بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مقدمة
في المدينة المنوّرة، قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، لم تكن الفتنة بحاجة إلى سيوف ولا جيوش، كانت بحاجة إلى خبر واحد فقط، امرأة من بيت كبير أخطأت، فاهتزّ المجتمع كله، لم يكن الحدث هو السرقة وحدها، بل ما تلاها: الهمس، التلميح، التهويل، ثم التشهير. صارت المرأة حديث المجالس، واسمها يتردّد لا بوصفها إنسانًا أخطأ، بل بوصفها عارًا يجب أن يُعرض للناس، وتقدّم البعض إلى النبي (صلى الله عليه واله) لا ليحفظوا كرامتها، بل ليخففوا الحكم عنها لأن نسبها “رفيع”… غضب النبي (صلى الله عليه واله)، وقال كلمته التي هزّت المدينة: “والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها“. لكن الأخطر لم يكن تنفيذ الحكم… بل ما فعله الناس بعدها. بدأوا يتداولون القصة، يروون التفصيلات، يعيدون سردها، ويحوّلون امرأة تابت إلى فضيحة حيّة تمشي في الطرقات.
عندها وقف النبي (صلى الله عليه واله) مرة أخرى، ليضع حدًا لانهيار الضمير قبل انهيار القانون، وقال:”من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فستره الله فهو إلى الله… ومن كشف ستر الله عليه فقد خان الأمانة”.
ومع التحول الرقمي المتسارع، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للتواصل وتبادل الأفكار، بل تحوّلت إلى فضاءات عامة مفتوحة تُعرض فيها الحياة الخاصة بلا حدود واضحة بين ما هو شخصي وما هو مشاع، وبين ما ينبغي ستره وما يُدفع عمدًا إلى دائرة الاستهلاك الجماهيري. وفي ظل غياب ضابط أخلاقي جامع، وضعف الردع القانوني، أصبحت هذه المنصات ساحة خصبة لتفريغ الانفعالات، وتصفية الحسابات، وتحويل الخلافات العائلية إلى مادة إعلامية شعبوية.
وفي العراق، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل في نشر الفضائح العائلية، والمشكلات الزوجية، والتسجيلات الخاصة، أحيانًا بمبادرة أطراف داخل الأسرة نفسها، وأحيانًا نتيجة تواطؤ اجتماعي صامت على إعادة النشر والتداول. ويُلاحظ أن بعض هذه الحالات تكشف عن جرأة غير مسبوقة على انتهاك الحرمات، وضعف واضح في قيمة الحياء، سواء على مستوى الأفراد أو بعض العوائل التي لم تعد ترى في الخصوصية العائلية خطًا أحمر، بل وسيلة للضغط، أو الانتقام، أو لفت الانتباه، أو حتى تحقيق شهرة رقمية زائفة، ولا يمكن إغفال أن ضعف الحياء– بوصفه قيمة أخلاقية وسلوكية- قد أصاب بعض الشرائح، نتيجة عوامل متداخلة، منها التفكك الأسري، وتراجع دور التربية الدينية، وتأثير المحتوى الرقمي العابر للثقافات، الذي أعاد تعريف الجرأة بوصفها حرية، والتعرّي المعنوي بوصفه شجاعة، والفضيحة بوصفها حقًا في التعبير. وقد ساهم هذا التحول في تطبيع سلوكيات كانت تُعدّ في الوعي الجمعي العراقي من أقبح المحرمات الاجتماعية.
أما التفاعل الجماهيري مع هذه الظواهر، فيتسم بازدواجية لافتة، إذ يترافق الخطاب الأخلاقي المُدان ظاهريًا مع متابعة نهمة، وتعليقات قاسية، وتداول واسع، يكشف عن فضول مرضي وتشفٍّ اجتماعي، أكثر مما يعكس حرصًا حقيقيًا على القيم. وهنا يتحول المجتمع من رافض للفضيحة إلى شريك في إشاعتها، ومن مدافع عن الأخلاق إلى منتج يومي لانتهاكها.
إن هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بوصفها انحرافًا فرديًا أو حدثًا إعلاميًا عابرًا، بل هي مرآة لاختلالات أعمق تمسّ بنية القيم، ومفهوم الحياء، وحدود الحرية، ووظيفة الأخلاق في المجتمع. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة تحليلية معمّقة، تنطلق من المنظور القرآني الذي شدد على الستر ونبذ إشاعة الفاحشة، ومن تعاليم أهل البيت (ع) التي أرست فقهًا أخلاقيًا متوازنًا يحفظ الكرامة الإنسانية، مع قراءة نفسية واجتماعية تكشف الدوافع الخفية وراء الجرأة على الفضيحة، والتطبيع معها في الوعي الجمعي العراقي.
أولًا: الموقف القرآني من كشف العورات وانتهاك الخصوصية

يقدّم القرآن الكريم تصورًا أخلاقيًا متكاملًا لحماية الإنسان في سمعته وخصوصيته وكرامته، ويجعل من الستر مبدأً مركزيًا في بناء المجتمع الصالح، مقابل تحريم صريح لكل أشكال إشاعة الفاحشة، وتتبع العورات، وكشف الأسرار الخاصة. فالأخلاق القرآنية لا تقف عند حدود الفعل الفردي، بل تمتد لتشمل الأثر الاجتماعي للفعل وتداعياته الجماعية.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (النور:19)، وتكمن خطورة هذه الآية في أنها لا تجرّم الفاحشة بوصفها سلوكًا فرديًا فحسب، بل تُحمّل المسؤولية الأخلاقية لكل من يساهم في إشاعتها أو التلذذ بتداولها أو ترويجها، حتى وإن لم يكن طرفًا مباشرًا في وقوعها. وهو ما ينطبق بدقة على من يقوم بنشر المقاطع الخاصة، أو إعادة تداولها، أو التعليق عليها بدافع الفضول أو التشهير أو الترفيه الرقمي.
كما يؤكد القرآن الكريم مبدأ حفظ اللسان والبصر بوصفهما بوابتين رئيسيتين لانتهاك الخصوصية، إذ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:36)، فالآية تضع حدًا أخلاقيًا صارمًا أمام التجسس الرقمي، وتتبع المقاطع، والبحث عن الأسرار الخاصة، وتجعل الإنسان مسؤولًا عن كل ما يراه أو يسمعه أو يعيد تداوله.
ويذهب القرآن أبعد من ذلك حين يحرّم صراحة التجسس وتتبع العيوب، بوصفه سلوكًا هدامًا للنسيج الاجتماعي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات:12)، وإن التجسس في عصرنا لم يعد مقتصرًا على التلصص المادي، بل اتخذ أشكالًا رقمية متطورة، من متابعة الحسابات، إلى حفظ المقاطع، إلى تداول التسجيلات الخاصة، وهو ما يجعل هذه الآية حاكمة أخلاقيًا على سلوك مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
كما يربط القرآن بين الأخلاق وحفظ الكرامة الإنسانية، ويُدين كل خطاب أو ممارسة تهدف إلى التشهير أو الإذلال: ﴿وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (الحجرات:12)، فإذا كانت الغيبة- وهي كلام-قد شُبّهت بأكل لحم الميت، فكيف بتوثيق العيوب بالصورة والصوت ونشرها على الملأ؟ إن الفضيحة الرقمية تمثل أقسى أشكال الغيبة المعاصرة.
ثانيًا: روايات أهل البيت (عليهم السلام) ومنظومة الستر الاجتماعي
أسّس أهل البيت (عليهم السلام) منظومة أخلاقية عميقة يمكن تسميتها بـ فقه الستر الاجتماعي، تقوم على حماية الإنسان من السقوط الاجتماعي حتى في لحظة الخطأ، وتقديم الإصلاح على التشهير، والعلاج على الفضح، يروي الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): “من ستر عورة أخيه، ستر الله عورته يوم القيامة”، وتكشف هذه الرواية عن مبدأ المقابلة الأخلاقية: ستر الناس سبب لستر الله، في مقابل أن فضح الناس سبب لفضيحة الآخرة، مهما حاول الإنسان تبرير فعله بدعوى الإصلاح أو النصح.
ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): “من أذاع فاحشة كان كمبتدئها”، وهذه الرواية تُسقط وهم البراءة الأخلاقية عن الناقل والمروّج، وتساوي بين الفعل الأصلي للفاحشة وبين نشرها وتكريسها في الوعي العام. فالمشكلة ليست فقط في وقوع الخطأ، بل في تحويله إلى مشهد جماعي دائم التداول.
وفي رواية أخرى للإمام الصادق (عليه السلام) “إذاعة سرّ المؤمن خيانة” وهي رواية بالغة الدلالة في زمن أصبحت فيه الأسرار تُبثّ بالصوت والصورة خلال ثوانٍ، حيث يتحول الفضاء الرقمي إلى مسرح لانتهاك الأمانة الأخلاقية.
كما يؤكد الإمام الباقر(عليه السلام): “أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يواخي الرجل على الدين فيحصي عليه زلاته ليعيّره بها يومًا ما”، وهنا تحذير واضح من ثقافة الأرشفة الأخلاقية، أي تخزين أخطاء الناس لاستخدامها لاحقًا في التشهير أو الابتزاز أو الإدانة العلنية، وهي ممارسة شائعة في مواقع التواصل.
ويختصر الإمام علي (عليه السلام) الموقف بقوله: “شرّ الناس من لا يستر العيب ولا يقبل العذر”.
وهو توصيف دقيق لحال بعض المتفاعلين مع الفضائح، الذين يجمعون بين التلذذ بالفضيحة وادعاء التفوق الأخلاقي.
ويمكن القول إن القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت (عليه السلام) لا ينظران إلى الفضائح بوصفها مادة للفرجة أو وسيلة للردع الاجتماعي، بل يعدّانها اختبارًا أخلاقيًا للمجتمع بأسره، فالمجتمع الذي يشيع الفضيحة، حتى لو رفع شعارات الدين، إنما يسهم في تقويض منظومة القيم من الداخل، ويحوّل الأخلاق من سلوك حيّ إلى خطاب أجوف.
ثالثًا: التفاعل العراقي مع الفضائح- ازدواجية أخلاقية وسلوك جمعي مأزوم
يكشف التفاعل العراقي مع الفضائح العائلية على مواقع التواصل الاجتماعي عن ازدواجية أخلاقية حادّة، تتمثل في التناقض بين الخطاب المُعلن والممارسة الفعلية، فمن جهة، ترتفع نبرة الإدانة الأخلاقية، وتُستحضر المفردات الدينية والعشائرية من قبيل “العار”، و”الانحراف”، و”انهيار القيم”، ومن جهة أخرى، تسجّل هذه المواد أعلى نسب المشاهدة، وأوسع نطاقات التداول، وأكثر مساحات التعليق والتفاعل، وهذا التناقض لا يمكن تفسيره بوصفه سلوكًا فرديًا عابرًا، بل هو نمط جمعي متكرر يعكس أزمة أعمق في البنية القيمية للمجتمع.
-
أخلاق القول وأخلاق الفعل
إن أول مظاهر هذه الازدواجية يتمثل في الفصل بين أخلاق القول وأخلاق الفعل، فالفرد قد يدين الفضيحة علنًا، لكنه يسهم عمليًا في إعادة إنتاجها عبر المشاهدة والمشاركة والتعليق، وكأن الإدانة اللفظية تمنحه صكّ براءة أخلاقية، وهنا تتحول القيم الدينية من ضوابط سلوكية إلى لغة خطابية تُستخدم لإثبات الانتماء الأخلاقي، لا لممارسة الأخلاق ذاتها.
هذه الحالة تشير إلى فشل جزئي في ترجمة التدين الاجتماعي إلى التزام عملي، حيث يُفصل بين الواجب الديني بوصفه شعورًا، وبين السلوك اليومي بوصفه ممارسة خاضعة للأهواء والفضول والاندفاع الجماعي.
-
الفضيحة بوصفها فرجة جماعية
في السياق العراقي، لا تُستهلك الفضيحة فقط بوصفها خبرًا، بل تتحول إلى فرجة اجتماعية، تتداخل فيها مشاعر الاستهجان مع التسلية، والرفض مع المتعة الخفية، وهذا النمط من التفاعل يعكس ما يمكن تسميته بـتطبيع انتهاك الخصوصية، حيث يصبح الدخول إلى الحياة الخاصة للآخرين أمرًا مألوفًا لا يثير صدمة أخلاقية حقيقية.
وتسهم وسائل التواصل في تكريس هذا السلوك عبر آليات الخوارزميات التي تكافئ المحتوى الصادم، ما يدفع الجمهور- بوعي أو دون وعي- إلى التفاعل مع الفضيحة باعتبارها مادة جذابة، لا اختبارًا أخلاقيًا.
-
انقلاب ميزان المسؤولية الأخلاقية
من أخطر تجليات هذه الازدواجية هو انقلاب ترتيب المسؤوليات الأخلاقية، حيث يُركّز جزء من الخطاب الاجتماعي والديني والعشائري على معاقبة الضحية اجتماعيًا، لا على مساءلة من انتهك الخصوصية ونشر الفضيحة، وغالبًا ما تُختزل القضية في سلوك فرد- وغالبًا ما تكون امرأة- بينما يُغفل الفعل الأشد خطورة، وهو التصوير، والتسجيل، والنشر، والترويج.
هذا الانقلاب يعكس خللًا في الفهم الأخلاقي، إذ يتحول الخطأ- إن وُجد- إلى مبرر لإسقاط كل القيم الأخرى، بما فيها حق الإنسان في الكرامة، والستر، وعدم التعرض للإذلال الجماعي. كما يكشف عن ثقافة عقابية انتقائية، تُمارس على الضعيف اجتماعيًا، وتُعفى منها الأطراف الأقوى أو الأكثر قدرة على فرض روايتها.
-
الخطاب الديني بين الوعظ والتوظيف
لا يمكن تجاهل دور بعض الخطابات الدينية غير المنضبطة في تكريس هذه الازدواجية، حين تُختزل الأخلاق في الإدانة العلنية دون التوقف عند مسؤولية المتلقي والناشر والمعلّق، ففي كثير من الأحيان، يُستحضر النص الديني لتثبيت الحكم الأخلاقي على شخص أو عائلة، لا لتفكيك السلوك الجمعي الذي أسهم في تضخيم الفضيحة وتحويلها إلى قضية عامة.
وهنا يتحول الدين من منظومة إصلاحية إلى أداة توظيف اجتماعي، تُستخدم لتبرير القسوة الرمزية بدل تهذيبها، ولتعميق الاستقطاب بدل احتوائه.
-
البعد العشائري والضغط الاجتماعي
أما البعد العشائري، فيؤدي أحيانًا دورًا مضاعفًا في تأزيم الظاهرة، حين تُفهم”السمعة” ىبوصفها شأنًا جماعيًا يستوجب الردّ العنيف أو الإقصاء الاجتماعي، بدل أن تكون مسؤولية أخلاقية تُدار بالحكمة والستر، وفي هذه الحالة، تتحول الفضيحة من مشكلة أخلاقية إلى أزمة هوية جماعية، يُضحّى فيها بالفرد من أجل صورة الجماعة.
-
النتائج الاجتماعية بعيدة المدى
إن استمرار هذه الازدواجية الأخلاقية يفضي إلى نتائج خطيرة، أبرزها:
-
تآكل الثقة الاجتماعية.
-
تعميم ثقافة التشهير بدل ثقافة الإصلاح.
-
تشويه مفهوم الأخلاق في وعي الأجيال الجديدة.
-
تحويل الفضاء الرقمي إلى محكمة شعبية بلا قانون ولا رحمة.
إن التفاعل العراقي مع الفضائح العائلية لا يعكس ضعفًا أخلاقيًا بسيطًا، بل يكشف عن أزمة في بنية الضمير الجمعي، حيث تُمارس الأخلاق بوصفها خطابًا، لا التزامًا، وتُستخدم القيم أحيانًا أداة للإدانة، لا وسيلة للإصلاح. ومع غياب المراجعة الجادة لهذا السلوك، يصبح المجتمع شريكًا في إنتاج الفضيحة، حتى وهو يدّعي رفضها.
رابعًا: قراءة نفسية معمّقة لظاهرة التفاعل مع الفضائح العائلية
لا يمكن فهم التفاعل الواسع مع الفضائح العائلية في المجتمع العراقي من خلال المعايير الأخلاقية وحدها، إذ تكشف هذه الظاهرة عن بُنى نفسية مركّبة تشكّلت في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية ضاغطة. فالمتلقي هنا ليس مجرد مشاهد سلبي، بل هو فاعل نفسي يعيد إنتاج الفضيحة من خلال التفاعل والانخراط الوجداني معها.
-
الفضول القهري وكسر المحرَّم
يمثّل الفضول القهري أحد المحركات النفسية الأساسية في متابعة الفضائح، وهو فضول لا ينبع من رغبة معرفية مشروعة، بل من انجذاب لا واعٍ إلى الممنوع والمسكوت عنه، فكلما كان الحدث أكثر خرقًا للحياء والخصوصية، ازدادت جاذبيته النفسية، ويجد هذا النمط من الفضول بيئة مثالية في الفضاء الرقمي، حيث يغيب الاحتكاك المباشر بالنتائج الأخلاقية للفعل، ويتحقق الإشباع النفسي السريع دون تكلفة ظاهرة.
في هذا السياق، تتحول الفضيحة إلى نافذة نفسية لتجربة المحرَّم عن بُعد، دون تحمّل عبء المسؤولية أو العار الاجتماعي، وهو ما يفسّر الاستهلاك الكثيف لهذا النوع من المحتوى حتى من قبل من يعلن رفضه له أخلاقيًا.
-
الإسقاط النفسي وآلية التنفيس
يُعدّ الإسقاط النفسي آلية دفاعية يلجأ إليها الفرد حين يعجز عن مواجهة أزماته الذاتية، فيقوم بإسقاط مشاعره السلبية، أو إخفاقاته، أو رغباته المكبوتة على الآخرين، وفي مجتمع يعاني من إحباطات مزمنة ناتجة عن البطالة، وتدهور الخدمات، وغياب العدالة الاجتماعية، تصبح الفضيحة فرصة نفسية مثالية لتفريغ الغضب والاحتقان.
فإدانة الآخر لا تؤدي فقط وظيفة أخلاقية ظاهرية، بل تمنح الفرد شعورًا مؤقتًا بالتوازن النفسي، عبر تحويل الإحباط الذاتي إلى إدانة خارجية، وكأن سقوط الآخر يخفف من وطأة الفشل الشخصي.
-
تطبيع العنف الرمزي وتبلّد الحس الأخلاقي
يمثّل التشهير العلني أحد أشكال العنف الرمزي، وهو عنف لا يترك آثارًا جسدية، لكنه يدمّر السمعة، ويهشّم الهوية، ويدفع أحيانًا إلى الانهيار النفسي أو الاجتماعي، ومع التكرار المستمر لمشاهد الفضح، يحدث ما يُعرف نفسيًا بـ التعوّد الانفعالي، حيث يفقد الفرد حساسيته الأخلاقية تدريجيًا، ويصبح التشهير مشهدًا عاديًا لا يثير الصدمة أو الاشمئزاز.
هذا التطبيع لا يقتصر على المتلقي، بل يطال الفاعل أيضًا، إذ يتجرأ الأفراد على التصوير والنشر دون شعور بالذنب، لأن السلوك أصبح “شائعًا”، والمجتمع نفسه بات متسامحًا معه ضمنيًا.
-
الجماعة الرقمية وتخفيف الشعور بالذنب
تؤدي الجماعة الرقمية دورًا نفسيًا مهمًا في تخفيف الشعور بالذنب الفردي، فحين يرى الفرد آلاف التعليقات والمشاركات، يشعر أن فعله لا يختلف عن فعل الآخرين، وأن المسؤولية الأخلاقية موزّعة، أو ذائبة في الحشد. وهذه الظاهرة، المعروفة نفسيًا بـ تشتت المسؤولية، تجعل السلوك غير الأخلاقي أكثر قابلية للتكرار والاستمرار.
-
السياق العراقي وتضخيم العوامل النفسية
تتضخم هذه العوامل النفسية في المجتمع العراقي بسبب تراكم طويل من:
-
الضغوط الاقتصادية والمعيشية.
-
فقدان الثقة بالمؤسسات.
-
ضعف الشعور بالأمان الاجتماعي.
-
تراجع الأطر الضابطة للسلوك الجمعي.
في مثل هذا السياق، تتحول الفضيحة إلى حدث نفسي جماعي يعوّض عن غياب الإنجاز، ويملأ فراغ المعنى، ولو بصورة مدمّرة.
خامسًا: البعد الاجتماعي وتفكك الخصوصية في المجتمع العراقي
لا يمكن النظر إلى تفشي نشر الفضائح العائلية بوصفه نتيجة مباشرة للتكنولوجيا وحدها، بل هو تعبير عن تحوّل اجتماعي أعمق أصاب مفهوم الخصوصية ذاته، وأعاد تعريف العلاقة بين الفرد والأسرة والمجتمع، فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود منصات رقمية، بل في طريقة استقبال المجتمع لها وتطويعها داخل بنية قيمية مضطربة.
-
تآكل مفهوم الحرمة العائلية
شكّلت الأسرة العراقية تاريخيًا وحدة أخلاقية مغلقة نسبيًا، تُدار الخلافات داخلها بمنطق الستر والاحتواء، لا بمنطق الإظهار والفضح، إلا أن هذا المفهوم شهد تآكلًا تدريجيًا، نتيجة ضعف الروابط الأسرية، وتراجع السلطة التربوية للوالدين، وتنامي النزعة الفردانية على حساب الانتماء الجمعي.
ومع هذا التآكل، لم تعد الحرمة العائلية تُفهم بوصفها قيمة أخلاقية عليا، بل باعتبارها قيدًا اجتماعيًا قابلًا للكسر عند أول خلاف، أو وسيلة ضغط تُستخدم في الصراع الأسري، خصوصًا في حالات الطلاق والنزاعات الزوجية. وهكذا تنتقل المشكلات من إطارها الطبيعي إلى الفضاء العام، حيث تفقد الأسرة قدرتها على حماية أعضائها.
-
الخصوصية بين الوعي التقليدي والواقع الرقمي
يعاني المجتمع العراقي من فجوة معرفية واضحة بين منظومة القيم التقليدية التي تعظّم الستر، وبين الواقع الرقمي الذي يكافئ الكشف والتعرية المعنوية، فكثير من الأفراد، وخاصة الشباب، لا يمتلكون وعيًا حقيقيًا بمفهوم الخصوصية الرقمية، ولا يدركون أن التسجيل أو النشر لا يمكن التراجع عنه، وأن أثره الاجتماعي والنفسي قد يستمر سنوات طويلة.
إن ضعف التربية الرقمية- سواء في الأسرة أو المدرسة أو الإعلام- جعل التعامل مع الهاتف الذكي ومنصات التواصل سلوكًا عفويًا غير منضبط، لا تحكمه معايير أخلاقية أو قانونية واضحة، ما أسهم في شيوع الانتهاك دون إدراك لحجمه أو نتائجه.
-
غياب الردع القانوني والفراغ المؤسسي
يسهم غياب الردع القانوني الفاعل، أو ضعف تطبيق القوانين المتعلقة بالتشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية، في تطبيع هذه السلوكيات اجتماعيًا، فحين لا يشعر الفرد بأن هناك عواقب قانونية حقيقية، يتحول النشر والتشهير إلى فعل منخفض الكلفة وعالي التأثير.
كما أن البطء القضائي، أو الخوف من الوصم الاجتماعي عند اللجوء إلى القانون، يدفع كثيرًا من الضحايا إلى الصمت، ما يعزز شعور المعتدي بالأمان، ويكرّس ثقافة الإفلات من المحاسبة.
-
من فضاء تواصل إلى محاكم شعبية افتراضية
أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تحوّل مواقع التواصل الاجتماعي من أدوات للتواصل إلى محاكم شعبية افتراضية، يُصدر فيها الجمهور أحكامًا أخلاقية قاسية دون معرفة دقيقة بالوقائع، ودون مراعاة لمبدأ البراءة أو التثبت، وفي هذه المحاكم، لا مكان للستر أو الإصلاح، بل تُدار القضايا بمنطق الإثارة والتصعيد والتصنيف الأخلاقي السريع.
ويكتسب هذا النمط خطورته من كونه بلا ضوابط: لا قاضٍ مؤهل، ولا قانون، ولا حق دفاع، بل رأي عام متقلب، قد يرفع الشخص إلى القمة اليوم، ويدمّره غدًا.
-
إعادة إنتاج العنف الاجتماعي عبر الفضاء الرقمي
لا تتوقف آثار الفضيحة عند حدود الفضاء الافتراضي، بل تمتد إلى الواقع الاجتماعي، فتؤدي إلى العزل، والنبذ، وقطع العلاقات، وأحيانًا إلى العنف الأسري أو المجتمعي، وهنا يصبح التشهير الرقمي امتدادًا حديثًا لأنماط قديمة من العقاب الاجتماعي، لكنه أشد قسوة وانتشارًا وأقل قابلية للسيطرة.
-
التأثير على الأجيال القادمة
إن أخطر ما في هذه الظاهرة هو أثرها التراكمي على الأجيال الناشئة، التي تنشأ في بيئة ترى فيها الفضيحة مادة يومية، والتشهير ممارسة عادية، والخصوصية قيمة هشة. وفي ظل هذا التطبيع، قد يتشكل وعي جديد يعتبر انتهاك الحياة الخاصة حقًا أو مهارة رقمية، لا انحرافًا أخلاقيًا.
الاستنتاجات
-
إن نشر الفضائح العائلية على مواقع التواصل الاجتماعي يمثل انحرافًا أخلاقيًا جماعيًا، لا سلوكًا فرديًا معزولًا، ويعكس خللًا بنيويًا في منظومة القيم.
-
يقدّم القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام) إطارًا أخلاقيًا صارمًا قائمًا على الستر وحفظ الكرامة، وهو إطار يتناقض بوضوح مع ممارسات التشهير الرقمي المعاصرة.
-
تكشف الازدواجية بين الإدانة اللفظية والمشاركة الفعلية في تداول الفضائح عن فشل في تحويل التدين الاجتماعي إلى التزام سلوكي حقيقي.
-
يتغذّى التفاعل مع الفضائح على دوافع نفسية كامنة، أبرزها الفضول القهري، والإسقاط النفسي، والشعور الزائف بالتفوق الأخلاقي، ما يجعل الفضيحة أداة تنفيس لا وعي أخلاقي.
-
أسهم تفكك الخصوصية وضعف التربية الرقمية وغياب الردع القانوني في تطبيع انتهاك الحياة الخاصة وتحويل الفضاء الرقمي إلى محاكم شعبية بلا ضوابط.
-
إن تركيز الخطاب الاجتماعي والديني أحيانًا على معاقبة الضحية بدل مساءلة من انتهك الخصوصية يعكس خللًا خطيرًا في ترتيب المسؤوليات الأخلاقية.
-
يؤدي استمرار هذه الظاهرة إلى تآكل التعاطف الاجتماعي، وتشويه مفهوم الأخلاق لدى الأجيال الجديدة، وإعادة إنتاج العنف الرمزي بصورة جماعية.
-
تمثل مواجهة هذه الظاهرة ضرورة أخلاقية وتربوية وقانونية ملحّة لحماية الأسرة العراقية والحفاظ على تماسك المجتمع وكرامته الإنساني.
الخاتمة
إن أخطر ما في انتشار الفضائح العائلية على مواقع التواصل الاجتماعي ليس حجم ما يُكشف من أسرار، بل ما يُكشَف من ضمور في الضمير الجمعي، حين تتحول معاناة الإنسان إلى مادة للفرجة، وكرامته إلى موضوع للتداول، وأخطاؤه- الحقيقية أو المفترضة- إلى مشهد جماعي بلا رحمة، لقد علّمنا القرآن الكريم أن الستر قيمة، وأن إشاعة الفاحشة ليست حرية، بل عدوان أخلاقي يهدم المجتمع من داخله، وعلّمنا أهل البيت (عليهم السلام) أن إصلاح الإنسان لا يكون بفضحه، وأن من كشف عورة غيره قد عرّى نفسه أمام الله قبل الناس. ومع ذلك، ما زال بعضنا يبرّر المشاركة في التشهير بدعوى النصح، أو الغضب، أو البحث عن الحقيقة، متناسين أن كل نقرة مشاركة هي شهادة أخلاقية على أنفسنا قبل أن تكون حكمًا على غيرنا.
المجتمع الذي يُدين الفضيحة بلسانه ويصنعها بيده، إنما يعيش انفصامًا خطيرًا بين ما يؤمن به وما يمارسه، وحين يغيب الحياء، وتُكسر الحرمة، ويُستباح الستر، لا يبقى من الأخلاق سوى شعارات جوفاء، ولا من الدين سوى ألفاظ تُستدعى عند الإدانة لا عند السلوك، فلنراجع أنفسنا قبل أن نشارك، ولنزن أفعالنا قبل أن نحكم، ولنتذكر أن الله سترنا مرات لا نحصيها، وأن من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله، وأن كرامة الإنسان ليست تفصيلًا يمكن التضحية به تحت ضغط الغضب أو الفضول أو التفاعل اللحظي.
إن استعادة الستر اليوم ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية لحماية الأسرة، وصيانة المجتمع، وحفظ ما تبقى من إنسانيتنا في زمن أصبحت فيه الفضيحة أسرع انتشارًا من الحكمة، وأعلى صوتًا من الضمير.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى