الهوية الإسلامية بين الحيرة والتَمييع الممنهج

إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

 

المقدمة: برزخ الهُوية

يعيش الإنسان المسلم المعاصر في برزخ من القلق، منطقة وسطى تفصل بين تاريخ حافل بالمركزية والقيم، وبين واقع عالمي يتسم بالسيولة وفقدان اليقين، ولم تعد الهُوية الإسلامية اليوم مجرد بطاقة تعريف تُورث، بل تحولت إلى ساحة معركة كبرى، تتجاذبها قوتان متضادتان: قوة الجذب التاريخي التي تشده نحو أصوله ومنبع قيمه في الأزهر والنجف والحواضر العلمية الأخرى، وقوة الطرد العالمية التي تمارسها ماكينات تمييع الوعي والساعية لتفكيك كل ما هو صلب وثابت.

إن الحيرة التي تكتنف عقول الشباب اليوم ليست مجرد فجوة جيلية أو قصور في المعرفة، بل هي نتاج اصطدام عنيف بين منظومتين: منظومة الوحي التي تمنح الإنسان سيادة ومعنى، ومنظومة العولمة التي تريد تحويله إلى كائن استهلاكي بلا ضفاف، ومن هنا تأتي هذه المقالة لتحاول تفكيك شفرات هذا الصراع، باحثةً في الجذور التاريخية للهُوية، وكاشفةً عن هندسة التمييع الممنهجة، وصولاً إلى استشراف طريق يعيد للشاب المسلم بوصلته المفقودة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء معرفياً.

 

المحور الأول: السيرورة التاريخية وتراكمات الأنا الإسلامية

لا تمثل الهوية الإسلامية خطاً مستقيماً، بل هي طبقات رسوبية تشكلت عبر أزمات وانفراجات كبرى، ويمكننا قراءتها بعمق من خلال أربع زوايا:

الاولى: المعجزة الاجتماعية (من العصبية إلى الرسالية): قبل الإسلام، كانت الهوية بيولوجية (الدم والقبيلة)، فجاء الإسلام ليطرح مفهوماً ثورياً وهو الهوية العَقَديّة العابرة.

لأول مرة، أصبح الولاء للفكرة لا للقبيلة، وهذا التغيير لم يكن سهلاً، بل كان اشتباكاً يومياً بين قيم الجاهلية وقيم الرسالة، والهوية هنا كانت هوية كِفاحية، فالإنسان يُعرّف نفسه من خلال الموقف (أنا مسلم يعني أنا نصير للمظلوم، أنا مسلم يعني أنا لا أخضع للصنم).

الثانية: عصر التدوين والاشتباك المعرفي (المعركة الكبرى): بعد اتساع الرقعة، واجه المسلمون حضارات عريقة (فارس، بيزنطة)، وهنا حدث ما يسمى بـ مأسسة العقل الإسلامي:

  1. مدرسة أهل البيت (النجف والكوفة): برزت هنا كمركز لنقاء الهوية، وبينما كانت السلطة السياسية تحاول تسييس الدين لشرعنة الحكم، كانت الحوزات العلمية الأولى تؤسس للهوية كمنهج علمي وأخلاقي.

  2. نشوء الذات المفكرة: ظهر علم الكلام والفلسفة، والهوية الإسلامية في هذا العصر كانت برهانية؛ والمسلم لا ينتمي للإسلام بالوراثة فقط، بل لأنه يمتلك أجوبة فلسفية تتفوق على المنطق اليوناني واللاهوت المسيحي، وهذا الامتلاء المعرفي هو ما منع الحيرة في ذلك الزمان.

الثالثة: التصوف والفقه (الهوية كبنية اجتماعية متكاملة): في القرون الوسطى، تبلورت الهوية في مسارين منحاها الاستدامة:

 

  1. المسار الفقهي (النجف، الأزهر، القرويين): وقد توافر الدرع القانوني الذي ينظم حياة الناس (زواج، تجارة، قضاء)، مما جعل الإسلام هوية معيشية يومية.

  2. المسار الروحي (التصوف والمودة): منح الهوية قلباً، وهذا الجانب هو الذي سمح للإسلام بالدخول إلى قلوب الملايين في آسيا وإفريقيا دون حروب، لأن الهوية كانت تقدم أنموذجاً أخلاقياً (التاجر الصادق، الولي الزاهد).

الرابعة: صدمة الحداثة والتمزق الوجداني (بداية التيه): مع القرن التاسع عشر، دخلت الهوية في أعنف أزماتها قد تجلت بسقوط المركز، فعندما دخل الاستعمار، لم يدخل بالجيوش فقط، بل دخل بالأنوار (العلوم والتقنيات)، وهنا اهتزت ثقة المسلم بنفسه.

وبدأ بروز انقسام الهوية وظهور الشظايا، منه تيار التشبث الشكلي الذي هرب من الحداثة نحو الماضي فصارت هويته قشرية دفاعية، وايضا تيار الاستلاب الكامل الذي رأى أن الهوية الإسلامية عائق للتقدم، فصارت هويته مستعارة.

اذن فالنتيجة ضاعت الوسطية الرسالية، وظهر الجيل الحائر الذي يملك ديناً في قلبه، لكن عقله وأدواته المعيشية في مكان آخر تماماً.

 

المحور الثاني: هندسة التمييع (سيكولوجيا الاستلاب وتسييل الثوابت)

إن ما يواجهه الشاب المسلم اليوم ليس غزواً ثقافياً بالمعنى التقليدي (أي إحلال ثقافة محل أخرى)، بل هو عملية تفريغ بنيوي للهوية، وإن المؤسسات العولمية لا تريد صياغة مسلم مسيحي أو مسلم ملحد، بل تريد صياغة مسلم بلا ضفاف، كائن هلامي يسهل تشكيله حسب متطلبات السوق العالمي.

ويمكن توضيح هذا المسار عبر القراءات الآتية:

 

  1. استراتيجية الإزاحة المفهومية

تعمل القوى الناعمة على إعادة تعريف المصطلحات المركزية في الوجدان الإسلامي بمدلولات مادية، ويتم انتزاع مفاهيم مثل الحرية من سياقها القرآني (التحرر من عبودية الطاغوت والشهوة) لتوضع في سياق التحرر من التكليف الإلهي، وتتحول الكرامة من كونها استعلاءً بالإيمان، إلى كونها استعلاءً بالاستهلاك والقدرة الشرائية، وهذه الإزاحة تخلق فصاماً لغوياً لدى الشاب؛ فهو يستخدم مصطلحات دينه، لكنه يملؤها بمضامين غريبة عنه، مما يؤدي إلى تمييع الهوية من داخلها دون صدام مباشر.

 

  1. الدكتاتورية الناعمة وخوارزميات التشتيت

في السابق، كانت الهوية تُحمى بـالأسوار، أم اليوم فالأسوار سقطت أمام الخوارزمية التي تعرف عن الشاب أكثر مما يعرف عن نفسه، فآلية التمييع تعمل وفق المنصات الرقمية على مبدأ التفتيت المعرفي، وبدلاً من أن يبني الشاب رؤية كونية متصلة (عبر دراسة الفلسفة أو الفقه المعمق في النجف مثلاً)، يتم إغراقه بشذرات معلوماتية متناقضة.

والأثر هنا أن هذا التفتيت يمنع تشكل الهوية الصلبة، لأن الصلابة تحتاج إلى تراكم وتأمل، بينما الخوارزمية تفرض اللحظية والسرعة، والشاب الذي لا يستطيع التركيز في نص قرآني أو فقهي لأكثر من دقيقة، هو شاب تم تمييعه ذهنياً ليصبح قابلاً للاستلاب.

 

  1. ببغاوية الشبهات وعقدة النقص الحضاري

هناك هندسة مقصودة لربط التخلف المادي بالهوية الدينية، ويتم استغلال الهزيمة النفسية للمسلم المعاصر لإقناعه بأن ملامح هويته (كالحجاب، أو الصلاة، أو الولاء للمرجعية) هي ندوب في وجه الحداثة.، وهنا يتحول التمييع إلى فعل إرادي، حيث يشرع الشاب في كشط ملامح هويته بنفسه، ظناً منه أنه بذلك يتخفف من أعباء التخلف، إنها عملية انتحار رمزي تُمارس تحت بريق الإعجاب بأنموذج القوة الغالبة.

 

  1. مأسسة إسلام بلا أنياب

تدعم المؤسسات الدولية والمراكز البحثية (Think Tanks) ما يسمى بالإسلام المعتدل وفق معاييرها هي، والمقصود هنا هو إسلام المنظومة المريحة، إسلام يركز على الطقوس الفردية (التي لا تزعج النظام العالمي) ويحارب الإسلام الرسالي الذي يحمل هماً سيادياً أو اقتصادياً مستقلاً.

 

والنتيجة من ذلك أن يتم تمييع مفهوم الأمة واستبداله بالمجتمع المدني العالمي، وتمييع مفهوم الجهاد النفسي والمعرفي واستبداله بالتنمية البشرية المادية، ليصبح الدين في النهاية هواية بدلاً من أن يكون غاية.

 

المحور الثالث: سوسيولوجيا الحيرة (الاغتراب بين المنتمي والمعاصر)

إن الحيرة التي تضرب جيل الشباب المسلم اليوم ليست ناتجة عن نقص في المعلومات، بل هي تخمة في التناقضات، فنحن أمام جيل المهاجرين الرقميين الذين يسكنون في بيوت شرقية محافظة، لكن عقولهم تقيم في سحابة إلكترونية غربية القيم.

ويمكننا تحليل هذا المقصد عبر الزوايا التالية:

 

الاولى: سيكولوجيا التمزق الهوياتي

يعاني الشاب مما يسميه علماء النفس والاجتماع بتعدد الذوات، وهو مضطر لامتلاك ذات دينية يمارسها في المسجد أو مع العائلة، وذات وظيفية- رقمية يمارسها في الفضاء العالمي، وأن الحيرة تنبع من هذا النفاق الاضطراري، فعندما لا يستطيع الشاب دمج قيمه الإسلامية في طموحه المهني أو حياته الرقمية، يبدأ بالشعور بأن دينه عائق وليس دافعاً، والحيرة هنا هي صرخة البحث عن الذات الواحدة، فالشاب يريد أن يكون مسلماً وناجحاً ومعاصراً في آن واحد، وعندما يفشل الخطاب الديني في تقديم هذه التوليفة، يسقط الشاب في فخ التمييع كحل لإنهاء الصراع النفسي.

 

الثانية: أزمة الوساطة وسقوط الرموز

في علم الاجتماع الديني، هناك ما يسمى بناقل القيمة، وقديماً كان الأب، المعلم، ورجل الدين هم الناقلون الوحيدون، أما اليوم، فقد تحطمت الوساطة، وأصبح الشاب يواجه النص الديني وجهاً لوجه أمام نقد المستشرق الجديد أو الملحد الرقمي دون درع وقائي، والمؤسسات الدينية (في النجف وغيرها) لا تزال تعتمد نظام التلقين في حين أن الشاب يعيش عصر التفكيك، وهذا التباين يجعل الشاب يشعر بأن المؤسسة تعيش في الماضي، مما يفقده الثقة في قدرتها على حمايته معرفياً، فتتحول الحيرة إلى يتم معرفي.

 

الثالثة: الفراغ الجمالي في الخطاب الديني

الحيرة ليست فكرية فقط، بل هي جمالية أيضاً، فالحداثة تقدم جمالاً مُبهراً (في الفن، العمارة، نمط الحياة)، بينما يُقدم الدين أحياناً في قالب جنائزي أو ترهيبي، وهو بشكل عام خالٍ من الإبداع.

إن الإنسان كائن يبحث عن الجمال، وعندما يُختزل الإسلام في قائمة محرمات ونصوص جافة، بينما تقدم العولمة بهجة الحياة (حتى لو كانت زائفة)، فإن الميل الفطري للجمال يسحب الشاب نحو الآخر، والحيرة هنا هي: لماذا يبدو طريقي إلى الله كئيباً وطريق العالم مشرقاً؟ إن غياب جماليات التدين هو الذي يمهد الطريق لتمييع الهوية، لأن القلب يتبع ما يحب قبل أن يتبع ما يعقل.

 

الرابعة: المثالية المستحيلة مقابل الواقعية السائلة

يُقدم الخطاب الديني أحياناً نماذج تاريخية خارقة (الاولياء، الصحابة، التابعين) كمعيار وحيد للتدين، مما يخلق عند الشاب شعوراً بالعجز الأخلاقي، والأثر السوسيولوجي هو عندما يشعر الشاب أنه لن يصل أبداً لتلك المثالية، فإنه يقرر الانسحاب من السباق برمته، والتمييع هنا يكون ملاذاً آمنًا من شعور الذنب، فالشاب يختار الهوية المميعة لأنها أقل تكلفةً وأكثر تصالحاً مع ضعفه البشري، وإن الحيرة هي نتيجة غياب فقه التدرج وفقه الواقع الذي يفهم تعقيدات الشهوة والضغط الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين.

 

 

 

 

المحور الرابع: مدرسة أهل البيت كأنموذج للصمود (السيادة المعرفية والاجتهاد الحي)

في مواجهة السيولة التي تفرضها العولمة، تقدم مدرسة أهل البيت أنموذجاً للهوية الصلبة والمرنة في آن واحد، وإنها الهوية التي لا تنكسر أمام عواصف الحداثة لأن جذورها في البرهان، ولا تعزل نفسها عنها لأن أغصانها في الاجتهاد.

 

  1. ديناميكية الاجتهاد كـ كسر لجمود الزمن

بينما تعاني الكثير من المدارس من سد باب الاجتهاد أو الارتهان للماضي، تظل النجف الأشرف تؤسس لـفقه الواقع، فالاجتهاد في مدرسة أهل البيت ليس مجرد استنباط حكم شرعي، بل هو عملية تجسير دائمة بين النص المطلق والواقع المتغير، والمجتهد هنا هو العقل الحي للأمة، وظيفته أن يمنع تجمد الهوية في قوالب التاريخ، ويمنع ذوبانها في قوالب العولمة، وهذا الانفتاح المدروس هو الترياق الأول لـلحيرة، لأنه يخبر الشاب أن إسلامه قادر على استيعاب اللحظة المعاصرة دون فقدان أصالته.

 

  1. الحكمة المتعالية والتحرر من المادية

واجه الشاب المسلم حيرة بسبب طغيان المادية التي جعلت العالم بلا روح، وهنا تأتي الفلسفة الإسلامية مثل مدرسة ملا صدرا والشهيد الصدر لتعيد ربط الوجود بالمعنى.

تقدم هذه المدرسة رؤية كونية ترى في المادة تجلياً للروح، وفي العلم طريقاً لله، والشاب الذي يتسلح بالسيادة المعرفية لا يعود يرى في التطور التقني الغربي إلهاً يُعبد، بل يراه أداةً تُسخر، وإن بناء الهوية على أسس برهانية يحولها من عاطفة مهتزة إلى يقين صلب لا تؤثر فيه خوارزميات التمييع.

 

  1. الانتظار الإيجابي وصناعة الأمل الرسالي

في عالم يسوده العدم والتشاؤم الوجودي، تقدم عقيدة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بُعداً مستقبلياً للهوية، فالهوية الشيعية هي هوية تمهيدية بطبعها، والانتظار ليس قعوداً سلبياً، بل هو تحفيز دائم لإصلاح الواقع، وهذا البعد يمنح الشاب المسلم قضية كبرى يعيش من أجلها، مما يخرجه من الحيرة الشخصية إلى المسؤولية الكونية، والهوية هنا تصبح مشروعاً عالمياً للمطالبة بالعدل، وهو ما يتناقض تماماً مع محاولات التمييع التي تريد اختزال المسلم في دائرة همومه الفردية الضيقة.

 

  1. عالمية الشعيرة (الأربعين كأنموذج للتحقق)

إذا كان التمييع يحاول تفكيك الروابط الجمعية، فإن زيارة الأربعين تعيد بناء الجسد الواحد، والأربعين ليست مجرد مشي، بل هي يوتوبيا إسلامية متحققة لفترة زمنية محددة، في هذا الفضاء، تسقط الأنا الاستهلاكية التي تغذيها الرأسمالية، وتظهر الأنا الخادمة والمضحية، وهذا التحقق العملي للقيم ينهي حيرة الشاب، لأنه يرى بعينه أن مجتمع الفضيلة ممكن، وأن هويته قادرة على خلق أعظم تجمع بشري سلمي ومنظم في التاريخ دون الحاجة لنظريات الغرب.

 

البديل المنقذ

إن مدرسة أهل البيت لا تقدم للشاب دروساً في التاريخ، بل تقدم له هوية سيادية، وإنها تخاطب عقله بالبرهان، وقلبه بالشعيرة، وإرادته بالاجتهاد، والحيرة تنتهي عندما يدرك الشاب أن الإسلام ليس تراثاً يُحرس، بل هو نور يُستضاء به لاقتحام المستقبل بوعي وعزة.

 

المحور الخامس: نحو “مانيفستو” الهوية الرسالية (الاستعلاء بالإيمان والوعي)

إن الانتقال من الحيرة إلى اليقين الحركي يتطلب ثورة في كيفية فهمنا وتمثيلنا لهويتنا، لا يكفي أن نقول نحن مسلمون، بل يجب أن نثبت أن الإسلام هو الحل الوجودي للإنسان المعاصر.

ويمكن إثراء هذا المنظور عبر المبادئ التالية:

  1. استعادة السيادة النفسية

أكبر هزيمة ألحقها التمييع الموجه بالشاب المسلم هي عقدة النقص، فيجب صياغة هوية لا تشعر بالاعتذار أمام الحداثة، وإن المسلم الذي يمتلك إرثاً برهانياً من مدرسة أهل البيت يجب أن يمارس الاستعلاء المعرفي، ليس بمعنى الكبر، بل بمعنى الثقة بأن منظومته القيمية (العدل، العفة، التكافل، الصلة بالله) هي المركز، وما سواها هو الهامش القلق، وعندما يرى الشاب نفسه منقذاً للعالم من ماديته، وليس متهماً يحاول تبرئة نفسه، تنتهي حيرته فوراً.

 

  1. الأنسنة الرسالية (الهوية كرحمة للعالمين)

التمييع يريد عزل الإسلام في طقوس باردة، والرد يكون بتحويل الهوية إلى مشروع إنساني، فيجب أن يرى العالم في الهوية الشيعية حلولاً لأزمات المناخ، وأزمات العزلة النفسية، وتوحش الرأسمالية، وعندما يقدم الشاب المسلم في جامعات العالم أو في ميادين العمل أنموذجاً للأمانة والإبداع الممزوج بالرحمة، فإنه يمارس دعوة صامتة وجهادًا تبيينيًا عظيمًا، والهوية هنا ليست انغلاقاً على الذات، بل هي انفتاح لإصلاح الآخر من موقع القوة الأخلاقية.

 

  1. التجديد الهيكلي للخطاب (من المتن إلى الواقع)

نحتاج إلى لغة وسيطة تكسر الجدار بين الحوزة والجامعة، وينبغي صناعة طبقة من المثقفين العضويين (بتعبير غرامشي، ولكن بمنطلق إسلامي)، وهم الذين يترجمون جواهر الفقه في النجف إلى برامج عمل في الاقتصاد والسياسة والتربية، والحيرة تموت عندما يرى الشاب أن فتاوى المرجع ليست نصاً في كتاب قديم، بل هي بوصلة حية توجه مساره في تعقيدات الحياة المعاصرة.

 

  1. جماليات المقاومة الثقافية

مقابلة جمال الحداثة بجمال الروح والعمل، لا يمكن مواجهة التمييع الملون إلا بجمال أبهى منه، فيجب إحياء الفنون الإسلامية، العمارة، الأدب، والسينما التي تحمل الهوية، وإن زيارة الأربعين بجمالها البصري والروحي هي البداية، لكننا نحتاج لتعميم هذا الجمال في كل مفاصل حياتنا، والشاب الذي يشعر بأن هويته جميلة وتمنحه سكينة لا توفرها ملاهي الحداثة، هو شاب محصن تلقائياً ضد التمييع.

 

 

أفق الانتظار والسيادة (إستراتيجية اليقين الفاعل)

إن الهوية الإسلامية المعاصرة ليست ذكرى نحافظ عليها، بل هي مستقبل نصنعه، وإن الحيرة التي مر بها الشباب هي مخاض الضرورة، فاليقين الذي يأتي بعد الشك والبحث والاشتباك مع العولمة هو يقين صلب لا يلين.

وإن الهُوية الإسلامية المعاصرة ليست متحفاً نخشى عليه من السرقة فنقف على أبوابه حراساً، بل هي مستقبل نصنعه، هي إمكانية حضارية لم تكتمل بعد، وتنتظر جيل السيادة المعرفية ليحررها من قيود التاريخ المكرور وضغوط العولمة السائلة، ولكي تتحول هذه الرؤية إلى استراتيجية فاعلة، يجب أن ترتكز السيادة في المرحلة القادمة على أربعة مسارات تكاملية:

  1. إستراتيجية الاشتباك المُنتِج (من الانفعال إلى الفعل): إن الحيرة التي مر بها الشباب هي مخاض الضرورة، واليقين الذي يولد بعدها هو يقين صلب لأنه لم يأتِ عبر العزلة، بل عبر الاشتباك، والاستراتيجية هنا تقتضي عدم الهروب من أسئلة العولمة، بل استثمار مفاهيمها وإعادة صياغتها ضمن المنظومة الرسالية، وبدلاً من الدفاع عن هويتنا، نبدأ بمهاجمة خوائها القيمي -العولمة- ونقدم البديل الإسلامي (النجفي، والقُمّي، والأزهري الأصيل) كحلٍّ لأزمة المعنى العالمية.

  2. مأسسة الجمال الرسالي (الهوية كجاذبية): لمواجهة تمييع الوعي والسيولة الجمالية للعولمة، يجب تحويل الهوية إلى نمط حياة متفوق، وإن استراتيجية السيادة تفرض علينا ألا نكتفي بصوابية الفكرة، بل بجماليتها، ويجب أن يرى العالم في الشاب المسلم أنموذجاً للإنسان المتكامل، والمتفوق تقنياً، والعميق فلسفياً، والمتزن روحياً، وإن سيادة الأنموذج هي أسرع الطرق لإنهاء الحيرة، فالبشر يتبعون الأقوى معرفياً والأجمل خلقياً.

  3. الانتقال من فقه الفرد إلى فقه العمران والسيادة: يجب أن تتحول الهوية من مجرد التزامات تعبدية فردية إلى مشروع عمران بشري، والاستراتيجية هنا تكمن في تفعيل الاجتهاد الحي لمدرسة أهل البيت لإنتاج حلول سيادية في الاقتصاد (اللا ربوي)، والاجتماع (الأسرة الصلبة)، والسياسة (العدل الرسالي)، فالحيرة تموت عندما يجد الشاب أن دينه يمنحه سيادة على واقعه المادي، وليس فقط وعوداً في الآخرة.

  4. اليقين عبر النوعي (ما وراء العولمة): إن الاستراتيجية الفاعلة هي التي تجعل من الانتظار طاقةً لتجاوز العولمة، لا انتظاراً لزوالها، ونحن نصنع المستقبل بالاستعداد له باليقين الصلب الذي لا يلين أمام الخوارزميات، لأنه يستمد ثباته من المركز (الوحي) وحركته من الواقع (الاجتهاد).

 

إننا لا نريد جيلاً محافظاً بالمعنى الساكن، بل جيلاً سيادياً بالمعنى الحركي، جيل يدرك أن هويته هي أفق انتظار العالم الغارق في تيهه، وإن الحيرة التي نعيشها اليوم هي وقود الانطلاق نحو يقين الصدمة، اليقين الذي لا يهتز لأنه عرف زيف البدائل، واختار السيادة بوعي الأحرار.

بهذا، تتحول الهوية من ذكرى نحافظ عليها إلى مشروع سيادة نقوده، لتكون كلمة الله هي العليا في عقل الإنسان وقلب الواقع.

 

المصادر
  1. آل أحمد، جلال. (2005). نزعة التغرب (غرب زدكي) (أحمد القبانجي، مترجم). بيروت، لبنان: دار الانتشار العربي. (العمل الأصلي نشر في 1962).
  2. الصدر، محمد باقر. (2009). فلسفتنا: دراسة موضوعية في معترك الصراع الفكري القائم بين المذاهب الفلسفية (ط. 22). بيروت، لبنان: دار التعارف للمطبوعات.
  3. فروم، إريك. (1972). الهروب من الحرية (مجاهد عبد المنعم مجاهد، مترجم). بيروت، لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
  4. المطهري، مرتضى. (2010). الإسلام ومتطلبات العصر. بيروت، لبنان: دار المحجة البيضاء.
  5. الوردي، علي. (2005). دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة في تحليل المجتمع العراقي في ضوء علم الاجتماع الحديث. بغداد، العراق: دار الوراق.
  6. Bauman, Zygmunt. (2000). Liquid Modernity. Cambridge, UK: Polity Press.
  7. Hallaq, Wael B. (2012). The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament. New York, NY: Columbia University Press.
  8. Roy, Olivier. (2010). Holy Ignorance: When Religion and Culture Part Ways. New York, NY: Columbia University Press.
Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى