مانيكان الوعي.. من دمية العرض إلى صناعة الاستحمار الاجتماعي
إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لم يكن اختيار مفهوم “المانيكان” (دمية عرض الملابس) مجرد استعارة لغوية، بل هو محاولة للكشف عن نمط من الفاعلين في المجال العام فقدوا استقلالهم الفكري وتحولوا إلى أدوات لعرض “بضاعة” غيرهم، وتلك الدمى التي تُصنع من البلاستيك وتُعرض في واجهات محال الألبسة لا تشكل خطرًا، بل تلك التي تُصنع من الكلمات، وتُلبس الأفكار، وتُوضع في واجهات الإعلام والسياسة لتعرض ما لا تؤمن به، وتنطق بما لم تنتجه عقولها. فالمانيكان لا يختار الثوب الذي يرتديه، ولا يقرر متى يقف أو أين ينظر، ولا يملك إرادةً وراء مظهره؛ إنه وجودٌ أجوف، يستمد قيمته من إرادة صانعه لا من ذاته، ثم يوضع في واجهة العرض ليجذب الأنظار إلى سلعة ليست له، إنه جسد بلا إرادة، وصوت بلا وعي، وحضور يخفي غياب الذات، ومن هنا تصبح هذه الدمية استعارة فلسفية لنمط من الشخصيات التي فقدت استقلالها الفكري، حتى غدت مجرد حامل لخطاب الآخرين، وواجهة لسلعة ليست من إنتاجها.
وعندما تُسحب هذه الصورة إلى المجال الإعلامي أو السياسي أو الثقافي، فإنها تصف بعض أولئك الذين يظهرون أمام الرأي العام بصفة محلل أو إعلامي أو ناشط أو خبير، بينما لا يمارسون فعل التفكير المستقل، وإنما يؤدون دور الناقل الأمين لخطاب الجهة التي تمنحهم المنبر أو الامتياز أو النفوذ، فهم لا ينتجون الأفكار، بل يعرضونها كما يعرض المانيكان الملابس؛ يغيّرون خطابهم كلما تغيرت رغبة من يصوغ رسالتهم، ويبدلون مواقفهم كلما تبدلت مصالح من يقفون خلفهم.
وتؤدي هذه الابواق، لا سيما عندما تتحول إلى أدوات للدعاية السياسية أو الطائفية أو الأيديولوجية، دورًا محوريًا في تقويض الوحدة والتضامن المجتمعي من خلال إعادة تشكيل إدراك الجمهور للواقع وصناعة صور ذهنية سلبية عن الجماعات الأخرى، فبدلاً من أداء الإعلام لوظيفته في نقل المعلومات بصورة مهنية ومتوازنة، تلجأ بعض المنصات الإعلامية إلى الانتقاء المتحيز للأخبار واختيار الضيوف، والمبالغة في عرض الخلافات، وإثارة المخاوف، واستخدام خطاب الكراهية أو التخوين، الأمر الذي يؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وإضعاف الثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع.
في حين يؤكد علم الاجتماع الإعلامي أن وظيفة الإعلام لا تقتصر على نقل الوقائع، كما ان معيار المصداقية لا يُقاس بارتفاع الصوت، وإنما تتمثل في توفير فضاء عام قائم على الحوار العقلاني والرقابة على السلطة، وهو ما أكده يورغن هابرماس في نظريته عن المجال العام، إلا أن هذه الوظيفة تتآكل عندما يصبح الإعلام جزءًا من الصراع السياسي أو التبعية والعمالة لمالكي رؤوس الاموال، فتتحول بعض المنابر إلى أبواق دعائية تعتمد الانتقاء المتحيز للأخبار، والتأطير الانتقائي، وإثارة الانفعالات، وإخفاء المعلومات المخالفة للسردية التي تتبناها المؤسسة الإعلامية.
فالمدافع الحقيقي عن سيادة الوطن يدافع عنها بوصفها قيمة أخلاقية وقانونية ثابتة، لا بوصفها شعارًا انتقائيًا يُرفع في مواجهة طرف ويُخفى أمام طرف آخر، وعندما يصبح الاحتجاج انتقائيًا، والإدانة انتقائية، والغضب انتقائيًا، فإن الخطاب يفقد قيمته الأخلاقية ويتحول إلى أداة للدعاية لا تختلف في جوهرها عن أي سلعة تُعرض في واجهة متجر.
ومن منظور علم الاجتماع، فإن انتشار الخطابات الإعلامية التحريضية يؤدي إلى تآكل رأس المال الاجتماعي، المتمثل في الثقة والتعاون والتضامن بين أفراد المجتمع، ويخلق بيئة يسودها الشك والعداء المتبادل، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي، لذلك تؤكد الأدبيات المعاصرة أن الإعلام المسؤول يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الهوية الوطنية المشتركة، بينما تسهم أبواق الإعلام المنحازة في إنتاج الاستقطاب الاجتماعي وإضعاف الوحدة المجتمعية، خاصة في المجتمعات المتعددة دينيًا أو عرقيًا أو سياسيًا.
علي شريعتي
ومن هنا يلتقي هذا النموذج مع مفهوم الاستحمار الاجتماعي كما صاغه علي شريعتي، فالاستحمار لا يعني مجرد تضليل الناس بالمعلومات الخاطئة، بل يعني إشغال الوعي بالقضايا الثانوية، وتوجيه الانتباه بعيدًا عن الأسئلة الجوهرية، فهو لا يتحقق بمجرد مصادرة حرية التفكير، بل يبلغ ذروته عندما يُسلب الإنسان استقلاله العقلي وهو يظن أنه يمارس التفكير بحرية، فالمستحمَر لا يشعر بأنه خاضع، لأنه يتوهم أن الآراء التي يتبناها هي نتاج قناعاته الذاتية، بينما هي في الحقيقة أفكار صيغت له بعناية، ثم أُعيد إنتاجها في وعيه حتى غدت جزءًا من هويته، وهنا لا يُغتال العقل، بل تُعاد برمجته؛ ولا يُكمم اللسان، بل يُمنح حرية النطق ضمن حدود مرسومة سلفًا؛ ولا يُصادر الضمير، بل يُعاد توجيهه ليخدم إرادة غيره وهو يعتقد أنه يعبّر عن ذاته، وبهذا يتحول الإنسان من ذاتٍ منتجة للمعنى إلى وعاءٍ يعيد تدوير المعاني التي صاغتها مراكز القوة، ومن فاعلٍ تاريخي يصنع الموقف إلى مجرد ناقلٍ لخطابٍ كُتب له قبل أن ينطق به.
كما ان أخطر ما يفعله “مانيكان الوعي” أنه لا يبيع سلعة مادية، بل يبيع المواقف والانفعالات والاصطفافات. فهو يعيد تشكيل إدراك البعض ممن يؤيدون آراء وافكار المانيكان المعبئ سلفاً عبر خطاب يبدو موضوعيًا في ظاهره، لكنه ينتقي الوقائع وفق معيار المنفعة السياسية أو الأيديولوجية، ولذلك نجده يرفع شعارات السيادة والحرية والكرامة عندما تنسجم مع أجندة الجهة التي يمثلها، ثم يصمت أو يبرر أو يتجاهل عندما تتعارض الوقائع مع تلك الأجندة، وهنا لا يصبح المبدأ هو الذي يحكم الموقف، وإنما يصبح الموقف تابعًا للمصلحة. فتجد هؤلاء المعترضين على التشييع المهيب للسيد الولي علي الخامنئي قدس سره ورفع الاعلام على أنه انتهاك لسيادة العراق، على الرغم من أن الحكومة العراقية والقوى السياسية، شاركوا في مراسم التشييع دون أن يُملي أحدٌ عليهم ذلك أو يُجبرهم عليه، وهو ما تؤكده المشاركة الطوعية والاختيارية الواسعة لأفراد المجتمع العراقي، انسجامًا مع ما يرونه من مواقف إنسانية نبيلة وعقيدة دينية تقوم على نصرة الحق وتمجيد السائرين على درب الإمام الحسين (عليه السلام)، فضلًا عن إغفال هؤلاء المعترضين لأهمية العمق الروحي والإيماني المرتبط بأهداف الثورة الحسينية، وما تمثله من عمق عقائدي قد تفتقده بقية المذاهب أو الديانات الأخرى. وفي المقابل، نجد بعض هذه الإمَّعات المعترضة، التي تتخذ من شمال العراق منبرًا إعلاميًا لها، تلوذ بالصمت عندما يقع انتهاك حقيقي لسيادة العراق؛ ففي الأمس القريب اعتدت البحرية الكويتية على مجموعة من الصيادين العراقيين داخل المياه الإقليمية العراقية، واعتقلتهم، وقتلت أحدهم بدم بارد، دون أن نسمع أي تنديد أو وعيد أو تصريح يستنكر ما حدث من هذه “المانيكانات” وجمهورها.
ولهذا فإن “مانيكان الإعلام” لا يشكل خطرًا لأنه يمتلك قوة فكرية، بل لأنه يمنح الدعاية مظهرًا من المهنية، ويمنح التبعية قناعًا من الاستقلال، ويمنح الخطاب الموجَّه هيئة الرأي الحر، وهنا تتجلى ذروة الاستحمار الاجتماعي؛ إذ يقتنع البعض من الجمهور بأنه يمارس حريته في الاختيار، بينما تُصاغ خياراته مسبقًا داخل منظومة من التأطير الإعلامي وصناعة القبول وإدارة الإدراك.
خاتمة
إن “مانيكان الوعي” ليس مجرد استعارة بلاغية، بل يمثل نموذجًا سوسيولوجيًا يفسر كيفية تحول بعض الفاعلين في المجال العام من ذواتٍ مستقلة تمتلك القدرة على التفكير والنقد إلى واجهاتٍ تعرض خطابات الآخرين وتعيد إنتاجها، فالمشكلة لا تكمن في اختلاف الآراء أو تعدد المواقف، وإنما في فقدان الاستقلال الفكري، حين يتبنى الإنسان خطاباً عدائيًأ تضليليًا لا يقتصر أثره على تشويه الوقائع فحسب، بل يسهم ايضًا في تآكل رأس المال الاجتماعي، وإضعاف الثقة العامة، وتعميق الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع.