نحن الإرهـ ــابيون: حين تعترف القوة بجرمها.. مدرسة ميناب شاهداً

بقلم د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

مقدمة

في بعض الحروب، لا تكون الفاجعة في عدد القتلى، بل في نوعهم… حين يكون الضحايا أطفالًا، يصبح العالم كله متهمًا، لا شاهدًا. في مدينة ميناب، لم يكن الصباح مختلفًا عن سواه. حقائب صغيرة تتمايل على أكتاف طفلات، ضحكات خفيفة تسبقهن إلى الصفوف، وأحلام أكبر من أعمارهن تُرسم على دفاتر بيضاء. لكن فجأة، تغيّر كل شيء… تحوّل الصوت الذي اعتدن عليه- جرس المدرسة- إلى دويٍّ لا يُشبه إلا النهاية، وتحوّلت السبورة التي كُتب عليها “غدًا أجمل” إلى جدارٍ أسود يختزن آخر لحظة من الطفولة. هناك… لم تُقصف مدرسة فقط، بل قُصف معنى الأمان.

 

أولًا: لحظة القصف… حين تنكسر البراءة

بحسب الروايات المتداولة والمشاهد المصورة التي اجتاحت وسائل الإعلام، فإن الضربة جاءت خاطفة، دقيقة، كأنها تعرف طريقها جيدًا. لم يكن انفجاراً عشوائياً يضيع في الفراغ، بل ضربة اخترقت قلب المكان… حيث الأطفال.

تقول الشهادات إن الفصول كانت مكتظة، وإن الدرس لم يكن قد انتهى بعد. كانت الكلمات تُكتب على اللوح، وربما كانت إحدى الطالبات تقف لتقرأ… ثم سقط كل شيء دفعة واحدة. اختلطت الأوراق بالرماد، والأسماء التي كانت تُنادى للحضور، أصبحت تُقرأ في قوائم الغياب الأبدي.

 

 

ثانيًا: ما بعد الركام… الأدلة التي تتكلم بصمت

في العادة، تحتاج الجرائم إلى شهود… لكن في ميناب، كان الركام هو الشاهد. حقيبة مدرسية صغيرة، بقيت مغلقة… كأن صاحبتها ستعود لتفتحها بعد قليل، دفتر رسمٍ عليه شمسٌ مبتسمة… لم تعرف أن يومها الأخير سيكون بلا شروق، مقعدٌ دراسي، نصفه محترق، ونصفه الآخر ينتظر من يجلس عليه، هذه ليست مجرد صور… إنها أدلة لا تحتاج إلى تحليل استخباراتي، بل إلى ضمير حي.

ومع انتشار هذه المشاهد، تصاعدت الأسئلة: هل كانت هذه “ضربة خاطئة”؟ أم أن الخطأ الحقيقي هو في منطق الحرب نفسه، الذي يسمح بأن تكون المدرسة احتمالًا مقبولًا للدمار؟

 

ثالثًا: الاعتراف الصادم… صوت من داخل المنظومة

ثم جاء ما هو أشد من القصف… جاء الصوت. في مقطع متداول على نطاق واسع، ظهرت ضابطة أمريكية سابقة، ملامحها منهكة، وصوتها مثقل بما يشبه الاعتراف الأخير. لم تتحدث بلغة السياسة، ولا بلغة التبرير… بل بلغة إنسانٍ انكسر داخليًا.

 

قالت:قصفنا المدرسة… كنا نعلم أنها مدرسة… نحن الإرهــ ـــابيون”.

 

هذه ليست جملة عابرة… إنها لحظة سقوط الرواية الرسمية أمام الحقيقة الأخلاقية. قد يشكك البعض في توثيق الشهادة، وقد تُناقش التفاصيل، لكن قوة هذه الكلمات لا تكمن في مصدرها فقط، بل في معناها: أن الجريمة، حين تُرتكب، تعرف نفسها… حتى لو أنكرها العالم.

 

رابعًا: الحرب حين تفقد إنسانيتها

ليست هذه الحادث- سواء اكتملت تفاصيلها أم بقيت في دائرة الجدل- إلا مرآة لحقيقة أكبر: أن الحروب الحديثة لم تعد تفرّق دائمًا بين هدفٍ عسكري وطفلٍ يحمل دفتره.

حين تصبح “الدقة العسكرية” قادرة على إصابة مدرسة، فالمشكلة ليست في الخطأ… بل في التعريف نفسه.

أي حربٍ هذه التي تحتاج إلى تفسير لماذا قُتل الأطفال؟

وأي نصرٍ يمكن أن يُبنى فوق مقاعد دراسية مكسورة؟

 

 

خامسًا: وجع لا يُقاس بالأرقام

لن تُخبرك الإحصاءات بشيء هنا… لأن الأرقام لا تبكي. لن تقول لك كم حلمًا دُفن تحت الركام، ولا كم أمٍّ ما زالت تنتظر عودة ابنتها من المدرسة، ولا كم دفترًا بقي مفتوحًا على صفحةٍ لن تُكمل. في ميناب، الخسارة لم تكن في عدد الضحايا… بل في المعنى الذي فقده العالم حين صمت.

 

الخاتمة

قد يختلف الناس في تفسير ما جرى، وقد تتأخر الحقيقة خلف البيانات والتقارير، لكن هناك حقيقة لا تحتاج إلى تحقيق: أن الطفولة، حين تُقصف، تكشف الجميع. وفي لحظة نادرة، خرج صوت من داخل القوة ليقول: “نحن الإرهــ ـــابيون”. وربما… لم تكن هذه الجملة اعترافًا بقدر ما كانت مرآة، رأى فيها العالم وجهه الحقيقي… ولم يحتمل النظر طويلًا.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى