العنجهية الممنهجة.. قراءة نفسية – اجتماعية للهيمنة الأميركية وصعود خطاب القوة
إعداد: مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مقدمة
لم تعد دراسة السلوك السياسي للدول الكبرى ممكنة بمعزل عن تحليل بنيتها النفسية والاجتماعية، إذ إن القرارات المصيرية التي تُغيّر مصائر الشعوب لا تُصنع في فراغٍ تقني، بل تتشكّل داخل وعي جمعي محمّل بالتصورات والأساطير والمخاوف والهويات، وفي هذا السياق، تمثّل الولايات المتحدة نموذجًا مركزيًا لفهم العلاقة بين القوة والوعي، بين التفوق المتخيَّل والممارسة الواقعية، وبين الخطاب الأخلاقي والعنف المنظَّم، فمنذ نشأتها، تشكّل الوعي الأميركي على سرديات التفوق والرسالة الخلاصية، وتطوّر ضمن ثقافة تمجّد الفرد والقوة، وتُطَبِّع العنف بوصفه أداة مشروعة لتحقيق الغايات الكبرى، وانطلاقًا من هذه الخلفية، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة نفسية- اجتماعية معمّقة للبنية الأميركية، وربطها بسلوكها الخارجي، وصعود خطابها الشعبوي، وانعكاس ذلك في قرارات الهيمنة والاستخفاف بالقانون الدولي، بما يفتح أفقًا نقديًا لفهم ما يجري في العالم لا بوصفه أحداثًا متفرقة، بل كنتاج لمنظومة وعي متكاملة.
مدخل منهجي
من الخطأ العلمي اختزال أي شعب في صفة واحدة، لكن من المشروع تحليل الأنماط النفسية السائدة الناتجة عن التاريخ، والتعليم، والإعلام، والنظام الاقتصادي- السياسي، وعليه، فهذه القراءة لا تدين الفرد الأميركي بوصفه إنسانًا، بل تفكك الشخصية المُنتَجة اجتماعيًا داخل منظومة القوة.
منذ تشكّل الولايات المتحدة بوصفها كيانًا سياسيًا، تبلور في وعيها الجمعي تصور خاص للذات، يقوم على فكرة أنها “أمة مختارة” لا بالمعنى الديني التقليدي فحسب، بل بالمعنى الحضاري والسياسي، وهذا التصور لم يكن مجرّد خطاب تعبوي، بل تحوّل عبر الزمن إلى بنية نفسية عميقة تحكم نظرة الأميركيين إلى أنفسهم وإلى العالم، فالولايات المتحدة، في هذا الوعي، ليست دولة بين دول، بل مشروعًا كونيًا يحمل رسالة إنقاذ للعالم من الفوضى، والتخلّف، والاستبداد.
نفسيًا، تُعرف هذه البنية بـالعقدة الخلاصية، وهي حالة تتماهى فيها الذات الجمعية مع دور “المنقذ”، فتمنح نفسها شرعية أخلاقية مسبقة لأي فعل تقوم به، وفي هذه الحالة، لا يُقاس الفعل بآثاره الواقعية، بل بنيّته المعلنة، فإذا كانت النية هي “نشر الحرية” أو “حماية القيم”، فإن الوسيلة- مهما بلغت من عنف- تُغفَر سلفًا، وهكذا يتحوّل العنف من كونه فعلًا إجراميًا إلى واجب أخلاقي في المخيال الجمعي.
وتُنتج هذه العقدة نمطًا خطيرًا من التفكير الثنائي، إذ يُقسَّم العالم إلى معسكرين:
معسكر “الخير” الذي تمثّله الذات الأميركية، ومعسكر “الشر” الذي يُسقَط على الآخر، وهذا التقسيم يُسهم نفسيًا في نزع إنسانية الخصم، لأن الآخر لا يُرى بوصفه إنسانًا ذا حقوق ومصالح، بل عقبة في طريق الرسالة الكبرى، وحين يُجرَّد الآخر من إنسانيته، يصبح قتله أو تدميره فعلًا مقبولًا، بل مطلوبًا، لأنه يُقدَّم كإزالة عائق أمام “الخير الأعلى“.
في هذا السياق، يُعاد تعريف القتل الجماعي بوصفه “دفاعًا عن القيم”، وتُبرَّر الحروب الاستباقية على أنها حماية للعالم من أخطار محتملة، ويؤدي هذا المنطق إلى تعليق المعايير الأخلاقية العادية: فما يُعدّ جريمة لو ارتكبه الآخر، يُصبح ضرورة إنسانية حين تقوم به الذات المتفوّقة، وهنا، لا يعود السؤال: كم قُتل؟ بل: لماذا قُتلوا؟، وغالبًا ما تكون الإجابة جاهزة سلفًا.
الفردانية المتطرّفة وتضاؤل التعاطف الجمعي
تُعدّ الفردانية إحدى الركائز المركزية في الثقافة الأميركية الحديثة، حيث يُقدَّم الفرد بوصفه وحدة القيم والمعنى والنجاح، فمنذ الطفولة، يُنشَّأ الإنسان الأميركي على أن الإنجاز الشخصي، والقوة الذاتية، والسيطرة على المصير، والمنافسة الدائمة هي مقاييس التفوّق والجدارة، وضمن هذا الإطار، يُكافأ النجاح الفردي ويُحتفى به، بينما تُهمَّش الروابط الجمعية لصالح الاستقلال والاعتماد على الذات.
نفسيًا، تُنتج هذه الفردانية المتطرّفة تحوّلًا في بوصلة الأخلاق: فالمسؤولية تُفهم بوصفها مسؤولية تجاه الذات أو الدائرة القريبة فقط (العائلة، المجتمع المحلي)، لا تجاه الإنسانية بوصفها كلًا متكاملًا، ومع اتساع هذا النمط، يضعف الإحساس بالمسؤولية الجماعية العابرة للحدود، ويتراجع الشعور بأن ما يحدث “هناك” يرتبط أخلاقيًا بما يحدث “هنا”.
ويظهر الأثر الأوضح لهذا التحوّل في تضاؤل التعاطف مع معاناة الشعوب البعيدة، فالحروب والمجاعات والدمار في مناطق أخرى من العالم تُستقبل غالبًا كأحداث سياسية أو جيوستراتيجية، لا ككوارث إنسانية، ويُعاد اختزال الضحايا إلى أرقام، أو صور عابرة في نشرات الأخبار، دون أن تُحدث صدمة وجدانية عميقة. هنا لا يغيب التعاطف كليًا، لكنه يصبح هشًّا، مؤقتًا، وسهل التبدّد.
في علم النفس الاجتماعي، يُفسَّر هذا النمط بمفهوم المسافة الأخلاقية (Moral Distance)، وهي الحالة التي يشعر فيها الفرد بأن الضحية بعيدة نفسيًا وثقافيًا وإنسانيًا، بحيث لا تُستثار آليات التعاطف الطبيعية، وكلما زادت المسافة الجغرافية والثقافية، وكلما قلّ التماس المباشر مع نتائج العنف، أصبح القتل “أمرًا مجرّدًا” لا يستدعي ألمًا داخليًا حقيقيًا.
وعليه، فإن الفردانية المتطرّفة لا تُنتج فقط عزلة اجتماعية داخلية، بل تُسهم في تفريغ العنف من مضمونه الإنساني على المستوى العالمي، إنها لا تخلق رغبة مباشرة في القتل، لكنها تخلق بيئة نفسية تُسهّل تقبّله، وتُضعف مقاومته، وتُحيّده عن دائرة الشعور بالذنب. وهنا تكمن خطورتها الكبرى: في قدرتها على تحويل المأساة الإنسانية إلى حدث عابر لا يستدعي أكثر من نظرة سريعة قبل الانتقال إلى خبر آخر.
التطبيع المبكر مع العنف
يتعرّض الفرد الأميركي، منذ مراحل الطفولة الأولى، إلى كمٍّ هائل من المضامين الثقافية التي تُطَبِّع العنف وتمنحه طابعًا بطوليًا أو ترفيهيًا، فالأفلام والبرامج التلفزيونية غالبًا ما تقدّم القتل بوصفه فعل شجاعة، وتُعيد تصوير الجندي أو رجل الأمن كبطل أخلاقي لا تُسائل أفعاله بقدر ما تُحتفى بنتائجها، وفي هذا السياق، لا يُقدَّم العنف كاستثناء مأساوي، بل كجزء طبيعي من السردية البطولية، وإلى جانب ذلك، تلعب ألعاب الفيديو القائمة على الإبادة والسيطرة دورًا مهمًا في إعادة تشكيل العلاقة النفسية مع العنف، فالمشاركة التفاعلية في القتل الافتراضي تُضعف تدريجيًا الحساسية الوجدانية تجاه الفعل، وتُدرّب العقل على الفصل بين الضغط على الزر ونتيجة الفعل الإنسانية، ومع التكرار، يتحوّل القتل إلى مهارة، لا إلى مأساة، وإلى تحدٍّ تقني لا إلى أزمة أخلاقية.
نفسيًا، يُنتج هذا المسار اعتيادًا تدريجيًا على العنف، يُرافقه فصل متزايد بين الفعل ونتيجته الإنسانية، فلا يُنظر إلى القتل كفعل يُنهي حياة بشرية كاملة، بل كحلّ سريع لمشكلة معقّدة، ومع الزمن، تتسرّب إلى الوعي اللاواعي فكرة مفادها أن العنف أداة طبيعية، بل فاعلة، لإدارة الصراعات، لا سيما حين تفشل اللغة أو السياسة.
وهكذا، لا يُزرَع العنف في النفس الأميركية بوصفه رغبة مباشرة في القتل، بل بوصفه خيارًا مألوفًا، حاضرًا دائمًا في الخلفية الذهنية، وجاهزًا للاستخدام حين تُقدَّم الظروف المناسبة لتبريره.
الخوف البنيوي والحاجة للهيمنة
على الرغم من التفوّق العسكري والاقتصادي، يعيش المجتمع الأميركي قلقًا وجوديًا بنيويًا لا ينفصل عن وعيه الجماعي، فهذا القلق يتغذّى من الخوف الدائم من فقدان الصدارة العالمية، ومن الهلع من الآخر المختلف ثقافيًا أو أيديولوجيًا، فضلًا عن فوبيا الانهيار الداخلي المرتبطة بالانقسامات الاجتماعية والعرقية والاقتصادية.
نفسيًا، لا يُنتج هذا الخوف نزعة دفاعية هادئة، بل يتحوّل إلى عدوان استباقي؛ إذ يُفضَّل الهجوم المبكر على انتظار الخطر، ومن هنا تنشأ نزعة تسلّطية ترى في السيطرة وسيلة لتخفيف القلق، وفي فرض الإرادة على الآخرين ضمانة لاستمرار التفوّق، وهذا الإطار يفسّر لماذا تميل القوة الأميركية إلى خوض الحروب حتى في غياب تهديد مباشر؛ فالحرب هنا ليست ردّ فعل، بل أداة لإدارة الخوف وتثبيت الهيمنة قبل أن يتجسّد التهديد فعلًا.
إسقاط العنف خارج الذات (Projection)
في التحليل النفسي الجمعي، تميل الجماعات القوية إلى إسقاط تناقضاتها وأزماتها الأخلاقية على الآخر، بدل مواجهتها داخليًا. فتُحمَّل الشعوب الأخرى صفات العنف والتطرّف واللا عقلانية، بينما تُقدَّم الذات بوصفها عقلانية ومضطرة لاستخدام القوة، ويؤدي هذا الإسقاط إلى نزع أخلاقي للضحية، حيث يُعاد توصيفها باعتبارها “إرهابية” أو “متوحشة”، ما يسهّل تبرير قتلها أو قمعها، وبهذا المنطق، تُمارَس الحروب باسم “مكافحة الإرهاب”، ويُدمَّر العمران والبشر تحت شعار “نشر الديمقراطية”، دون شعور عميق بالتناقض، الإسقاط هنا لا يبرّر العنف فحسب، بل يُعيد تشكيل الوعي بحيث يصبح العنف انعكاسًا لشرّ الآخر لا لخيارات الذات.
الدولة كضمير بديل
في المجتمعات ذات المؤسسية القوية والمركزية العالية، تميل الأخلاق الفردية إلى الذوبان داخل أخلاق الدولة، فيُفوِّض الفرد ضميره للسلطة، ويكتفي بدور المطيع أو المبرِّر أو الصامت، وضمن هذا الإطار، تُرتكَب الجرائم الكبرى دون شعور فردي مباشر بالذنب، لأن القرار يُفهم بوصفه “غير شخصي” أو “ضروريًا أمنيًا”، وهكذا يتراجع السؤال الأخلاقي: هل ما نفعله صواب؟ ليحلّ محله سؤال إجرائي: هل القرار رسمي؟
هذا النمط هو ما وصفته حنّة آرندت بـتفاهة الشر، حيث لا ينبع الشر من حقد استثنائي، بل من الطاعة العمياء، والامتثال، وتعليق الحكم الأخلاقي الشخصي.
من القتل إلى اللامبالاة
المرحلة الأخطر في مسار العنف ليست لحظة القتل نفسها، بل الاعتياد عليه. فعندما تتحوّل صور الأطفال القتلى والركام إلى مشاهد متكرّرة، يفقد الوعي الجمعي قدرته على الصدمة.
نفسيًا، تُستبدل المشاعر الإنسانية بالتعامل الإحصائي، فيُختزل الضحايا إلى أرقام، وتُقاس المآسي بحجم الخسائر لا بعمق الألم. ومع هذا الاعتياد، يبلغ التسلّط ذروته، لأن القوي لا يعود بحاجة حتى إلى تبرير أفعاله أو تغليفها أخلاقيًا، واللامبالاة هنا ليست حيادًا، بل شكلًا متقدّمًا من العنف، عنف صامت يسمح باستمرار القتل دون مقاومة نفسية أو أخلاقية تُذكر.
من البنية النفسية إلى صندوق الاقتراع: كيف مهّدت السمات العميقة لانتخاب ترامب؟
لا يمكن قراءة انتخاب دونالد ترامب بوصفه حادثة سياسية معزولة، بل يجب فهمه كـتجلٍّ انتخابي مباشر للبنية النفسية-الاجتماعية الأميركية التي تشكّلت عبر عقود، فالمحاور السابقة- أسطورة التفوّق، الفردانية المتطرّفة، التطبيع مع العنف، الخوف البنيوي، الإسقاط، تفويض الضمير للدولة، واللامبالاة- لم تبقَ في مستوى الثقافة المجردة، بل انتقلت إلى الفعل السياسي حين وجدت قائدًا يجسّدها لغويًا ونفسيًا دون مواربة.
أولًا: أسطورة التفوّق والرسالة الخلاصية وجدت في ترامب صوتًا صريحًا، فخطابه لم يحتج إلى لغة دبلوماسية مموّهة؛ قال بوضوح إن أميركا “أولًا”، وإن لها الحق في فرض إرادتها، وهذا الصدق الفجّ- رغم خطورت- أراح شريحة من الناخبين لأنها رأت فيه عودةً إلى يقين مفقود: نحن الأقوى، وما نريده يجب أن يحدث. وهكذا تحوّلت العقدة الخلاصية إلى اختيار انتخابي واعٍ.
ثانيًا: الفردانية المتطرّفة وتضاؤل التعاطف الجمعي جعلا الناخب أقل اكتراثًا بتداعيات الخطاب العدواني على العالم، فالسياسات الخارجية القاسية لم تُقاس بميزانها الإنساني، بل بقدرتها المتخيَّلة على تحسين حياة الداخل. ترامب وعد بالحماية والوظائف والهيبة، ولم يُطالَب أخلاقيًا بتفسير الكلفة البشرية خارج الحدود، هنا، عملت المسافة الأخلاقية لصالحه انتخابيًا.
ثالثًا: التطبيع المبكر مع العنف سهّل تقبّل لغته الصدامية، فحين يكون العنف مألوفًا ثقافيًا- بوصفه بطولة أو ضرورة- لا تبدو الدعوة إلى “الضرب أولًا” صادمة. بل تُستقبل كحسمٍ مطلوب بعد سنوات من خطاب ناعم عُدّ فشلًا. ترامب قدّم نفسه كمن “لا يتردّد”، وهذه السمة جذبت ناخبين تربّوا على سرديات ترى في الحسم العنيف حلًا فعّالًا.
رابعًا: الخوف البنيوي والحاجة للهيمنة شكّلا الوقود النفسي الأهم لانتخابه، القلق من فقدان الصدارة، والهلع من الآخر، وفوبيا الانهيار الداخلي- كلها احتاجت قائدًا يعد بالسيطرة لا بالإدارة، ترامب خاطب الخوف بالخوف، وقدّم الهيمنة كدواء: سنسبق الخطر، سنُخضع الآخرين، سنستعيد السيطرة، وهكذا صار العدوان الاستباقي موقفًا انتخابيًا.
خامسًا: إسقاط العنف خارج الذات سمح بتسويق خطاب يُحمّل الآخر مسؤولية الأزمات، المهاجر، الخصم الخارجي، النخبة الدولية- كلهم تحوّلوا إلى كباش فداء، هذا الإسقاط خفّف العبء الأخلاقي عن الناخب، وشرعن سياسات قاسية بوصفها دفاعًا عن الذات. ترامب أتقن هذه الآلية، فحوّل الغضب إلى تصويت.
سادسًا: الدولة كضمير بديل جعلت كثيرين يتنازلون عن محاسبة القائد أخلاقيًا. طالما القرار “رسمي” و”أمني”، فلا حاجة لسؤال الضمير، ترامب وعد بـ”القوة” ومنحه الناخب تفويضًا واسعًا، مُعلّقًا الحكم الأخلاقي الشخصي- وهو ما ينسجم مع منطق تفاهة الشر حين يصبح الامتثال فضيلة.
وأخيرًا، الانتقال من القتل إلى اللامبالاة مهّد لقبول خطاب يستخفّ بالقانون الدولي وبمعاناة الآخرين، حين تبلغ اللامبالاة هذا المستوى، لا يعود القائد بحاجة إلى تبريرٍ متقن، يكفي أن يعد بالقوة، وهنا، لم يكن ترامب سببًا في تآكل الحساسية الأخلاقية، بل مستفيدًا منها ومُسرِّعًا لإيقاعها.
ويمكن القول إن انتخاب ترامب كان نقطة التقاء بين بنية نفسية مأزومة وقائد يجسّدها بلا أقنعة، وما دام هذا الأساس قائمًا، فإن تغيّر الوجوه لا يضمن تغيّر السياسات، فالاقتراع هنا لم يختر شخصًا فقط، بل اختار نمطًا من رؤية العالم- نمطًا يسهّل القرارات العنجهية في الداخل والخارج على حدّ سواء.
العنجهية الأميركية ومآلات النظام الدولي:من القانون إلىالغلبة
تتجلّى العنجهية الأميركية اليوم بوصفها نمطًا راسخًا في إدارة العالم، لا مجرد انحراف سياسي عابر، فبعد أن أسهمت الولايات المتحدة في تأسيس النظام الدولي الحديث عقب الحرب العالمية الثانية، بدأت تتعامل مع هذا النظام بعقلية انتقائية تقوم على توظيف القانون الدولي حين يخدم مصالحها، وتجاوزه أو تعطيله حين يتحوّل إلى قيدٍ على حركتها، وبذلك، لم يعد القانون مرجعية ملزمة بقدر ما أصبح أداة ضغط تُستخدم ضد الخصوم، وتُهمَل حين تمسّ الحلفاء أو المصالح الاستراتيجية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب
هذا السلوك يعكس بنية نفسية- سياسية ترى القوة فوق القواعد، وتتعامل مع الشرعية الدولية بعدها نابعة من التفوق لا من الإجماع، وفي علم النفس السياسي، يُفسَّر هذا النمط بما يُعرف بمتلازمة النرجسية الإمبراطورية، حيث تعتقد القوة العظمى أنها صاحبة الحق الطبيعي في إعادة تعريف الصواب والخطأ، والحلال والحرام السياسي، وفق مصالحها الخاصة.
وتُعدّ قضية فنزويلا مثالًا صارخًا على هذا المنطق، فالدولة التي تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم، لم تُعاقَب لأنها انتهكت القانون الدولي بقدر ما عوقبت لأنها حاولت إدارة ثروتها خارج منظومة الهيمنة التقليدية، وجرى الاعتراف برئيس موازٍ دون مسار انتخابي مكتمل، وفُرض حصار اقتصادي خانق أضرّ بالبنية الاجتماعية والمعيشية للشعب، وجُمّدت أصول الدولة ونفطها في الخارج، ورغم أن الخطاب المعلن ركّز على “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، فإن الواقع كشف أن المسألة تتعلّق بإخضاع الإرادة السيادية، لا بحماية القيم.
نفسيًا، تُمارس هنا آلية الإسقاط بوضوح: تُصوَّر الدولة المستهدفة على أنها خطر أخلاقي أو سياسي، بينما تُبرَّأ الذات من العنف الاقتصادي والسياسي الممارس بحق الشعوب، وهكذا يصبح التجويع عقوبة مشروعة، والحصار وسيلة أخلاقية، ما دام الهدف هو إعادة الدولة إلى بيت الطاعة الدولي.
وفي المقابل، تمثّل العلاقة الأميركية مع السعودية نموذجًا آخر للعنجهية، لا يقوم على العقاب المباشر بل على الاحتواء القسري الناعم، فالمعادلة التاريخية القائمة على “النفط مقابل الحماية” تُخفي في جوهرها تصورًا استعلائيًا يعد الموارد الاستراتيجية جزءًا من الأمن القومي الأميركي، لا من السيادة الوطنية للدول المالكة لها. وعندما حاولت السعودية، ولو ضمن حدود اقتصادية بحتة، إعادة ضبط سياساتها النفطية بما يخدم مصالحها، برز خطاب التهديد وسحب الحماية والضغط السياسي، في رسالة واضحة مفادها أن الاستقلال الاقتصادي له سقف مرسوم سلفًا، وهذا النمط من السلوك لا يعكس شراكة دولية بقدر ما يكشف منطق الغلبة. فالولايات المتحدة، في هذه الحالات، لا تتعامل مع الدول بوصفها كيانات ذات سيادة متكافئة، بل كوحدات وظيفية داخل نظام عالمي تُحدَّد أدوارها مسبقًا،من يلتزم بالدور يُكافأ بالحماية، ومن يخرج عنه يُعاقَب بالحصار أو العزل أو الفوضى.
ونتيجة هذا المنهج، يشهد النظام الدولي تآكلًا متسارعًا في الثقة بالمنظمات والقوانين الدولية، إذ تدرك الدول، لا سيما الضعيفة منها، أن القوانين لا تحمي من لا يملك القوة، وأن الشرعية لا تُفعَّل إلا بقدر ما تسمح به موازين المصالح، وهذا ما يدفع العالم تدريجيًا نحو منطق التكتلات، وسباقات التسلح، والبحث عن أدوات ردع خارج المنظومة التقليدية.
إن أخطر ما في العنجهية الأميركية ليس في خرق القوانين، بل في تطبيع هذا الخرق وتحويله إلى ممارسة يومية لا تحتاج إلى تبرير، فعندما تتوقف القوة عن الشعور بالحاجة إلى تقديم مرافعة أخلاقية لأفعالها، يبلغ التسلّط ذروته، ويتحوّل العالم إلى ساحة مفتوحة للهيمنة المقنّعة، حيث تُسلب الثروات باسم الاستقرار، وتُدمَّر الاقتصادات باسم الإصلاح، وتُهمَّش معاناة الشعوب باعتبارها “أضرارًا جانبية”.
وفي هذا السياق، لا تبدو الأزمة أزمة سياسات فقط، بل أزمة نظام عالمي بأكمله، نظامٌ بات فيه القانون تابعًا للقوة، والشرعية رهينة للمصلحة، والإنسان رقمًا في معادلات النفط والسلاح، وما لم يُعاد الاعتبار لفكرة العدالة العابرة للقوة، فإن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها الفوضى قاعدة، لا استثناء، ويغدو الظلم الدولي ممارسة مألوفة لا تثير حتى الدهشة.
الاستنتاجات
أولًا: يتبيّن من التحليل أن السلوك الأميركي في الداخل والخارج لا يمكن فهمه بوصفه قرارات سياسية ظرفية، بل بوصفه نتاج بنية نفسية- اجتماعية مركّبة تشكّلت تاريخيًا على أسطورة التفوّق والرسالة الخلاصية. هذه الأسطورة لم تبرّر العنف فحسب، بل منحته غطاءً أخلاقيًا جعل القتل والتدمير يُمارسان بوصفهما أفعالًا إصلاحية لا جرائم سياسية.
ثانيًا: أفرزت الفردانية المتطرفة في المجتمع الأميركي تآكلًا في التعاطف الجمعي، بحيث اتّسعت المسافة الأخلاقية بين الفرد الأميركي ومعاناة الشعوب الأخرى. ومع تعاظم هذه المسافة، لم يعد العنف الخارجي يُستقبل بوصفه مأساة إنسانية، بل كحدث مجرّد لا يمسّ الضمير الفردي، ما سهّل تقبّل الحروب والقتل الجماعي طالما ظلّ بعيدًا عن الحياة اليومية.
ثالثًا: أسهم التطبيع المبكر مع العنف، عبر الثقافة الشعبية والسرديات التاريخية الرسمية، في جعل العنف أداة مألوفة لإدارة الصراع لا خيارًا استثنائيًا. وقد أدّى هذا إلى فصل نفسي بين الفعل ونتيجته، حيث يُمارس القتل دون استحضار إنساني للضحايا، ويُختزل الإنسان في وظيفة أو رقم داخل سردية أمنية أو سياسية.
رابعًا: كشف التحليل أن خلف خطاب القوة والثقة، يعيش المجتمع الأميركي قلقًا وجوديًا بنيويًا يتمثل في الخوف من فقدان الهيمنة والانهيار الداخلي. هذا الخوف لا يُنتج انكفاءً، بل يتحوّل إلى عدوان استباقي ونزعة تسلّطية، تُفسّر لجوء الولايات المتحدة إلى الحرب والتدخل حتى في غياب تهديد مباشر.
خامسًا: تمارس المنظومة الأميركية آلية إسقاط العنف خارج الذات، حيث تُحمَّل الشعوب المستهدفة صفات الشر والتوحّش والإرهاب، بينما تُبرَّأ الذات من مسؤولية الدمار. وبهذا، يُعاد تعريف الضحية كجاني، ويُقدَّم القتل بوصفه دفاعًا أخلاقيًا أو واجبًا حضاريًا.
سادسًا: أدّى تسليم الضمير الفردي إلى الدولة، في ظل مركزية القرار، إلى تلاشي الشعور الشخصي بالمسؤولية الأخلاقية. فالفرد يطيع ويبرّر ويصمت، وتُرتكب الجرائم الكبرى دون شعور جماعي بالذنب، في تجسيد واضح لما وصفته حنّة آرندت بـ تفاهة الشر، حيث يصبح الشر ممارسة إدارية لا فعلًا شيطانيًا واعيًا.
سابعًا: يتضح أن الأخطر من القتل ذاته هو اللامبالاة تجاهه. فحين تُستهلك صور الضحايا والركام يوميًا دون صدمة أخلاقية، يبلغ التسلّط ذروته، ويغدو العنف ممارسة روتينية لا تحتاج إلى تبرير أو اعتذار، لا في الداخل الأميركي ولا على مستوى الخطاب الدولي.
ثامنًا: يفسّر هذا الإطار النفسي- الاجتماعي صعود ترامب وانتخابه بوصفه مرآة صادقة للوعي الجمعي لا انحرافًا عنه. فقد مثّل ترامب التعبير الأكثر فجاجة عن النزعات المكبوتة: التفوّق، الخوف، الاحتقار، والاستخفاف بالقانون. ومن خلاله، تحوّلت العنجهية من سياسة مُقنَّعة إلى خطاب علني لا يخجل من نفسه.
تاسعًا: على الصعيد الدولي، تكشف قضايا مثل فنزويلا والسعودية أن العنجهية الأميركية تتعامل مع الثروات الطبيعية بوصفها موارد خاضعة لمنطق الولاء لا للسيادة. فالدولة التي تخرج عن الدور المرسوم تُعاقَب، والتي تلتزم تُحتوى، في نظام عالمي قائم على الغلبة لا الشراكة.
عاشرًا: تؤدي هذه الممارسات مجتمعة إلى تفكيك الشرعية الدولية وتقويض الثقة بالقوانين والمنظمات الأممية، ما يدفع العالم نحو مزيد من الفوضى، وسباقات التسلح، والتطرّف السيادي. ومع تراجع فكرة العدالة العابرة للقوة، يصبح القانون تابعًا للمصلحة، والإنسان تفصيلًا ثانويًا في معادلات النفط والسلاح.
الخاتمة
تُظهر هذه القراءة النفسية- الاجتماعية أن السلوك الأميركي، داخليًا وخارجيًا، ليس نتاج قرارات معزولة، بل انعكاس لبنية وعي جماعي تشكّل على أسطورة التفوّق، وتطبيع العنف، وتآكل التعاطف الإنساني. ومن خلال هذه البنية، تحوّلت القوة من وسيلة لحماية النظام الدولي إلى أداة لفرض الهيمنة وتقويض القوانين حين تعارض المصالح. إن صعود خطاب مثل خطاب ترامب، والتعامل الاستعلائي مع الشعوب والثروات، ليسا انحرافًا عن المسار، بل تعبيرًا صريحًا عنه. وفي ظل استمرار هذا النموذج، يتجه العالم نحو مزيد من الفوضى واللايقين، ما لم يُعاد الاعتبار لقيمة الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة، وللعدالة بوصفها قيدًا على القوة لا تابعًا لها.
المصادر
Arendt, H. (1963) Eichmann in Jerusalem: A Report on the Banality of Evil. New York: Viking Press.
Bauman, Z. (2004) Wasted Lives: Modernity and its Outcasts. Cambridge: Polity Press.
Bandura, A. (1999) Moral Disengagement: How People Do Harm and Live with Themselves. New York: Freeman.
Chomsky, N. (2016) Who Rules the World? New York: Metropolitan Books.
Foucault, M. (1977) Discipline and Punish: The Birth of the Prison. New York: Pantheon Books.
Fromm, E. (1941) Escape from Freedom. New York: Farrar & Rinehart.
Kellner, D. (2007) Media Spectacle and the Crisis of Democracy: Terrorism, War, and Election Battles. London: Routledge.
Waltz, K. (1979) Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley.
Risen, J. (2006) State of War: The Secret History of the CIA and the Bush Administration. New York: Free Press.
Stiglitz, J. (2002) Globalization and Its Discontents. New York: W.W. Norton & Company.
Smith, T. (2007) America’s Mission: The United States and the Worldwide Struggle for Democracy in the Twentieth Century. Princeton: Princeton University Press.
Lockwood, D. (2020) Populism and Power: The Rise of Trump and Its Global Implications. London: Palgrave Macmillan.
Pillar, P. (2011) Intelligence and U.S. Foreign Policy: Iraq, 9/11, and Misguided Reform. New York: Columbia University Press.
Blumenthal, M. (2014) The CIA: A Forgotten History. New York: HarperCollins.
Harvey, D. (2005) A Brief History of Neoliberalism. Oxford: Oxford University Press.