سقوط القناع.. الغرب بين ادعاء القيم وانكشاف الضحالة الأخلاقية
فضائح جيفري إبستين
إعداد: مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لطالما قدّمت الولايات المتحدة والغرب نفسيهما بوصفهما حماة القيم الإنسانية الكبرى: الحرية، الكرامة، حقوق الإنسان، وحماية الطفولة، صِيغ هذا الخطاب بعناية، وروِّج له عبر الإعلام والمؤسسات الدولية والنخب الثقافية، حتى غدا معياراً أخلاقياً عالمياً تُقاس به شرعية الدول والمجتمعات، غير أن فضائح جيفري إبستين وما ارتبط بها من شبكات نفوذ ومال وسياسة أعادت طرح سؤال جوهري:
أيّ قيم هذه التي تُرفع شعاراً، بينما تُنتهك في عمق المجتمعات التي تدّعي حراستها؟
إن أخطر ما كشفته هذه الفضائح ليس مجرد انحراف فردي أو جريمة معزولة، بل نمطاً بنيوياً من التواطؤ والصمت والحماية المتبادلة بين رأس المال والسلطة والإعلام، حين تتحول أجساد المراهقات إلى سلعة، وتُدار الجرائم خلف واجهات الثراء والنجومية، ثم تُطوى الملفات أو تُفرغ من مضمونها، فإننا أمام أزمة قيم لا أزمة أشخاص، هنا يسقط القناع الذي أخفى طويلاً التناقض الفادح بين الخطاب والممارسة.
ولا يمكن فهم هذا التناقض إلا بوصفه نتاجاً لتاريخ طويل من الفصل بين الأخلاق والسياسة في الفكر الغربي الحديث، فمنذ صعود البراكَماتية السياسية، لم تعد القيم غاية في ذاتها، بل وسيلة لتبرير القوة وتنظيم المصالح، وهكذا تحوّلت الأخلاق من معيار للحكم على الفعل إلى أداة خطابية لتجميل نتائجه، وفي هذا السياق، تصبح فضائح من قبيل الاتجار بالمراهقات أعراضاً جانبية لمنظومة لا ترى في الإنسان قيمة ذاتية، بل مورداً قابلاً للاستثمار متى ما توافرت الحماية القانونية والإعلامية.
لقد اعتاد الغرب أن ينصّب نفسه قاضياً أخلاقياً على العالم، يوبّخ دولاً باسم حقوق الإنسان، ويبرّر تدخلاته السياسية والعسكرية بذريعة نشر الديمقراطية، ويضع تقارير عن الحريات والطفولة والمرأة، لكن فضائح الاتجار بالمراهقات أظهرت أن حماية الإنسان ليست قيمة مطلقة في هذا النظام، بل أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُهمل حين تهدد مواقع النفوذ، فالعدالة التي تعجز عن مساءلة أصحاب المال والسياسة ليست عدالة، بل إدارة محسوبة للفضيحة.
المدان بفضائح جنسية جيفري إبستين .. صاحب القضية المعروفة عالمياً بفضائج إبستين
غير أن الخلل لا يقف عند حدود الغرب، بل يمتد إلى الطريقة التي تلقّى بها جزء واسع من جمهورنا في العالم العربي والإسلامي هذا الأنموذج، فقد انخدع جمهور كبير بالصورة المصنوعة للغرب بوصفه حاضنة القيم، حتى نشأ لديهم شعور مركب بالدونية الحضارية، ترافق مع ازدراء الذات الثقافية والدينية، وكراهية كل ما هو محلي أو أصيل. وهكذا لم يعد الغرب مجرد قوة مهيمنة، بل صار مرجعاً معيارياً يُقاس به الصواب والخطأ، والتقدم والتخلف، والحرية والقيد.
لقد لعبت السينما، ومنصات البث، ومواقع التواصل، دوراً مركزياً في إعادة تشكيل وعي الأجيال الجديدة في مجتمعاتنا، عبر إنتاج صورة نمطية للغرب بوصفه فضاءً مثالياً للحرية والكرامة والمتعة، ومع الزمن، لم يعد الاستلاب مجرد تقليد سلوكي، بل تحوّل إلى بنية نفسية قائمة على احتقار الذات والانبهار بالآخرـ فصار بعض الشباب يقيس تحرره بمدى انفصاله عن ثقافته، ويقيس تقدمه بمدى تشبهه بأنماط الحياة المستوردة، حتى وإن كانت هذه الأنماط قائمة في أصلها على استهلاك الجسد وتسطيح المعنى.
لقد نجح الإعلام الغربي، ومعه نخب محلية مقلِّدة، في تسويق أنموذج ثقافي يُقدَّم بوصفه الإنساني والطبيعي، بينما تُصوَّر القيم الإسلامية باعتبارها عبئاً تاريخياً أو عائقاً أمام التحديث، ومع الزمن، تحوّل هذا التمثّل إلى نوع من الاستلاب: استلاب للوعي قبل أن يكون استلاباً للسياسة أو الاقتصاد، فصار بعض أبناء هذه المجتمعات يخاصمون هويتهم، لا لأنهم نقدوها نقداً علمياً، بل لأنهم قاسوها على أنموذج مُزيَّف لم يعد يملك حتى انسجامه الداخلي.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: فالإسلام، في بنيته القيمية، أقام تصوراً للإنسان بوصفه كائناً مكرّماً قبل أن يكون مستهلكاً أو أداة لذة، فالكرامة أصل وجودي لا منحة سياسية ﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾، أي إن الإنسان مكرّم لكونه إنساناً.
والشرف ليس قيداً اجتماعياً، بل حماية للجسد والنفس من الامتهان ﴿ولا تقربوا الزنا﴾، لا بوصفه تجريماً للغريزة، بل تحصيناً للكرامة من التحول إلى سلعة.
أما الحرية، فليست انفلاتاً من القيم، بل تحرّراً من العبودية لغير الحق ﴿لا إكراه في الدين﴾ تؤسس لحرية الضمير، بينما ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ تؤسس لحرية الكرامة المادية والمعنوية.
إن القيمة الأخلاقية في التصور الإسلامي لا تُبنى على الرغبة الفردية وحدها، بل على مبدأ المسؤولية: مسؤولية الإنسان عن جسده، وعن غيره، وعن أثر أفعاله في المجتمع، فالشريعة لم تنظر إلى السلوك بوصفه فعلاً خاصاً فقط، بل بوصفه فعلاً اجتماعياً له امتداداته النفسية والثقافية، ولهذا كان تحريم الاستغلال الجنسي حماية للبنية الإنسانية كلها، لا تقييداً لنزوة فردية، بينما تميل الثقافة الغربية المعاصرة إلى تفكيك الرابط بين الحرية والمسؤولية، فتُبقي الأولى وتُلغي الثانية، مما يفتح الباب أمام تسويغ كل ما يحقق المتعة أو الربح ولو على حساب كرامة الآخر.
في المقابل، تكشف فضائح الاتجار بالمراهقات في قلب المجتمعات التي ترفع راية حقوق المرأة والطفل عن هشاشة البنية الأخلاقية التي تحكم الثقافة الغربية المعاصرة، فالأنموذج الذي سُوّق إلينا بوصفه تحريراً للجسد انتهى إلى تحويله إلى سلعة فاخرة، والحرية التي قُدّمت باعتبارها خلاصاً من القيم تحولت إلى غطاء لاستباحة الضعفاء حين يخدم السوق، والتغاضي عن الجرائم حين تحمي النخب.
ولعل الأخطر أن هذه الجرائم لا تُنتج فقط ضحايا مباشرين، بل تُنتج وعياً مشوهاً يطبع الاستغلال بوصفه ممارسة طبيعية في عالم الشهرة والمال، فحين ترتبط الجريمة بالنجومية، ويتوارى المجرم خلف شبكة علاقات سياسية وإعلامية، يصبح العنف غير مرئي، ويغدو الضحية مجرد تفصيل في سردية أكبر عن النجاح والنفوذ، وهنا يتحول الفساد الأخلاقي إلى ثقافة، لا إلى حادثة.
إن الفرق الجوهري هنا ليس في الشعارات، بل في المنطق الأخلاقي: في التصور الإسلامي، الجسد أمانة لا بضاعة، والطفولة حرمة لا مادة استهلاك، والمرأة إنسان لا منتج إغراء.
أما في الثقافة الغربية الاستهلاكية، فقد أُعيد تعريف الإنسان بوصفه موضوع رغبة ووحدة سوقية، تُقاس قيمته بما ينتجه من متعة أو صورة أو ربح.
ولا يعني هذا أن المجتمعات الإسلامية معصومة من الانحراف أو الجريمة، لكنها تملك معياراً أخلاقياً يُدينها حين تخطئ، بينما تُظهر هذه الفضائح أن الثقافة الغربية السائدة باتت تفتقر حتى إلى معيار يُدينها بوضوح، فتُحوِّل الجريمة إلى خلل إداري لا إلى فضيحة قيمية.
إن خطورة هذه الوقائع لا تكمن في بعدها الجنائي فقط، بل في بعدها الرمزي، فهي تضرب في عمق الادعاء الغربي بامتلاك الأنموذج الأخلاقي الأرقى، وتكشف أن خطاب حقوق الإنسان حين يُفصل عن منظومة قيمية ضابطة، يتحول إلى لغة إجرائية فارغة يمكن أن تتعايش مع أبشع أشكال الاستغلال، ومن هنا فإن أزمة الغرب اليوم ليست أزمة تشريع، بل أزمة معنى: أزمة في تعريف الإنسان، وفي تحديد ما إذا كان غاية أم وسيلة.
لقد كشفت هذه الوقائع أن الغرب ليس أنموذجاً أخلاقياً بقدر ما هو منظومة قوة تجيد صناعة الصورة وإدارة الانتهاكات، وكشفت في الوقت نفسه هشاشة وعيٍ في عالمنا انبهر بالصورة ونسي أن يسأل عن الجوهر.
الخاتمة
إن ما كشفته هذه الفضائح لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حادثة جنائية عابرة، بل بوصفه مؤشراً على أزمة قيم تستوجب استجابة فكرية وقانونية وبحثية، وممكن أن نضع بعض الاستنتاجات، وعلى النحو الآتي:
الغرب بين الخطاب والممارسة، ففضائح إبستين تكشف أن الغرب لم يكن يوماً أنموذجاً أخلاقياً مطلقاً، بل هو منظومة قوة تُوظف القيم الإنسانية الكبرى (الحرية، الكرامة، حقوق الطفل) لتحقيق مصالح سياسية وتجارية، والخطاب الحقوقي ليس قاعدة، بل أداة تسيير للمجتمعات وفق مصالح النخب.
الأزمة البنيوية للقيم، فالانتهاكات ليست أحداثاً معزولة، بل أعراض اختلال مؤسساتي ونمطي، حيث المال والنفوذ يحميان الجريمة، ويحوّلان العدالة إلى إدارة للفضائح، مما يؤكد سقوط الغرب أخلاقياً أمام الرأي العام الدولي.
الاستلاب الحضاري والذهني، فالجمهور في العالم العربي والإسلامي وقع في فخ الانبهار بالغرب، ما أنتج شعوراً بالدونية الثقافية والغياب عن مناقشة القيم الجوهرية المحلية، إلى جانب تراجع الوعي الذاتي والاعتداد بالهُوية، بحيث أصبح الغرب معياراً للتقدم والصواب.
القيم الإسلامية كمعيار صلب، وفي مقابل ذلك، يقدم الإسلام منظومة قيمية متكاملة: الإنسان غاية، الجسد أمانة، الطفولة حرمة، والحرية مسؤولية، وهذه المبادئ تخلق معياراً ثابتاً للعدالة والكرامة، يمكن أن يُستخدم لرصد الاختلالات الأخلاقية لأي أنموذج آخر.
الخطاب الحقوقي الغربي مشوه، فعندما يُفصل الخطاب عن منظومة قيمية ضابطة، يتحول إلى لغة إجرائية فارغة، يمكن أن تتعايش مع أبشع الجرائم، ما يؤكد أن أزمة الغرب ليست تشريعية، بل أزمة معنى وأخلاق وثقافة.
ويمكن لنا أن نضع جملة من التوصيات، وعلى النحو الآتي:
المساءلة القانونية الدولية الصارمة:فيجب على القضاء الدولي والمؤسسات الحقوقية ملاحقة جميع المتورطين في شبكات الفساد الجنسي والسياسي، بلا استثناء، ومعاقبة كل من استخدم المال والنفوذ لتغطية الانتهاكات، لتأكيد أن العدالة العالمية لن تُجزأ.
تفعيل البحث الأكاديمي الناقد: على الجامعات ومراكز الدراسات إنشاء برامج متخصصة لدراسة أسباب التراجع الأخلاقي في الغرب، بما في ذلك تسليع الجسد، تفكك الأسرة، استغلال الطفولة، وربط ذلك بالاقتصاد والسياسة، لتقديم أدوات فكرية وعملية لمواجهة الانبهار الأعمى بالأنموذج الغربي.
إعادة بناء وعي الجمهور العربي والإسلامي: تصميم برامج تعليمية وإعلامية تهدف إلى إبراز القيم الإسلامية الأصيلة كمعيار للكرامة والشرف والمسؤولية، مع استعراض الفجوة الأخلاقية الغربية بشكل موضوعي، لتصحيح الانطباعات المشوهة عن التحضر الغربي.
مسؤولية المجتمع المدني والقيادات الفكرية: على منظمات المجتمع المدني والكتّاب والفلاسفة وقادة الرأي تحويل النقد من الداخل إلى الخارج، عبر كشف زيف الادعاء الأخلاقي الغربي، وإعادة توجيه الجهود إلى مساءلة الأنموذج الذي يُقدَّم كمعيار عالمي.
إعادة تعريف الحرية والكرامة بشكل واقعي: إنتاج أدوات معرفية وإعلامية تشرح أن الحرية ليست انفلاتاً من القيم، وأن الكرامة ليست سلعة تُباع أو تُشترى بالمال والشهرة، مع التركيز على التربية على المسؤولية الفردية والاجتماعية.
رقابة مجتمعية وإعلامية مستمرة: تفعيل وسائل الإعلام المحلية والمنصات الرقمية للكشف عن الانتهاكات الأخلاقية العالمية، وتحويلها إلى حالات تعليمية تحذر المجتمع من الانبهار بالمظاهر، مع تعزيز النقاش العام الواعي حول الأخلاق والعدالة.
إنتاج خطاب بديل وفاعل: دعوة المثقفين والمفكرين والمشاهير لإنتاج خطاب بديل قائم على القيم الجوهرية والعدالة والكرامة، يواجه الانبهار بالغرب، ويصل إلى الجمهور بشكل مباشر عبر المنصات الرقمية والإعلام التقليدي.
تأسيس ثقافة مساءلة مستدامة:على الدول والمجتمعات الإسلامية إدراج قيم الكرامة والمسؤولية في المناهج التربوية والإعلامية، مع رصد أي تأثيرات خارجية تسعى إلى تغيير المنظومة القيمية المحلية، لضمان مقاومة الانبهار والاستلاب طويل المدى.
إن سقوط القناع الغربي لا ينبغي أن يكون مناسبة للشماتة، بل لحظة وعي مزدوجة: وعي بزيف الادعاء الأخلاقي، ووعي بخطورة استبطانه دون نقد، فالقيم لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تمنعه من ظلم، وما تحميه من امتهان، وما تقيمه من عدالة، وحين تُترك طفولة تُنتهك، ويُدفن الحق تحت ثقل النفوذ، فإن السقوط لا يكون سقوط صورة فقط، بل سقوط منظومة قيم كاملة.