إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
في تاريخ الصراع بين الأمم لم تكن الهيمنة دائماً نتيجة تفوق مادي خالص، بل كثيراً ما قامت على هيمنة نفسية سبقت التفوق العسكري، فالقوة حين تُضخَّم صورتها في وعي الآخرين تتحول إلى أسطورة، وتصبح قادرة على إخضاعهم حتى قبل أن تتحرك جيوشها.
ولهذا فإن الطغيان عبر التاريخ لم يعتمد على السيف وحده، بل اعتمد على زرع الخوف في النفوس حتى يصبح الخضوع أمراً طبيعياً، غير أن القرآن الكريم يواجه هذا البناء النفسي بسؤال بسيط في لفظه، عظيم في معناه ﴿لَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الزمر: 36.
إنه سؤال يحرر الإنسان من أعظم القيود التي يمكن أن تُفرض عليه: الخوف من القوة المتغلبة، فالقرآن لا ينكر وجود القوة المادية، لكنه يرفض أن تتحول إلى مصدر للرعب في قلب من يستند إلى الله. ومن هنا تتحول هذه الآية إلى قاعدة حضارية في فهم الشجاعة الإنسانية والتحرر من الهيمنة النفسية للقوة.
فتشير الآية إلى مفهوم عميق هو الكفاية الإلهية، فالله سبحانه لا يعد عباده بالنصرة فحسب، بل يعدهم بالكفاية، أي أن من استند إليه لن يبقى أسير الخوف من غيره، وقد أوضح المفسرون أن هذه الكفاية ترتبط بمقام العبودية الصادقة، فكلما ازداد اعتماد الإنسان على الله، تحرر قلبه من الاعتماد المطلق على الأسباب المادية.
وهذا هو جوهر مفهوم التوكل في الفكر الإسلامي، فالتوكل ليس ترك العمل أو إهمال الأسباب، بل هو- كما يعرّفه العلماء- اعتماد القلب على الله مع السعي في عالم الأسباب، ولذلك يصبح التوكل مصدراً للشجاعة، لأنه يحرر الإنسان من الخوف الذي تصنعه موازين القوة الظاهرة.
تكشف الآية في عبارتها القصيرة ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ عن آلية نفسية عميقة في إدارة الصراع، فالطغاة لا يكتفون بالقوة، بل يعملون على صناعة الهيبة حول هذه القوة، وكلما تضخمت هذه الهيبة في الوعي الجمعي، أصبحت السيطرة أسهل، لأن الخوف يشل إرادة المقاومة.
وقد أصبحت هذه الآلية في العصر الحديث جزءاً مما يُعرف في الدراسات الاستراتيجية باسم الحرب النفسية، فالقوى الكبرى لا تعتمد على السلاح فقط، بل على بناء صورة ذهنية عن تفوقها المطلق، بحيث يبدو تحديها ضرباً من المستحيل.

لكن القرآن يواجه هذه الصورة بسؤال واحد يعيد ترتيب ميزان القوة في الوعي: إذا كان الله هو الكافي، فكيف تتحول قوة المخلوق إلى مصدر للخوف؟
والتاريخ الرسالي يقدم أمثلة متكررة على هذا التحرر من الخوف، فالنبي إبراهيم عليه السلام واجه سلطة النمرود التي كانت تجمع بين القوة السياسية والدينية، لكنه لم يرها إلا قوة محدودة أمام قدرة الله.
وموسى عليه السلام وقف أمام فرعون وجيشه عند البحر، وفي لحظة بدا فيها أن النهاية قد حانت قال كلمته الخالدة ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وإن هذه الكلمة لم تكن مجرد تعبير عن الأمل، بل كانت إعلاناً عن تحرر كامل من الخوف، وهو التحرر الذي فتح الباب أمام المعجزة.
وفي التراث الإسلامي تتجلى هذه الرؤية بوضوح في كلمات الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، التي تكشف عن عمق العلاقة بين الإيمان والشجاعة، ففي وصف المتقين يقول: “عَظُمَ الخالقُ في أنفسهم فَصَغُرَ ما دونه في أعينهم”، وهذه العبارة تختصر سر الشجاعة الإيمانية، فحين يكبر الله في قلب الإنسان، تتضاءل أمامه كل القوى الأخرى.
وفي موضع آخر يقول: “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه”، إنها دعوة إلى التحرر من الخوف الاجتماعي والسياسي الذي قد يدفع الإنسان إلى الصمت أمام الظلم.
كما يقول: “من توكل على الله كُفي”، وهي عبارة تلخص مضمون الآية القرآنية نفسها، وتكشف أن الشجاعة ليست مجرد اندفاع، بل هي ثمرة يقين روحي عميق.
وإذا كان تاريخ الأنبياء مليئاً بنماذج كسر الخوف، فإن واقعة كربلاء تمثل في الوعي الإسلامي إحدى اللحظات الكبرى لتحرير الإنسان من هيبة السلطة، فالإمام الحسين عليه السلام واجه سلطة سياسية ضخمة بجيش قليل العدد، لكنه أدرك أن المعركة الحقيقية لم تكن معركة سلاح، بل معركة وعي وإرادة.
لقد كان الهدف الأعمق لموقفه هو كسر الهيبة التي حاولت السلطة الأموية فرضها على الأمة، ولذلك أصبحت كلمته: “هيهات منا الذلة” إعلاناً تاريخياً عن سقوط أسطورة القوة التي تقوم على التخويف.
إن القاعدة القرآنية التي تطرحها هذه الآية لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل تمتد آثارها إلى الواقع المعاصر، فالكثير من أنظمة الهيمنة الحديثة تعتمد على تضخيم صورتها في الوعي العالمي أكثر مما تعتمد على قوتها الفعلية.
ولهذا فإن تحرير الإنسان من الخوف يصبح الخطوة الأولى في مواجهة هذه الهيمنة، فحين تتحرر النفوس من الرهبة، يفقد التفوق المادي جزءاً كبيراً من تأثيره، وهكذا يتحول الإيمان بالكفاية الإلهية من مجرد عقيدة روحية إلى طاقة نفسية وحضارية قادرة على صناعة الشجاعة والصمود.
إن سؤال القرآن: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ليس مجرد تعبير بلاغي، بل هو دعوة لإعادة بناء ميزان القوة في وعي الإنسان، فالتاريخ يثبت أن كثيراً من القوى التي بدت في زمانها قوى لا تقهر قد سقطت حين انهارت الهيبة التي كانت تحيط بها، أما الإيمان الذي يحرر القلب من الخوف فقد ظل قادراً على إنتاج الشجاعة عبر العصور.
ولهذا فإن مواجهة الاستكبار لا تبدأ بتكافؤ السلاح، بل بتحرير الإنسان من أسطورة القوة، فمن كان الله كافيه، لم يعد يخشى سلطان الأرض، ومن استند إلى القدرة الإلهية استطاع أن يقف في وجه الطغيان بثبات، مهما عظمت أدواته. لذا، يجب العودة إلى المنابع القرآنية للتحرر من عقدة القوة..
إن أحد التحديات الفكرية التي تواجه كثيراً من المجتمعات، ولاسيما في البيئات الشرقية والإسلامية، هو ترسخ صورة ذهنية عن القوة العالمية بوصفها قوة لا تُقهر، وقد أسهمت التحولات السياسية والإعلامية في العقود الأخيرة في ترسيخ هذا الانطباع، حتى أصبح لدى بعض الشعوب نوع من الاستسلام النفسي لفكرة التفوق المطلق للقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة ومن يتحالف معها.
غير أن هذه النظرة لا تنسجم مع الرؤية القرآنية للقدرة والقوة، فالقرآن لا ينكر وجود التفوق المادي بين الأمم، لكنه يرفض تحويل هذا التفوق إلى قدرٍ نفسي يفرض الخضوع على الشعوب، ولهذا فإن العودة إلى الأدبيات القرآنية في فهم القوة والضعف تصبح ضرورة فكرية وثقافية، لأنها تعيد بناء الوعي على أساس أن القوة في التاريخ ليست مجرد توازن عسكري، بل هي نتاج مركب من الإرادة والوعي والإيمان والقدرة على التحرر من الخوف.
ومن هنا فإن على المجتمعات الإسلامية، وعلى نُخَبِها الفكرية والسياسية، أن تعيد قراءة تراثها القرآني والروحي قراءة عميقة تستخرج منه المعاني التي تحرر الإنسان من عقدة القوة المهيمنة، فالتاريخ يعلمنا أن القوى التي تبدو في لحظة معينة قوى مطلقة سرعان ما تفقد هيبتها حين تواجه شعوباً تمتلك الإرادة والثقة بقدرتها على النهوض.
وإن القرآن حين يطرح السؤال أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ، إنما يفتح أمام الإنسان أفقاً جديداً لفهم القوة، أفقاً يحرره من الاستسلام النفسي لأي قوة أرضية مهما بدت عظيمة، فالقوة التي تستند إلى الإيمان والوعي والكرامة الإنسانية تستطيع أن تكسر معادلة التخويف التي يعتمد عليها الاستكبار في فرض هيمنته.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى