إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مقدمة
شهد العالم في العقود الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة الحروب، فلم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش نظامية، بل أصبحت منظومة معقدة تتداخل فيها القوة العسكرية مع الإعلام والاقتصاد والتقنية، ومع الانتشار الواسع للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الأفراد العاديون جزءًا من فضاء الصراع، سواء عبر نشر المعلومات أو التأثير في الرأي العام أو المشاركة في تشكيل السرديات الإعلامية.
وفي ظل الحرب الدائرة حاليًا بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، يبرز سؤال أخلاقي جوهري: ما مسؤولية المجتمعات، ولا سيما المجتمعات العربية والإسلامية، في التعامل مع هذه الحروب؟ وهل يقتصر دورها على المتابعة، أم أن لها مسؤولية أخلاقية في تشكيل موقف عادل تجاه ما يجري؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي فهم التحولات التي طرأت على الحروب الحديثة، ودراسة الدور الذي بات يلعبه الإعلام الرقمي في توجيه المواقف، ثم قراءة الموقف الأخلاقي للعرب والمسلمين في ضوء القيم الإنسانية والإسلامية التي ترفض الظلم والعدوان.
أولًا: تحولات الحرب في العصر الرقمي
تختلف الحروب الحديثة عن الحروب التقليدية في كونها لم تعد تعتمد فقط على السلاح والقدرات العسكرية، بل أصبحت تعتمد بشكل كبير على المعلومات والتقنيات الرقمية، فالتطور التكنولوجي أتاح للدول الكبرى امتلاك أدوات متقدمة للحرب مثل الطائرات المسيّرة، والأسلحة الذكية، والهجمات السيبرانية، الأمر الذي جعل الحرب أكثر تعقيدًا وأوسع تأثيرًا، وإلى جانب ذلك، أصبحت الحرب الإعلامية جزءًا أساسيًا من الصراع، فالدول لا تسعى فقط إلى تحقيق التفوق العسكري، بل تحاول أيضًا السيطرة على الرواية الإعلامية للأحداث، لأن الرأي العام العالمي أصبح عاملًا مهمًا في تحديد شرعية الحروب أو رفضها.
وفي هذا السياق، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في نشر الأخبار والصور ومقاطع الفيديو المرتبطة بالحرب، غير أن هذا الدور يحمل وجهين، فمن جهة قد يسهم في كشف الانتهاكات ونقل معاناة الشعوب إلى العالم، ومن جهة أخرى قد يُستخدم لنشر الأخبار المضللة أو الدعاية السياسية، لذلك أصبح المواطن العادي في العصر الرقمي جزءًا من معركة الروايات الإعلامية، حيث يمكن لمنشور واحد أو مقطع فيديو أن يسهم في تشكيل تصورات واسعة لدى الجمهور.
ثانيًا: المسؤولية الأخلاقية للأفراد في زمن الإعلام الرقمي
إن توسع دور الأفراد في المجال الإعلامي يفرض عليهم مسؤوليات أخلاقية جديدة، لأن الكلمة في العصر الرقمي قد تتحول إلى أداة مؤثرة في الصراع.
أولى هذه المسؤوليات هي التحقق من المعلومات قبل نشرها، فالحروب عادة ما تكون بيئة خصبة للشائعات والدعاية، وقد يؤدي نشر الأخبار غير الدقيقة إلى تضليل الرأي العام أو تأجيج الصراعات، ولذلك فإن الالتزام بالدقة والموضوعية في نقل الأخبار يمثل واجبًا أخلاقيًا في زمن الإعلام المفتوح.
المسؤولية الثانية تتمثل في تجنب خطاب الكراهية والتحريض الطائفي أو العنصري، فالحروب غالبًا ما تستغل الانقسامات الاجتماعية والطائفية لإضعاف المجتمعات، وقد تسهم بعض الخطابات المتطرفة في تعميق هذه الانقسامات، ومن هنا فإن الحفاظ على خطاب عقلاني متزن يعد ضرورة أخلاقية لحماية السلم الاجتماعي.
أما المسؤولية الثالثة فهي الحفاظ على إنسانية الضحايا، فكثرة الصور والمشاهد القادمة من مناطق الحرب قد تؤدي أحيانًا إلى تطبيع العنف أو التعامل مع معاناة البشر بوصفها مادة إعلامية عابرة، بينما يقتضي الضمير الإنساني النظر إلى الضحايا بوصفهم بشرًا لهم كرامة وحقوق، وليس مجرد أرقام في نشرات الأخبار.

ثالثًا: الإطار الأخلاقي الإسلامي في التعامل مع الحروب
يقدّم التراث الإسلامي منظومة أخلاقية واضحة في التعامل مع النزاعات والحروب، وهي منظومة تقوم على مبادئ العدل والإنسانية حتى في أصعب الظروف. فالإسلام يرفض العدوان ويربط مشروعية القتال بالدفاع عن النفس ورفع الظلم. وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين“، وهو نص يؤكد أن الحرب في الإسلام ليست وسيلة للهيمنة أو التوسع، بل وسيلة للدفاع عن الحقوق وردّ العدوان.
وقد جسّد أئمة أهل البيت عليهم السلام هذه القيم في أقوالهم وسلوكهم العملي، فكانوا يؤكدون أن القتال لا يبرَّر إلا حين يكون دفاعًا عن الحق أو رفعًا للظلم، فقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في وصيته لجيشه: “لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم“، وهو توجيه أخلاقي يؤكد أن المبادرة بالعدوان ليست من منهج الإسلام، وأن القتال ينبغي أن يكون ردًّا على الاعتداء لا وسيلة لفرض السيطرة.
كما شدد الإمام علي عليه السلام في وصاياه على ضرورة الالتزام بالقيم الإنسانية في أثناء الحرب، فقال مخاطبًا جنده: “لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرًا إلا لضرورة”، وهو توجيه يعكس بوضوح حرص الإسلام على حماية المدنيين وعدم تحويل الحرب إلى وسيلة للانتقام أو التخريب.
وفي السياق نفسه يؤكد الإمام الحسن بن علي عليه السلام أن قيمة السلام مقدَّمة ما دام يحقق حقن الدماء وصيانة المجتمع، إذ قال: “ما أردت بمصالحتي إلا حقن دماء المسلمين”، وهو موقف يبرز أن الهدف من المواقف السياسية والعسكرية في الإسلام ليس إدامة الصراع، بل الحفاظ على حياة الناس واستقرار المجتمع، أما الإمام الحسين عليه السلام فقد عبّر عن فلسفة المقاومة للظلم بقوله المشهور: “إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”، وهو تصريح يوضح أن مواجهة الظلم في الفكر الإسلامي ليست نزعة عدوانية، بل موقف أخلاقي يهدف إلى حماية العدالة وكرامة الإنسان.
ومن خلال هذه النصوص يتضح أن التراث الإسلامي يؤكد ضرورة حماية المدنيين وعدم استهداف النساء والأطفال والشيوخ أو تدمير الممتلكات بلا ضرورة، كما يؤكد أن الحرب في الإسلام تظل محكومة بضوابط أخلاقية صارمة، وأن الهدف النهائي ليس استمرار الصراع بل رفع الظلم وتحقيق العدل والسعي إلى السلام متى ما توافرت شروطه العادلة.
رابعًا: الموقف الأخلاقي من الحرب المفروضة على إيران
إن الحرب التي تتعرض لها إيران في ظل الضربات العسكرية الواسعة تمثل نموذجًا واضحًا للحروب الحديثة التي تتداخل فيها القوة العسكرية مع الصراع الإعلامي والسياسي، غير أن قراءة هذا المشهد لا يمكن أن تكون قراءة سطحية أو منفصلة عن سياقه، فإيران لم تجد نفسها في هذه المواجهة بوصفها دولة بادئة بالحرب، بل بوصفها طرفًا تعرض خلال السنوات الأخيرة، بل وحتى في الفترات التي كانت فيها منخرطة في مسارات تفاوضية، إلى سلسلة من الضغوط والاعتداءات العسكرية والأمنية المتكررة، إن وقوع هذه الاعتداءات في أوقات كانت فيها طهران منخرطة في المفاوضات يكشف عن مفارقة أخلاقية خطيرة، إذ يُفترض أن تكون المفاوضات طريقًا لتخفيف التوتر لا غطاءً لمواصلة الضغط العسكري.
وفي هذا السياق يبرز سؤال أخلاقي مهم أمام المجتمعات العربية والإسلامية: كيف ينبغي النظر إلى هذه الحرب؟

إن المقاربة الأخلاقية تقتضي أولًا التمييز بين الخلافات السياسية أو الأيديولوجية مع أي دولة وبين الموقف من الاعتداء العسكري عليها، فالتاريخ السياسي للدول بطبيعته مليء بالاختلافات والتباينات، غير أن استهداف دولة وشعب بالحرب والتدمير، ولا سيما في ظل ظروف تفاوضية، يظل قضية إنسانية وأخلاقية قبل أن يكون قضية سياسية.
لقد وجدت إيران نفسها، في نظر كثير من المراقبين، تدفع ثمن موقفها الرافض للانخراط الكامل في منظومة الهيمنة الدولية التي تسعى بعض القوى الكبرى إلى فرضها على المنطقة، فعدم مهادنة السياسات الأمريكية و”الإسرائيلية”، ورفض الرضوخ العلني لمعادلات القوة المفروضة، جعلها عرضة لضغوط عسكرية وسياسية متكررة، ومن هذا المنظور يمكن فهم كثير من الضربات التي تعرضت لها إيران بوصفها محاولة لإجبارها على الإذعان لإرادة سياسية خارجية، لشيء اخر.
وعلى هذا الأساس، فإن قراءة طبيعة المواجهة تظهر أن إيران تتصرف في إطار الدفاع عن سيادتها وحقها في الاستقلال السياسي أكثر مما تتصرف بوصفها دولة تسعى إلى إشعال حرب شاملة، فالدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة الضغوط والاعتداءات المتكررة يعد في المنظورين القانوني والأخلاقي حقًا مشروعًا، بل واجبًا لا يمكن التفريط فيه.
إن دعم إيران المتضررة من الحرب لا يعني بالضرورة تبني كل مواقف الدولة السياسية أو الاتفاق مع جميع سياساتها، بل يعني الوقوف ضد منطق الحروب التدميرية التي يدفع ثمنها المدنيون والبنية التحتية والاقتصاد الوطني، ولذلك فإن الوقوف مع إيران في هذه الظروف يمكن فهمه في إطار التضامن الإنساني مع شعب يتعرض لضغوط عسكرية وسياسية كبيرة، وفي إطار رفض مبدأ فرض الإرادات السياسية بالقوة.
ومن هذا المنطلق يتولد لدى كثير من المسلمين شعور أخلاقي بأن الوقوف إلى جانب إيران في مواجهة الاعتداءات المتكررة لا يُفهم فقط بوصفه موقفًا سياسيًا، بل بوصفه موقفًا أخلاقيًا ينبع من مبدأ نصرة المظلوم والدفاع عن حق الشعوب في السيادة والاستقلال، فالتضامن مع الطرف الذي يجد نفسه في موقع الدفاع عن وجوده وسيادته يعكس في جوهره التزامًا بالقيم الإنسانية والإسلامية التي تدعو إلى مقاومة الظلم ورفض الهيمنة المفروضة بالقوة.
خامسًا: مسؤولية العرب والمسلمين في تشكيل موقف أخلاقي واعٍ
تمثل الحرب الدائرة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المجتمعات العربية والإسلامية على بناء موقف أخلاقي مستقل يقوم على المبادئ لا على الاصطفافات الضيقة، فمن ناحية أولى، ينبغي رفض تحويل الصراع إلى انقسام طائفي، لأن مثل هذا الخطاب يخدم أطراف الصراع أكثر مما يخدم الشعوب، ومن ناحية أخرى، يجب تعزيز خطاب التضامن الإنساني مع الشعوب المتضررة من الحروب، بغض النظر عن الخلافات السياسية أو المذهبية.
يتحمل المثقفون والإعلاميون مسؤولية كبيرة في توجيه النقاش العام نحو قراءة عقلانية للأحداث، تقوم على تحليل المصالح الدولية وفهم طبيعة الصراعات الحديثة، بدل الاكتفاء بالخطابات العاطفية أو الشعارات السياسية.
الخاتمة
لقد أدت الثورة الرقمية إلى تحويل الحروب من صراع عسكري محدود إلى صراع شامل يشمل الإعلام والاقتصاد والوعي المجتمعي، وفي ظل هذه التحولات لم يعد الأفراد مجرد متفرجين على الأحداث، بل أصبحوا مشاركين في تشكيل الرأي العام عبر ما ينشرونه أو يتفاعلون معه.
ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية للمجتمعات العربية والإسلامية تقتضي تبني موقف إنساني واضح يرفض العدوان والحروب التدميرية التي تقودها أمريكا و”اسرائيل”، ويقف إلى جانب الدول و الشعوب المتضررة من الصراعات، وفي الحالة الراهنة، فإن التضامن الأخلاقي مع إيران بوصفها طرفًا يتعرض لضغوط عسكرية واسعة يمكن أن يُفهم في إطار الدفاع عن مبدأ أوسع هو رفض منطق الهيمنة والحروب التي تفرض على الشعوب دون إرادتها.
إن التاريخ يبين أن قوة المجتمعات لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا بقدرتها على التمسك بالمبادئ الأخلاقية في أصعب اللحظات، ولذلك فإن بناء خطاب أخلاقي مسؤول في زمن الحروب الرقمية يمثل ضرورة حضارية تسهم في حماية الإنسان وكرامته في عالم يزداد اضطرابًا.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى