تعلم الإنكليزية في العراق..  جدلية الطموح اللغوي والهوية الثقافية

بقلم: الباحثة علياء علي عباس

كلية الآداب/ الجامعة العراقية

 

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات العلم والتكنولوجيا والتواصل، أصبحت اللغة الإنكليزية أداة أساسية للوصول إلى المعرفة والانخراط في سوق العمل العالمي. وفي هذا الإطار، يواجه الشباب العراقي تحديًا مركبًا يتمثل في السعي لإتقان هذه اللغة من جهة، ومواجهة مجموعة من العوائق التعليمية والاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى. ولا يقتصر هذا التحدي على الجانب المهاري فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا ثقافية تتعلق بالهوية والانتماء.

لم يعد تعلّم اللغة الإنكليزية في العراق خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة تفرضها متطلبات التعليم العالي وسوق العمل. فالمصادر العلمية الحديثة، ولا سيما في التخصصات العلمية والتقنية، تُقدَّم في معظمها باللغة الإنكليزية، كما أن العديد من فرص العمل، خاصة في الشركات الدولية والمنظمات، تتطلب مستوى مقبولًا من الكفاءة اللغوية. وقد أدى هذا الواقع إلى زيادة وعي الشباب العراقي بأهمية اللغة، مما انعكس في ارتفاع الدافعية نحو تعلمها، سواء عبر التعليم الرسمي أو من خلال التعلم الذاتي.

ومع ذلك، يواجه هذا الطموح عددًا من التحديات البنيوية. فمن الناحية التعليمية، لا تزال بعض المناهج الدراسية تعتمد على أساليب تقليدية تركز على الحفظ والاستظهار، على حساب تنمية المهارات التواصلية، مثل التحدث والاستماع. ويؤدي هذا إلى وجود فجوة بين المعرفة النظرية لدى الطلبة وقدرتهم الفعلية على استخدام اللغة في مواقف واقعية. كما أن محدودية البيئة اللغوية، حيث لا تُستخدم الإنكليزية بشكل واسع في الحياة اليومية، تسهم في إبطاء عملية اكتساب اللغة، وتحد من فرص الممارسة.

إلى جانب ذلك، تمثل العوامل الاقتصادية عائقًا إضافيًا، إذ إن الالتحاق بالدورات التدريبية أو المعاهد المتخصصة قد لا يكون متاحًا لجميع الفئات، مما يؤدي إلى تفاوت في فرص التعلم. وفي مواجهة هذه التحديات، اتجه العديد من الشباب إلى التعلم الذاتي، مستفيدين من الموارد الرقمية المتاحة عبر الإنترنت، مثل المنصات التعليمية، والتطبيقات، والمحتوى المرئي. وقد أثبتت هذه الوسائل فاعليتها في دعم التعلم، رغم أنها لا تغني عن الحاجة إلى بيئة تعليمية منظمة.

 

 

وفي موازاة هذه الجهود، برزت نماذج شبابية استطاعت تحقيق مستويات متقدمة في اللغة الإنكليزية اعتمادًا على المبادرات الفردية، واستثمار هذه المهارة في الحصول على فرص تعليمية أو مهنية. وتشير هذه الحالات إلى أهمية الدافعية الذاتية في عملية التعلم، لكنها في الوقت ذاته تؤكد الحاجة إلى دعم مؤسسي يضمن استدامة هذه الجهود وتعميمها.

من جانب آخر، يثير انتشار استخدام اللغة الإنكليزية بين الشباب العراقي تساؤلات تتعلق بتأثيره في الهوية الثقافية. فقد أصبحت هذه اللغة، في بعض السياقات، مؤشرًا ضمنيًا على المستوى الثقافي أو الاجتماعي للفرد، الأمر الذي قد يؤدي إلى تهميش اللغة العربية أو التقليل من قيمتها. وتُعد هذه الظاهرة إشكالية، نظرًا للدور المحوري الذي تؤديه اللغة في تشكيل الهوية الثقافية ونقل القيم والتقاليد.

ومع ذلك، ينبغي النظر إلى هذا التداخل اللغوي في إطار أوسع، بوصفه نتيجة طبيعية لعمليات العولمة والتفاعل الثقافي، وليس بالضرورة تهديدًا مباشرًا للهوية. فالمشكلة لا تكمن في تعلّم اللغة الإنكليزية أو استخدامها، بل في الكيفية التي يُنظر بها إليها. فإذا استُخدمت بوصفها أداة للمعرفة والتواصل، فإنها تمثل عنصرًا إيجابيًا يسهم في تطوير الفرد والمجتمع. أما إذا تحولت إلى معيار للتفوق الاجتماعي أو وسيلة للإقصاء، فإنها تعكس خللًا في البنية القيمية أكثر مما تعكس تطورًا حقيقيًا.

وعليه، فإن الحفاظ على الهوية الثقافية لا يتعارض مع تعلم اللغات الأجنبية، بل يتطلب تحقيق نوع من التوازن الواعي بين الانفتاح على العالم والتمسك بالخصوصية الثقافية. ويمكن للشباب العراقي، من خلال إتقان اللغة الإنكليزية، أن يسهم في نقل ثقافته إلى الآخرين، والمشاركة في الحوار الثقافي العالمي، بدلًا من الاكتفاء بدور المتلقي.

 

في ضوء ما تقدم، تبرز الحاجة إلى مجموعة من الإجراءات الداعمة، من أبرزها تطوير المناهج التعليمية بما يعزز المهارات التطبيقية، وتوفير بيئات تعليمية تشجع على استخدام اللغة، إلى جانب دعم المبادرات الشبابية، وتوسيع فرص التعلم المتكافئة. كما يمكن للإعلام أن يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الوعي بأهمية التوازن اللغوي، وتقديم نماذج إيجابية تعكس إمكانية الجمع بين الحداثة والهوية.

 

الخاتمة

يمكن القول إن تجربة الشباب العراقي في تعلم اللغة الإنكليزية تمثل نموذجًا لتفاعل معقد بين الطموح الفردي والواقع الموضوعي، وبين متطلبات العولمة والحفاظ على الهوية الثقافية. ورغم التحديات القائمة، فإن الفرص المتاحة تظل واعدة، شريطة توافر رؤية متكاملة تجمع بين الجهد الفردي والدعم المؤسسي، بما يسهم في تمكين هذا الجيل من تحقيق طموحاته دون التفريط بمرتكزاته الثقافية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى