عندما تصنع الشعوب النصر

قراءة دينية اجتماعية نفسية في صمود الشعبين الإيراني واللبناني في مواجهة العدوان

بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

 

مقدمة

في لحظات التحول الكبرى من تاريخ الأمم، لا يكون النصر مجرد نتيجة لمعركة عسكرية عابرة، تُحسم بميزان القوة والسلاح، بل هو حصيلة مسار طويل من التكوين الداخلي الذي تعيشه الشعوب في أعماقها قبل أن يتجلى على أرض الواقع، إنه ثمرة وعيٍ جمعيٍّ متجذر في العقيدة، يمنح الفعل معناه، ويضبط اتجاهه، ويُبقيه متصلًا بقيم عليا لا تتغير بتغير الظروف، وهو كذلك نتاج بنية اجتماعية متماسكة، تتوزع فيها الأدوار، وتتكامل فيها التضحيات، فيتحول المجتمع بأكمله إلى كيان حيٍّ يقاوم، لا مجرد أفراد متفرقين يستجيبون للأحداث، وإلى جانب ذلك، يقوم النصر على توازن نفسي عميق، يجعل الإنسان قادرًا على تحمّل الألم دون انكسار، وعلى تحويل المعاناة إلى دافع، والخسارة إلى وعي، والانتظار إلى فعلٍ صابرٍ واعٍ.

وفي هذا السياق، فإن ما يشهده الشعبان الإيراني واللبناني في مواجهة العدوان الإسرائيلي لا يمكن قراءته بوصفه مجرد ردّ فعل سياسي أو عسكري، بل هو تعبير عن حالة حضارية مركّبة، تتداخل فيها عناصر الإيمان مع الوعي، وتتجسد فيها القيم في السلوك اليومي للناس، وهنا لا تنفصل الفكرة عن الفعل، ولا تبقى العقيدة حبيسة النصوص، بل تتحول إلى طاقة دافعة تصوغ المواقف، وتحدد الخيارات، وتمنح الأفراد قدرة استثنائية على الثبات، ومن خلال هذا التلاقي العميق بين الإيمان والإنسان، بين الفكرة والسلوك، وبين التضحية والصمود، تتشكل ملامح تجربة فريدة، أثبتت أن الشعوب حين تعي ذاتها وقضيتها، فإنها لا تنتظر النصر، بل تصنعه بإرادتها وصبرها وتماسكها.

 

أولًا: البعد الديني… حين يتحول الإيمان إلى طاقة مقاومة

يشكّل البعد الديني ركيزةً عميقة في صمود الشعبين الإيراني واللبناني، إذ لا يُنظر إلى الدين فيهما بوصفه منظومة شعائرية فحسب، بل باعتباره إطارًا شاملًا يوجّه السلوك، ويمنح الفعل معناه، ويحدّد بوصلة الموقف في أوقات الشدة، فالوعي الجمعي يتغذى على مفاهيم راسخة مثل الجهاد، والصبر، والشهادة، لكنها لا تبقى مفاهيم نظرية أو وعظية، بل تتحول إلى طاقة عملية تُترجم في ميادين الحياة اليومية، من ساحات المواجهة إلى تفاصيل العيش تحت الضغط.

 

 

وتبرز هنا مركزية الثقافة المستمدة من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، التي أعادت عبر التاريخ صياغة العلاقة بين الإنسان والظلم، بين القلة والحق، وبين التضحية والنصر، فاستلهام ثورة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) لا يُقرأ بوصفه حدثًا تاريخيًا منقطعًا، بل كنموذج دائم الحضور في الوعي، يُعيد تعريف النصر بوصفه ثباتًا على المبدأ، حتى في لحظات الخسارة الظاهرية، ومن هذا المنطلق، يصبح “الانتصار” قيمة أخلاقية قبل أن يكون إنجازًا عسكريًا، ويغدو الصمود بحد ذاته فعلًا انتصاريًا.

هذا الفهم العميق يُنتج حالة من “الاطمئنان العقائدي”، حيث لا يشعر الفرد بأنه وحيد في المواجهة، بل جزء من مسار إلهي ممتد، تتكامل فيه أدوار الأجيال، لذلك، لا يُقاس العطاء بحسابات الربح والخسارة الآنية، بل بمدى الانسجام مع التكليف الديني والالتزام الأخلاقي، ومن هنا، يتحول الاستعداد للتضحية بالنفس والمال إلى سلوك طبيعي، لا يحتاج إلى تحفيز طارئ، لأن جذوره ضاربة في بنية الوعي منذ الطفولة، عبر التربية، والمجالس، والرموز، والذاكرة الجمعية.

كما يسهم هذا البعد الديني في إعادة تفسير الألم والمعاناة، فالفقد لا يُنظر إليه كخسارة مجردة، بل كارتقاء، والصبر لا يُفهم كاستسلام، بل كقوة ضابطة للنفس وموجّهة للفعل، وهذا ما يفسر غياب الضجر رغم طول الأزمات، إذ إن الإيمان لا يخفف الألم فقط، بل يمنحه معنى، ويحوّله إلى عنصر فاعل في معادلة الصمود، وهكذا، لا يكون الدين في هذه التجربة عنصرًا تعبويًا مؤقتًا، بل بنية عميقة تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فتجعله قادرًا على الثبات، مستعدًا للتضحية، ومؤمنًا بأن ما يقدّمه ليس مجرد موقف سياسي، بل امتداد لمسيرة حقٍّ تتجاوز حدود الزمان والمكان.

 

ثانيًا: البعد الاجتماعي… مجتمع المقاومة بوصفه بنية حاضنة للصمود

في كلٍّ من إيران ولبنان، لا يتجسد الصمود في مواقف فردية متفرقة، بل في بنية اجتماعية عميقة قادرة على تحويل المجتمع بأكمله إلى بيئة حاضنة للمقاومة، هذه البنية لا تنشأ عفويًا، بل تقوم على منظومة من القيم والعلاقات والمؤسسات التي تعيد تشكيل سلوك الأفراد وتوجّهه نحو هدف جمعي واضح، بحيث يغدو كل فرد عنصرًا فاعلًا في معادلة الصمود.

ويمكن فهم هذا التماسك من خلال ما أشار إليه عالم الاجتماع Émile Durkheim في نظرية التضامن الاجتماعي، حيث يرى أن المجتمعات تتماسك عبر القيم المشتركة التي تمنح الأفراد شعورًا بالانتماء والمعنى، وفي الحالة الإيرانية واللبنانية، تتحول “المقاومة” إلى قيمة عليا تتجاوز كونها خيارًا سياسيًا، لتصبح جزءًا من الهوية الجمعية، وبهذا، يتشكل نوع من “التضامن العضوي” الذي يؤدي فيه كل فرد دورًا متكاملًا مع الآخرين: الأسرة تربي، والمؤسسة تدعم، والفرد يضحي، والمجتمع يحتضن، في منظومة يصعب تفكيكها.

ولا يقتصر الأمر على التماسك القيمي، بل يتعزز عبر آليات عملية تفسرها نظرية التعبئة الجماهيرية، التي توضّح كيف يمكن تحويل الأفراد إلى قوة منظمة ومؤثرة، ففي هذه المجتمعات، تلعب المؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، والنظام التعليمي دورًا حاسمًا في:

 

  • توجيه الوعي نحو فهم مشترك للتحديات.

  • تعبئة الطاقات البشرية والمادية.

  • الحفاظ على استمرارية الحافز والدافعية عبر الزمن.

 

وبذلك، لا تبقى المقاومة حالة طارئة مرتبطة بحدث معين، بل تتحول إلى سلوك اجتماعي مستدام، يتجدد مع كل جيل.

أما العامل الثالث، فيتمثل في ما يُعرف بـ”رأس المال الاجتماعي”، أي مستوى الثقة المتبادلة بين الأفراد والمؤسسات، فكلما ارتفعت هذه الثقة، ازدادت قدرة المجتمع على التماسك في مواجهة الأزمات، وفي إيران، يظهر هذا بوضوح في الالتفاف الشعبي حول الدولة رغم الضغوط الخارجية، خاصة خلال فترة ترامب وحربه على ايران، حيث لم تؤدِ العقوبات والحرب إلى تفكك داخلي كما كان متوقعًا، بل أسهمت في تعزيز التماسك، نتيجة شعور جماعي بأن التهديد يستهدف الجميع دون استثناء.

وعند دمج هذه التفسيرات النظرية مع الواقع، تتضح صورة المجتمع المقاوم بوصفه كيانًا حيًا يمتلك “مناعة اجتماعية “عالية، فالتضامن يمنحه التماسك، والتعبئة تمنحه الحركة، ورأس المال الاجتماعي يمنحه الثقة، وبهذا، يصبح من الصعب على أي عدوان خارجي أن يُحدث شرخًا داخليًا، لأن المجتمع لا يقوم على روابط سطحية، بل على شبكة عميقة من القيم والعلاقات التي تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

 

ثالثًا: البعد النفسي… حين يتكامل التماسك مع المعنى في صناعة الصبر

لا يمكن فهم صمود الشعبين الإيراني واللبناني إذا ما فُصل البعد النفسي عن امتداده الاجتماعي؛ فالصبر هنا ليس مجرد حالة داخلية يعيشها الفرد، بل هو نتاج تفاعل عميق بين بنية المجتمع ومنظومة المعاني التي يحملها أفراده، ومن هذا التداخل يتشكل ما يمكن تسميته بـ”البيئة الحاضنة للصبر”، حيث يتحول التماسك الاجتماعي إلى مصدر تغذية نفسية مستمرة، ويغدو الثبات النفسي بدوره عاملًا يعزز من قوة المجتمع واستقراره.

 

إميل دوركايم Émile Durkheim فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي

 

فمن جهة، يفسّر علم الاجتماع هذا التماسك عبر ما طرحه Émile Durkheim في نظرية التضامن الاجتماعي، حيث تقوم المجتمعات القوية على منظومة قيم مشتركة تمنح الأفراد شعورًا بالانتماء والمعنى. وفي هذه الحالة، تشكّل “المقاومة” قيمة مركزية، تجعل الفرد يشعر أن صبره ليس معاناة فردية، بل مساهمة في هدف جماعي. وهنا يتجاوز الألم حدوده الشخصية، ليصبح جزءًا من تجربة جمعية يتقاسمها الجميع.

ومن جهة أخرى، تعمل آليات التعبئة الجماهيرية على تحويل هذا الانتماء إلى طاقة نفسية فاعلة”، فالمؤسسات الدينية والإعلامية والتربوية لا تكتفي بتوجيه السلوك، بل تسهم في بناء وعي نفسي قادر على التحمّل، عبر:

 

  • ربط المعاناة بهدف سامٍ.

  • تعزيز الأمل عبر سرديات النصر والتضحية.

  • خلق حالة من الاستمرارية النفسية التي تمنع الانهيار.

وهذا ما يفسر كيف أن الأفراد، رغم تعرضهم لضغوط قاسية، لا يعيشون حالة ضجر أو انهيار، بل يحافظون على توازنهم النفسي.

أما على المستوى الأعمق، فإن هذه الحالة تعبّر عن مستوى عالٍ من “المرونة النفسية”، حيث يتحول الصبر من حالة سلبية إلى استراتيجية وجود، فالإنسان هنا لا يتحمّل الألم فقط، بل يعيد تفسيره، ويمنحه معنى، وهو ما يتقاطع مع ما طرحه Viktor Frankl في نظريته حول “البحث عن المعنى“، إذ يرى أن الإنسان قادر على تحمّل أقسى الظروف إذا أدرك أن لمعاناته هدفًا، وفي هذه التجربة، يُربط الألم بالدفاع عن الكرامة والعقيدة، فيتحول إلى دافع للاستمرار لا سببًا للانكسار.

وهكذا، يتضح أن الصبر في هذه الحالة ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو نتاج منظومة متكاملة:

مجتمع يمنح المعنى، ومؤسسات تعزّز الوعي، وثقة تبني الطمأنينة، وإيمان يحوّل الألم إلى قوة. ومن هذا التفاعل، يولد إنسان قادر على التحمّل دون ضجر، وعلى الاستمرار دون انكسار، ليصبح الصبر فعلًا مقاومًا بحد ذاته، لا مجرد انتظار للنهاية.

 

رابعًا: نماذج التضحية… حين يتقدّم الشعب الصفوف

لا يمكن فهم هذا الصمود دون التوقف عند نماذج التضحية التي يقدّمها أبناء الشعبين، بوصفها تعبيرًا حيًا عن عمق الإيمان وترسّخ القناعة. ففي لبنان، تتجلى هذه الروح في احتضان المقاومة ودعمها بالمال والرجال، وفي الاستعداد الدائم لمواجهة العدوان، حيث لا تُنظر المواجهة بوصفها شأنًا عسكريًا يخص فئة محددة، بل كقضية مجتمعية يتقاسمها الجميع، وفي إيران، يظهر ذلك في الالتفاف الشعبي الواسع حول الدولة، والمشاركة الفاعلة في مختلف الميادين، رغم ما يرافق ذلك من ضغوط اقتصادية ومعيشية.

 

 

غير أن ما تعكسه الوقائع الميدانية، كما تنقله المشاهد المصوّرة والشهادات الحيّة، يتجاوز هذه الصورة العامة إلى تفاصيل أكثر عمقًا وتأثيرًا، فنرى، على سبيل المثال، الأم التي فقدت أبناءها، لا تقف عند حدود الحزن، بل تعلن استعدادها لتقديم من تبقى، بوصف ذلك امتدادًا لرسالة تؤمن بها، لا مجرد رد فعل عاطفي، هذه الصورة، التي تتكرر في أكثر من سياق، تكشف عن مستوى عالٍ من الوعي الذي يعيد تعريف العلاقة بين الفقد والواجب، ويحوّل الأمومة من حالة عاطفية خالصة إلى موقف رسالي واعٍ.

كما تظهر نماذج أخرى في تعامل الناس مع الخسائر المادية، فالبيوت المهدّمة، والمصالح المتضررة، لا تُقدَّم بوصفها كوارث فردية فقط، بل يُعاد تأطيرها ضمن خطاب “الفداء”، حيث يُنظر إليها كجزء من ثمن الصمود، وفي كثير من المشاهد، يعبّر أصحاب هذه البيوت عن رضاهم، بل واعتزازهم، بأن ما فقدوه كان في سبيل بقاء الكرامة، فيتحول الخراب من رمز للألم إلى دليل على المشاركة في المعركة.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى المواقف الجماعية، كالمشاركة الواسعة في تشييع الشهداء، أو في حملات الدعم، حيث تتحول هذه الفعاليات إلى لحظات إعادة إنتاج للمعنى، يتجدد فيها العهد، وتُرسَّخ فيها القيم، إن هذه المشاهد لا تعكس مجرد تعاطف، بل تعبّر عن اندماج كامل بين الفرد والقضية، بحيث تصبح التضحية جزءًا من الهوية، لا سلوكًا استثنائيًا.

لقد أثبتت هذه التجربة أن الشعوب حين تؤمن بقضيتها، فإنها لا تكتفي بالدعم المعنوي، بل تتحول إلى شريك فعلي في المعركة، تقدّم ما تملك- من النفس والمال والوقت والاستقرار- من أجل بقاء الكرامة. وهنا، لا يعود النصر نتيجة لجهد.

 

خامسًا: فشل الرهانات الخارجية… حين تنقلب المعادلات

راهن صانع القرار الأمريكي، لا سيما في عهد ترامب، على أن الضغوط الاقتصادية والسياسية والحرب وقتل القادة ستؤدي إلى تفكك الداخل الإيراني، ودفع الشعب نحو الانقلاب على نظامه، إلا أن ما حدث كان على النقيض تمامًا، إذ خرج الملايين من الإيرانيين في مشاهد لافتة، مؤكدين دعمهم للدولة ورفضهم للإملاءات الخارجية، وهذا المشهد يعكس حقيقة عميقة، وهي أن الضغط الخارجي، حين يواجه بشعب واعٍ، قد يتحول إلى عامل توحيد لا تفتيت، وإلى دافع لتعزيز الانتماء بدل تقويضه.

 

الخاتمة

الشعوب حين تؤمن… تصنع النصر

 

إن تجربة الشعبين الإيراني واللبناني تؤكد أن النصر لا يُصنع في غرف العمليات فقط، بل في عقول الناس وقلوبهم، فحين يتكامل البعد الديني مع التماسك الاجتماعي، وتدعمه مرونة نفسية عالية، يصبح الشعب نفسه هو السلاح الأقوى.

وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى: أن الشعوب التي لا تضجر، ولا تساوم على مبادئها، ولا تتخلى عن مقاومتها، قادرة على تحويل كل عدوان إلى فرصة، وكل ألم إلى قوة، وكل تضحية إلى طريق نحو النصر.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى