقة يقلل الالتزام، وقلة الالتزام تُضعف فاعلية السياسات، فتزداد الفجوة.
سادساً: أثر الفجوة على التعليم والمهارات: كيف تتكوّن أجيال بلا مهارات
هذه الفجوة لا تبقى في السياسة، تتسرّب إلى قاعة الدرس وسوق العمل ففي التعليم- مثلاً- تُكتب مناهج طموحة، لكن التنفيذ يصطدم ببنية تحتية ضعيفة، كثافة صفية عالية، وتدريب محدود للمعلمين، والنتيجة تكون معرفة نظرية دون مهارات تطبيقية. وفي التوجيه المهني يؤدي غياب الربط بين التخصصات واحتياجات السوق الى انتاج خريجين بمهارات لا يطلبها السوق. أما في سوق العمل فهيمنة التوظيف الحكومي تقلل الحافز لتطوير المهارات التنافسية، فيما يظل القطاع الخاص محدود القدرة على الاستيعاب، وهكذا، تتحول الفجوة بين المفترض والواقعي إلى فجوة مهارية: جيل يمتلك شهادات، لكنه يفتقر إلى أدوات الفعل.
سابعاً: آليات عملية لتقليص الفجوة
تقليص الفجوة لا يعني إنكار الواقع، بل إدارته بذكاء:
-
تحويل الأولويات إلى التزامات قابلة للقياس: ينبغي أن نضع لكل محور: هدف واضح، مؤشر أداء، وتاريخ إنجاز.
-
تدرّج إصلاحي ثابت: يجب البدء بإصلاحات صغيرة لكنها مستمرة، بدل قفزات كبيرة غير قابلة للاستدامة.
-
تحصين المؤسسات: ينبغي المباشرة باستقلالية الأجهزة الرقابية، وربط التمويل بالأداء، لا بالولاء.
-
ربط التعليم بالاقتصاد: يجب تحديث المناهج نحو المهارات (حل المشكلات، العمل الجماعي، المهارات الرقمية)، مع شراكات حقيقية مع سوق العمل.
-
تمكين القطاع الخاص: من اللازم تسهيل الإجراءات، حماية الاستثمار، وتوجيه جزء من الإنفاق العام لتحفيز الإنتاج المحلي.
-
شفافية تفاعلية: من أجل تفعثيل الشراكات يجب نشر البيانات الدورية، وإشراك الجامعات ومراكز البحث في التقييم.
الخاتمة
وفي الختام- فاننا نُذّكر أن في العراق اليوم، تسير دولتان بالتوازي: دولة تُكتب في البرامج، ودولة تُدار في الواقع، والفجوة بينهما ليست قدرًا محتومًا، لكنها أيضًا لا تختفي بالرغبة، ونجاح الحكومة المقبلة (2026- 2029) لن يُقاس بوفرة الوعود، بل بقدرتها على تحويل الممكن إلى جسر نحو الواجب: أن تبدأ من الواقع، دون أن تستسلم له، وأن تتقدم بخطوات صغيرة، لكنها ثابتة، باتجاه ما يحتاجه الناس فعلًا.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى