بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
في خضمّ التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، برزت ظاهرة خطيرة في الفضاء الإعلامي والاجتماعي العراقي والعربي، تمثلت في تصاعد خطاب دوني انهزامي يتبناه عدد من الإعلاميين والمحللين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، ممن انخرطوا- بقصد أو بغير قصد- في ترويج السرديات الأمريكية والصهيونية، حتى أصبح بعضهم يتحدث بلسان الخصم أكثر مما يتحدث بلسان وطنه أو أمته.
إن هذا الخطاب لا يقتصر على مجرد إبداء الرأي أو التحليل السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج الخطاب نفسه الذي تريده غرف الحرب الغربية و”الإسرائيلية”، عبر بث روح الهزيمة النفسية، وتحطيم المعنويات الشعبية، وتقديم الخصم على أنه قوة لا تُقهر، مقابل تصوير محور المقاومة وأي مشروع تحرري بوصفه عبثًا أو مغامرة خاسرة.
أولًا: ماهية الخطاب الدوني
الخطاب الدوني ليس مجرد رأي متشائم أو قراءة متحفظة للواقع، بل هو بنية فكرية ونفسية متكاملة تنشأ من حالة استبطان للهزيمة، حيث يتحول الإعجاب بقوة الآخر إلى خضوعٍ ذهني، ويتحول الخوف منه إلى قناعة راسخة بعدم إمكانية مواجهته.
هذا الخطاب ينطلق من فرضية غير معلنة مفادها: “نحن ضعفاء بطبيعتنا، وهم أقوياء بطبيعتهم”، ومن هنا يبدأ في إعادة تشكيل الوعي الجمعي على أساس هذه المعادلة المختلّة.

البعد النفسي للخطاب الدوني
في جوهره، يعكس هذا الخطاب ما يمكن تسميته بـ”الهزيمة الداخلية”، حيث لا يحتاج العدو إلى فرض سيطرته بالقوة، لأن بعض العقول تكفلت بالمهمة، إنه نوع من التكيّف السلبي مع التفوق المفترض للآخر، بحيث يصبح التفكير خارج إطار الاستسلام ضربًا من “اللاواقعية”.
فتسمع مثلًا:
-
هم يمتلكون التكنولوجيا، لا يمكن مجاراتهم.
-
أي مواجهة ستؤدي إلى دمار شامل، إذن الأفضل الاستسلام.
-
العالم كله معهم، فمن نحن حتى نعارض؟
وهنا يتم تضخيم عناصر القوة لدى الخصم إلى حد الأسطرة، مقابل تجاهل أو تسفيه أي عناصر قوة لدى الذات، حتى لو كانت حقيقية.

البعد اللغوي والتعبيري
الخطاب الدوني يُبنى بعناية عبر مفردات محددة تحمل دلالات نفسية عميقة، منها:
-
استخدام عبارات الحتمية: “لا يمكن”، “مستحيل”، “محسوم سلفًا” لقتل أي أمل أو احتمال للمقاومة.
-
استخدام التهويل: “سيدمرون كل شيء”، “لا يبقون ولا يذرون” لزرع الخوف والشلل النفسي.
-
استخدام السخرية من الذات: “نحن لا نعرف إلا الشعارات”، “نعيش على الأوهام” لتقويض الثقة بالهوية والقدرة.
مقابل ذلك، تُستخدم مفردات تمجيد للخصم: “قوة لا تُقهر”، “تفوق مطلق”، “عقلية متقدمة” لترسيخ صورة ذهنية مهيمنة.
الشواهد العملية في الخطاب اليومي
يمكن رصد هذا الخطاب بوضوح في منشورات وتعليقات وتحليلات متكررة، مثل:
-
عند أي تصعيد عسكري: انتهى الأمر، هذه المرة الضربة قاصمة ولا مجال للرد.
-
عند الحديث عن المقاومة: هذه مجرد ميليشيات إعلامية، لا قيمة حقيقية لها.
-
عند ذكر خسائر العدو: هذه أخبار مبالغ فيها، الإعلام يضخمها لأغراض دعائية.
-
وعند ذكر خسائر الطرف الآخر: هذا دليل على فشلهم الكامل وانهيارهم الوشيك.
نلاحظ هنا ازدواجية واضحة: يتم التشكيك بأي إنجاز للذات، وتضخيم أي إنجاز للخصم، في عملية نفسية ممنهجة لإعادة تشكيل الإدراك.
آلية خلط الحقيقة بالتضليل
من أخطر أدوات الخطاب الدوني أنه لا يقوم على الكذب الصريح دائمًا، بل يعتمد على نصف الحقيقة: ينشر معلومة صحيحة (مثل تفوق تقني معين)، ثم يبني عليها استنتاجًا خاطئًا (استحالة المواجهة مطلقًا).
مثال: “صحيح أن لديهم تفوقًا جويًا كبيرًا… إذن أي مقاومة هي انتحار!”.
بينما الحقيقة أن التفوق في مجال لا يعني الحسم المطلق في كل المجالات، لكن الخطاب الدوني يتعمد القفز إلى النتيجة النهائية: الاستسلام.
تحويل الاستسلام إلى “حكمة“
أخطر ما يفعله هذا الخطاب هو إعادة تعريف القيم:
-
الاستسلام الى حكمة.
-
الخوف الى وعي.
-
السكوت عن الظلم حياد.
-
رفض المقاومة نضج سياسي.
وبذلك لا يعود الانكسار عيبًا، بل يصبح موقفًا “محترمًا” بل و “مثاليًا“، بينما يُصوَّر الصمود على أنه تهور، والمقاومة على أنها عبث.
الخطاب الدوني ليس مجرد كلمات… إنه عملية إعادة برمجة للعقل الجمعي، هدفها النهائي أن تصل الأمة إلى قناعة خطيرة: “لسنا مؤهلين للنهوض… ولسنا قادرين على المواجهة… وأفضل ما يمكن فعله هو التكيف مع الهيمنة”. وحين تصل أمة إلى هذه القناعة، فإنها تكون قد خسرت المعركة قبل أن تبدأ.
ثانياً: كيف يُسوَّق هذا الخطاب للجمهور؟
لا يُقدَّم الخطاب الانهزامي غالبًا بصورة مباشرة وفجّة، بل يُغلَّف بأساليب ذكية هدفها خداع المتلقي واستغفال وعيه، ومن أبرز هذه الأساليب:
-
الترويج تحت شعار “الحياد“
حيث يُطرح الخطاب المساند للغرب والصهاينة تحت غطاء “الحياد” أو “العقلانية”، فيُقال للناس:
“نحن لا ندعم أحدًا، فقط نريد أن نكون واقعيين.”
بينما الحقيقة أن هذا “الحياد” يكون غالبًا انتقائيًا؛ إذ يلتزم الصمت تجاه جرائم الاحتلال، لكنه يهاجم أي ردّ عليه.
-
خلط الحقيقة بالباطل
يعتمد بعضهم على نشر عدد من الوقائع الصحيحة أو المعلومات الدقيقة لكسب ثقة الجمهور، ثم يُمرر وسطها روايات مضللة وتحليلات منحازة، فيظن القارئ أن كل ما يُقدَّم له موثوق، بينما هو في الحقيقة مزيج مدروس من الصدق والتضليل.
-
استغلال لغة التحليل والخبرة
بعض هؤلاء يتحدث بلغة “الخبير العسكري” أو “المحلل الاستراتيجي”، فيمنح نفسه هالة معرفية تجعله أكثر تأثيرًا، رغم أن كثيرًا من تحليلاته ليست سوى إعادة صياغة لما تنشره وسائل الإعلام الغربية.
ثالثًا: من النقد إلى التواطؤ
المشكلة لا تقف عند حدود الترويج النفسي للهزيمة، بل تجاوزها بعضهم إلى مستوى أخطر من التماهي مع العدو، حين صاروا يقدمون علنًا اقتراحات وتوجيهات تشبه الإرشاد العملياتي، عبر منشورات أو مقاطع تتحدث عن:
-
ضرورة ضرب البنى التحتية الإيرانية.
-
كيفية استهداف مواقع المقاومة.
-
أهمية اغتيال قيادات معينة.
-
تبرير عمليات القصف والعدوان بوصفها “ضرورات استراتيجية”.
وهنا لا يعود الأمر مجرد “رأي سياسي”، بل يتحول إلى خطاب اصطفاف فعلي مع العدو، وتبنٍّ غير مباشر لأهدافه العسكرية والنفسية.

رابعًا: المال السياسي وصناعة الأصوات المأجورة
ليس سرًا أن جزءًا من هذا الخطاب يرتبط بشبكات تمويل وتوجيه إعلامي، حيث تدفع بعض الجهات الإقليمية والدولية الأموال بسخاء من أجل:
-
شراء الذمم الإعلامية.
-
صناعة مؤثرين يوجهون الرأي العام.
-
خلق موجات إلكترونية منظمة.
-
ترويج خطاب التطبيع والاستسلام.
وهذا ما يفسر التشابه اللافت بين ما يقوله بعض المؤثرين العراقيين وبين ما تنشره منصات غربية وخليجية في التوقيت والمضمون وحتى المصطلحات.
خامسًا: خطورة هذا الخطاب على المجتمع
تكمن خطورة الخطاب الدوني في أنه لا يهاجم طرفًا سياسيًا بعينه، بل يضرب البنية النفسية والمعنوية للأمة من الداخل، لأنه:
-
يُفقد الشعوب ثقتها بنفسها.
-
يزرع الإحباط واليأس بين الشباب.
-
يشيطن فكرة المقاومة والكرامة.
-
يطبع مع فكرة الهيمنة الأجنبية.
-
يجعل التبعية تبدو خيارًا عقلانيًا.
إن الاحتلال العسكري قد يُهزم بالسلاح، لكن الاحتلال الفكري أخطر، لأنه يجعل المهزوم يدافع عن جلاده، ويبرر له، ويهاجم أبناء جلدته بالنيابة عنه.
الخاتمة
إن أخطر ما تواجهه الشعوب اليوم ليس فقط القصف والطائرات والصواريخ، بل الحرب النفسية الناعمة التي تستهدف وعيها من الداخل عبر أبواق تتحدث بلغتها وتحمل أسماء أبنائها، لكنها تزرع في عقولها مفاهيم الهزيمة والانكسار.
وما لم يُدرك المجتمع أن كثيرًا من هذا الخطاب ليس رأيًا بريئًا بل جزء من معركة الوعي والإرادة، فإن الهزيمة ستبدأ من الداخل قبل أن تقع في الميدان.
فالأمم لا تُهزم حين تُقصف فقط، بل تُهزم حين تقتنع أنها لا تستطيع الانتصار.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى