الجذور العميقة للسيكوباثية والعدوان العنيف

 من خلل دائرة المكافأة إلى العنف المحمي - قراءة في فضيحة وثائق جيفري إبستين

بقلم: د. حسن هاشم حمود

باحث في مركز الفيض العلمي لإستطلاع الر أي والدراسات المجتمعية

 

المقدمة

تعد الجرائم النخبوية والانتهاكات الجنسية المنظمة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في العصر الحديث، لأنها تكشف عن التفاعل المعقد بين الشخصية الإجرامية، الدماغ البشري، والسلطة الاجتماعية والسياسية. يركز هذا المقال على دراسة حالة لفضيحة جيفري إبستين، الذي يُعد نموذجًا للسيكوباثية عالية الأداء في سياق النخبة الاقتصادية والاجتماعية، فالإبستينية ليست مجرد جرائم فردية، بل مثال حي على كيفية تحول الانحراف النفسي، المدعوم بخلل عصبي في نظام المكافأة، إلى سلوك ممنهج مستدام يمتد عبر عقود، مستفيدًا من النفوذ المالي، والحصانة القانونية، والصمت المؤسسي.

تعتمد هذه الدراسة على إطار النيوروكرمينولوجيا العصبية، الذي يربط بين الوظائف الدماغية والسلوك الإجرامي، مع دمج التحليل النفسي والاجتماعي للنيكروفيلية الثقافية والسياسية، بما في ذلك القدرة على استغلال الأجساد والسلطة كأدوات للسيطرة والإشباع الشخصي، كما يناقش المقال دور النظام القانوني، والفجوات في العدالة، التي تسمح بتمدد الجرائم النخبوية، مع التركيز على اتفاقية عدم الملاحقة القضائية لعام 2008، والتي مثلت نموذجًا فاضحًا للفشل المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة للنخبة.

 

تهدف هذه المقدمة إلى تسليط الضوء على ثلاثة محاور رئيسية:

 

  1. الأسس العصبية للسيكوباثية الإجرامية، وكيف يتحول السعي القهري نحو المكافأة إلى سلوك عدواني ومنهجي.

  2. التفاعل بين النفس والسلطة والنفوذ الاجتماعي، وما يترتب على ذلك من حماية غير عادلة للمجرمين النخبوين.

  3. البعد الثقافي والسياسي للنيكروفيلية، ودورها في تحويل الانتهاكات إلى ممارسة رمزية تُعيد إنتاج الشر المنهجي.

 

من خلال هذا التحليل، يقدم المقال رؤية شاملة حول كيفية تلاقي الاعتلال النفسي والسلطة الاجتماعية مع بنى الحماية القانونية لتشكيل شبكة مستدامة من الانتهاك والسيطرة.

 

أولًا: السيكوباثية كإضطراب في دائرة المكافأة

يشتق مصطلح السيكوباثية من كلمتين Psycho ومعناها نفسي و Path معناها مرض او انحراف او طريق ويحمل مصطلح السيكوباثية معنى انحراف الفرد النفسي في سلوكه بعيدًا عن الطريق السوي وتطلق السيكوباثية على السلوك الذي يعد مضاد للمجتمع وخارجًا عن قيمه ومعاييره وقواعده فهي بذلك تشمل انحراف السلوك والاخلاق وتبني سلوكات تحمل ميول معادية للمجتمع تتصف بالاندفاعية وعدم الاستقرار الانفعالي وتتصف بالميول الاجرامية والعدوانية، وبنزعات الانتقام، وبضعف الضمير الاخلاقي وعدم الشعور بالذنب.

 

وتشير الدراسات العصبية الحديثة إلى أن هذه الصفات لا تعود فقط لأسباب نفسية أو اجتماعية، بل ترتبط بخلل في نظام المكافأة في الدماغ، وهو النظام المسؤول عن الشعور بالمتعة والدافع، ويعتمد على مادة كيميائية تُسمّى الدوبامين، وهو المادة التي تجعل الإنسان يشعر بالسعادة والنشوة، وعندما يفرزه الدماغ، يشعر الفرد بالمتعة، مما يدفعه إلى تكرار السلوك نفسه، لكن لدى الأشخاص السيكوباثيين، لاسيما أولئك الذين يمتلكون السلطة أو النفوذ أو المال، ويعتقدون أنهم فوق القانون أو يقدّمون أنفسهم على أنهم حُماته، تصبح المتع التي اعتادوا عليها غير كافية مع مرور الوقت، بسبب الملل أو الشعور بالإشباع الزائد.

وبذلك يصبح لديهم السلوك الاندفاعي- بما فيه العدوان والعنف- خيارًا عقلانيًا من منظور الدماغ، طالما أنه يَعِد بمكافأة فورية أو شعور بالسيطرة، العنف هنا لا يُمارس بدافع الغضب، بل كاستجابة بيولوجية للمكافأة.

ومع استمرار هذا المسار، يحتاج الشخص إلى تصعيد أفعاله بشكل أكبر ليصل إلى الشعور نفسه، ولهذا تُظهر الدراسات أن السيكوباثيين يسجلون نشاطًا أعلى من الطبيعي في منطقة دماغية تُسمّى النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) عند توقع المكافأة، وهي المسؤولة عن الإحساس بالدافع والمتعة.

 

ويؤدي هذا النشاط الزائد إلى:

  • المبالغة في تقدير قيمة المكافأة المتوقعة.

  • ضعف التأثر بالعقاب أو الخوف من العواقب.

  • تراجع القدرة على ضبط النفس والتحكم في السلوك.

وبذلك يمكن قراءة الجرائم المرتكبة في وثائق جيفري ابيتسن بوصفها نموذجًا لسلوك يتغذّى على دائرة مكافأة مختلّة، حيث لم تعد المتع التقليدية كافية، فتم الانتقال إلى أشكال أكثر تطرفًا وانتهاكًا، عند هذه المرحلة، يبدأون بالبحث عن سلوكات أخطر وأكثر تطرفًا للحصول على الإحساس نفسه بالمتعة، حتى وإن كانت هذه السلوكات جرائم خطيرة أو أفعالًا بشعة تخالف القوانين والأعراف الإنسانية.

 

 

ثانيًا: النيوروكرمينولوجيا، القانون، والنزعة النيكروفيلية في العصر الحديث

تطرح النيوروكرمينولوجيا إمكانات تكاملية مع القانون في ثلاثة مجالات أساسية:

  1. العقاب: إعادة تعريف المسؤولية الجنائية بناءً على الأسس العصبية للسلوك، مع الحفاظ على مسؤولية الفرد، مع التركيز على الإصلاح بدلاً من الانتقام.

  2. التنبؤ: تحديد العوامل العصبية والسلوكية المسببة للسلوك الإجرامي قبل وقوعه، بهدف الوقاية من الجرائم.

  3. الوقاية: تصميم تدخلات لتعديل الناقلات العصبية وتنظيم السلوكات العدوانية، كما في تجربة كيرن بيدي في سجن تيهار، حيث ساعدت ممارسة التأمل واليوغا على خفض العدوان وتحسين توازن السيروتونين والدوبامين لدى السجناء.

 

النيكروفيلية الثقافية والسياسية

في إطار التحليل النفسي والاجتماعي، تعرف النيكروفيلية بأنها حب الجثث أو الانجذاب الجنسي إليها، ومع ذلك، يرى إريك فروم أن النيكروفيلية تشمل حب كل ما هو ميت أو خامد، وتعني كذلك الانجذاب العاطفي لكل ما هو ميت ومتفسخ وسقيم إنها الشغف بتحويل ما هو حي إلى شيء غير حي وبالتدمير من اجل التدمير فهي الشغف بتفكيك كل البنى الحية بما في ذلك القيم والبنى الاجتماعية، والممارسات الثقافية التي تسيطر على الأفراد، في هذا السياق، يُنظر إلى النيكروفيلية كميل نفسي وثقافي يعكس استحواذ الفرد على حياة الآخرين أو الرموز المرتبطة بهم، سواء كان ذلك على المستوى الشخصي أو الجماعي.

لذا تعد وثائق جيفري إبستين مثالًا حديثًا ومروعًا لهذه الظاهرة، تكشف هذه الوثائق كيف أن السلطة، المال، والجسد استُخدموا كأدوات لإشباع رغبات شخصية استعراضية، مع تجاهل كامل للآخرين وحقوقهم الإنسانية. يظهر في هذه الوثائق تمظهر النيكروفيلية الاجتماعية والثقافية، إذ تتحول العلاقات الإنسانية إلى ساحة لإشباع شهوات مميتة، وتعكس استحواذًا رمزيًا على أجساد الآخرين، بما يشبه التحكم بالموت والفناء الرمزي للضحايا.

وفقًا لهذا التحليل، تصبح هذه الميول جزءًا من البنية النفسية للفرد، لكنها أيضًا تُسرب إلى البنية الاجتماعية والثقافية، مؤدية إلى أنماط من السلطة والسيطرة التي تستند إلى الخوف، الاستغلال، والانحراف الأخلاقي، كما تشير ليزا داونينغ في دراستها للأدب الفرنسي إلى أن النيكروفيلية تنطوي على تواطؤ تخييلي بين الحياة والموت، إذ تتحول الرغبة إلى جسور بين الذات والموضوع غير القابل للتحقق، وهو ما يتجلى بوضوح في الوثائق المتعلقة بالتحرش والاستغلال الجنسي للنخبة.

يمكن القول إن هذه الظواهر تكشف عن أبعاد جديدة للشر النفسي والثقافي في العصر الحديث، حيث تتحول السلطة والمال والجسد إلى أدوات لتحقيق رغبات نيكروفيلية ضمنية، تتجاوز مجرد السيطرة المادية لتشمل التحكم بالآخرين على المستوى الرمزي والنفسي، فضلا عن إن دراسة هذه الوثائق تعزز فهم النيوروكرمينولوجيا الحديثة ليس فقط كأداة لتحليل الجرائم، بل أيضًا كوسيلة لفهم التفاعل بين السلطة، النفس البشرية، والبنى الاجتماعية التي تسمح بتمدد هذه الميول.

 

 

ثالثًا: السيكوباثية والنخب: من الخلل العصبي إلى السلطة المستدامة- نموذج جيفري إبستين

تُظهر هذه القضية أن الأنظمة والمؤسسات التي أُنشئت لحماية الأفراد يمكن التلاعب بها وتحويلها إلى أدوات لتمكين الاستغلال، عندما يمتلك الجناة موارد مالية كبيرة وذكاءً استراتيجيًا عاليًا، فالجريمة، في هذه الحالات، لا تأخذ شكل أفعال اندفاعية واضحة يسهل كشفها، بل تظهر بوصفها نشاطًا منظمًا يعمل داخل النظام نفسه.

وتحذّر هذه الحالة من الاعتقاد الشائع بأن الاعتلالات الشخصية تتجلى دائمًا في سلوك إجرامي فَظّ أو غير منضبط. فعندما تجتمع السيكوباتية الشديدة مع سمات نرجسية وميكافيلية، وتُدعَم بالثروة والنفوذ الاجتماعي، يمكن أن تنتج عنها أنماط إجرامية معقّدة ومنهجية تستمر لعقود طويلة دون مساءلة، كما أن غياب مؤشرات اضطراب السلوك المبكرة، والحفاظ على علاقات نخبوية، وبناء صورة اجتماعية قائمة على العمل الخيري والإحسان، يجعل المؤشرات التقليدية المستخدمة للتعرّف على الجناة الخطرين غير فعّالة في حالة ما يُعرف بـ” السيكوباثي الناجح”.

وعلى مستوى أعمق، تكشف هذه القضية خللًا بنيويًا في أنظمة العدالة التي لا تراعي عدم تكافؤ الموارد بين المتهمين، فحين تختلف فرص الوصول إلى التمثيل القانوني والنفوذ السياسي باختلاف الثروة والمكانة الاجتماعية، تُعاد إنتاج اللامساواة، وتُمنَح الجريمة النخبوية بيئة مناسبة للاستمرار، وتمثّل اتفاقية عدم الملاحقة القضائية التي أُبرمت عام 2008 والتي تمثل صفقة قانونية أُبرمت بين جيفري إبستين والادعاء العام في ولاية فلوريدا، وتُعدّ من أكثر الاتفاقيات إثارة للجدل في تاريخ العدالة الجنائية الأمريكية. وهي اتفاق يُعرف قانونيًا باسم Non-Prosecution Agreement (NPA)، وبموجبه وافق الادعاء على عدم توجيه اتهامات جنائية فدرالية لإبستين، مقابل اعترافه بجرائم أخف على مستوى الولاية.

وهذا يعد مثالًا واضحًا على هذا الخلل، إذ سمحت- نتيجة تمثيل قانوني نخبوي وتراخٍ مؤسسي- باستمرار الاستغلال لسنوات لاحقة، ومن دون إصلاحات تضمن تطبيق القانون بصورة متكافئة، تبقى احتمالات تكرار مثل هذه الإخفاقات قائمة.

كما تُعد قضية جيفري إدوارد إبستين من أكثر القضايا الجنائية تعقيدًا في العصر الحديث، فإلى جانب إدانته بجرائم اعتداء جنسي، كان إبستين فاعلًا ماليًا تحرّك داخل أعلى دوائر النخبة العالمية، ما أثار تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين الشخصية الإجرامية، والسلطة، والإخفاقات المؤسسية، ويعتمد هذا التحليل على مصادر متعددة، تشمل السيرة الذاتية المتاحة، وشهادات الضحايا، وسجلات المحاكم، والنظريات النفسية، بهدف فهم أنماط سلوكه الإجرامي والآليات التي سمحت باستمراره.

ومن الجدير بالذكر يكشف مسار حياة إبستين عن تداخل واضح بين الاعتلال النفسي عالي الأداء، والثروة الهائلة، والتواطؤ المؤسسي، فمن صعوده الاجتماعي والمالي إلى تشغيله شبكة منظمة للاستغلال الجنسي، تتكرر أنماط التلاعب، وتجاوز الحدود، واستغلال الآخرين، ولا يمكن فهم هذه الأنماط إلا من خلال مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين علم النفس، ودراسة اضطرابات الشخصية، والتحليل الاجتماعي لشبكات القوة والنفوذ.

وقد كشفت قضية إبستين عن فئة مختلفة من الجناة الجنسيين، وهي فئة الجناة النخبويين أو مرتكبي الجرائم ذات الياقات البيضاء ذات الطابع الجنسي (white-collar sexual offenders). فهؤلاء لا يعملون خارج النظام، بل داخله، مستفيدين من شرعية اجتماعية، ودفاع قانوني متقدم، وقدرة عالية على التكيف مع المؤسسات المعقّدة. وهو ما يفسّر صعوبة اكتشاف جرائمهم واستمرارها لفترات طويلة.

واما من الناحية العصبية، لا يقتصر الاعتلال النفسي على انعدام التعاطف، بل يرتبط بخلل في أنظمة عصبية–كيميائية محددة، مثل اضطراب توازن الدوبامين والسيروتونين، ما يزيد السعي نحو المكافأة ويضعف الاستجابة للعقاب، إضافة إلى ضعف في القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن ضبط السلوك واتخاذ القرارات الأخلاقية، كما تشير بعض الدراسات إلى ارتباط هذه السمات بأنماط جينية تزيد الاندفاعية والسلوكات الاستغلالية.

غير أن الفرق الجوهري بين السيكوباثي التقليدي والسيكوباثي النخبوي لا يكمن في السمات النفسية وحدها، بل في السياق الاجتماعي والسياسي، فالأول غالبًا ما يُكشف أمره سريعًا بسبب محدودية موارده، بينما يتمكن الثاني- كما في حالة إبستين- من تحويل ميوله العدوانية إلى سلوك منظم، محمي بالمال والنفوذ. وهكذا يصبح العنف أداة للسيطرة، لا مجرد فعل اندفاعي.

كما تُظهر هذه الحالة أن الاعتلال النفسي عالي الأداء، حين يقترن بالسلطة والنفوذ، يمكن أن يتحول من انحراف فردي إلى قوة مؤسسية مستدامة، فالانتهاك لا يُمارَس بشكل فردي معزول، بل يُعاد إنتاجه عبر شبكات الحماية، والنفوذ المالي، والصمت المؤسسي، ومن هنا تبرز أهمية دراسة السيكوباثية النخبوية لفهم أشكال الشر المنهجي التي قد تتخفّى خلف واجهات الشرعية والقوة في المجتمعات الحديثة.

 

رابعًا: فضيحة جيفري إبستين- الاعتلال النفسي عالي الأداء

تمثل قضية إبستين نموذجًا لما يُعرف بـالاعتلال النفسي عالي الأداء (High-functioning Psychopathy)، حيث لم يكن السلوك عشوائيًا أو اندفاعيًا، بل اتسم بسمات مركزية:

 

  • سعي دائم لإشباع مكافآت قصوى ومتجددة.

  • تحويل البشر إلى أدوات للتحكم والمتعة.

  • غياب شبه تام للشعور بالذنب.

  • براعة في التلاعب الاجتماعي.

  • استغلال شبكات النفوذ للحماية من المساءلة.

هنا يتلاقى الخلل العصبي مع البنية النخبوية: الدوبامين يدفع، والسلطة تحمي، العنف، بما فيه العنف الجنسي، لا يُمارس بدافع الغضب، بل بدافع اللذة والسيطرة، ويُختبر الهيمنة والإخضاع كخبرة مكافئة عصبيًا، مما يعزز السلوك ويجعله مستدامًا.

 

خامسًا: الشر المنهجي والنخبوية

فضيحة إبستين تكشف الشر المنهجي: ليس مجرد فعل خاطئ فردي، بل شبكة مترابطة من النفوذ، الحماية، والاستغلال المنظم. الشر هنا:

  1. مستدام: مدعوم بهياكل السلطة والحصانة.

  2. منتشر: يتجاوز الفرد ليؤثر على شبكات واسعة تشمل المؤسسات والنخب.

  3. منظم: يخضع لقواعد وتخطيط بارد وتكرار منهجي.

  4. استغلالي: الأفراد يستخدمون كأدوات لتحقيق أهداف النظام، لا كذوات مستقلة.

هكذا، يتحول الانحراف العصبي والاجتماعي إلى أداة هيمنة ممنهجة، معتمدة على القوة البيولوجية للدماغ والسياق الاجتماعي والسياسي.

وبهذا تعد فضيحة إبستين، بهذا المعنى، ليست مجرد فضيحة جنسية أو مالية، بل درس فلسفي في طبيعة الشر المنهجي: كيف يمكن للنخبة تحويل الانحراف البيولوجي والاجتماعي إلى أداة سياسية واقتصادية، وكيف يمكن للشبكات الاجتماعية، حين تتشابك مع النفوذ، أن تعيد تعريف ما هو “أخلاقي” و”مقبول”. ومواجهة هذا الشر تبدأ بفهم أنه لا يكمن في الفرد وحده، بل في البيئة التي تحتضنه، في القيم التي يزعم حمايتها، وفي الشبكات التي تمنحه حصانة مطلقة.

 

الخاتمة

توضح دراسة حالة جيفري إبستين أن الجرائم النخبوية والانتهاكات الجنسية المنظمة لا يمكن فهمها من خلال النماذج التقليدية للانحراف الفردي وحده، بل يجب إدراكها كناتج لتفاعل معقد بين الخلل العصبي في الدماغ، السمات السيكوباتية عالية الأداء، والثروة والنفوذ الاجتماعي، فالسيكوباثية لدى النخبة ليست مجرد افتقار للتعاطف أو اندفاع عدواني، بل سلوك مخطط يهدف إلى الحصول على مكافآت فورية وشعور بالسيطرة، مع استغلال هياكل الحماية الاجتماعية والمؤسساتية لتجنب المساءلة.

كما تكشف هذه الحالة عن دور النيوروكرمينولوجيا في فهم الجرائم الحديثة، من خلال ربط وظائف الدماغ والسلوك الإجرامي، وكذلك تحليل الأبعاد الثقافية والسياسية للنيكروفيلية، التي تتحول إلى ممارسة منهجية للسيطرة والهيمنة على الآخرين، ليس فقط على المستوى الجسدي، بل أيضًا على المستوى الرمزي والنفسي. ومن جهة أخرى، تُبرز فضيحة إبستين الفجوات البنيوية في أنظمة العدالة، حيث يؤدي عدم تكافؤ الموارد ووجود الحصانة القانونية إلى استمرار الاستغلال وإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية.

ختامًا، يشير هذا التحليل إلى أن مواجهة الجرائم النخبوية والمنهجية تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين علم النفس العصبي، التحليل الاجتماعي، والإصلاح القانوني، مع التركيز على منع الاستغلال المستدام وفهم الشر ليس فقط كمسألة فردية، بل كنتاج لتشابك بين الشخصية، السلطة، والبنى الاجتماعية والثقافية التي توفر له الحماية.

 

المصادر
  1. الخالدي، امل ابراهيم حسون، التنمر الوظيفي وعلاقته بالشخصية السايكوباثية لدى موظفي الدولة، مجلة كلية التربية، الجامعة المستنصرية، العدد4، 2021.
  2. فروم، اريك، تشريح التدميرية البشرية، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الجزء الاول، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2006.
  3. Laszlo Pokorny, Ed.D ,. The Dark Triad in Action: A Posthumous Psychopathic Assessment of Jeffrey Epstein and Implications for Forensic Practice , New Jersey, USA 2025.
  4. Tamara Tatjana Waraschinski , Submitted in fulfilment of the requirements for the degree of Doctor of Philosophy Department of English and Creative Writing School of Humanities Faculty of Arts University of Adelaide November 2017
  5. Caroline Isabelle Jalain , THE IMPACT OF SEROTONIN AND DOPAMINE ON HUMAN AGGRESSION:A SYSTEMATIC REVIEW OF THE LITERATURE, The University of Southern Mississippi, A Thesis Submitted to the Graduate School of The University of Southern Mississippi in Partial Fulfillment of the equirements for the Degree of Master of Arts2014,
  6. Aaishani Mukhopadhyay, The dark side of the happy hormones- a study of neurotransmitters and their role in crime , International Journal of Research in Engineering and Science (IJRES) ISSN (Online): 2320-9364, ISSN (Print): 2320-9356  ijres.org Volume 10 Issue 5,2022

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى