بقلم: الباحثة رنا عبدالله العزاوي
وزارة التربية/ الرصافة الثانية
يُعد الاهتمام بالمظهر الخارجي أحد السلوكات الإنسانية الفطرية المرتبطة بحب الجمال والسعي إلى الظهور بصورة لائقة تعكس احترام الإنسان لذاته ومكانته الاجتماعية، ولم يكن الجمال عبر التاريخ نزعة سطحية أو ترفاً شكلياً، بل ارتبط بالصحة والنظافة والعناية بالجسد والانسجام مع الذوق العام للمجتمع، وقد عرف الإنسان منذ العصور القديمة أساليب متعددة للتزين والعناية بالبشرة والشعر والملبس باستخدام المواد الطبيعية، بوصف ذلك جزءاً من ثقافة الحياة اليومية ومظهراً من مظاهر التحضر الإنساني.
ويُقصد بالتجميل مجموعة الإجراءات والممارسات التي تهدف إلى تحسين الهيئة الخارجية وإبراز الملامح بصورة أكثر تناسقاً وجاذبية، سواء عبر العناية الشخصية البسيطة، أو استخدام مستحضرات التجميل، أو اللجوء إلى التدخلات الطبية والجراحية. وفي إطاره الطبيعي، يمثل التجميل ممارسة صحية ومقبولة تسهم في رفع المعنويات وتعزيز الثقة بالنفس، وهو ما يتسق مع ما أشار إليه ماسلو ضمن حاجات تقدير الذات والشعور بالكفاءة بوصفها من الحاجات النفسية الأساسية للإنسان.
غير أن التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر أدت إلى تغير نوعي في مفهوم الجمال وحدوده، إذ لم يعد الاهتمام بالمظهر خياراً شخصياً معتدلاً، بل أصبح لدى بعض الأفراد هاجساً دائماً وضغطاً نفسياً مستمراً يدفعهم إلى السعي القهري لتغيير شكلهم الخارجي، حتى في غياب الحاجة الطبية أو الوظيفية، وهنا يتحول التجميل من سلوك طبيعي إلى نمط مرضي يُعرف بـ هوس التجميل.
مفهوم هوس التجميل
يشير هوس التجميل إلى انشغال مفرط ودائم بالمظهر الخارجي، يترافق مع عدم رضا مستمر عن الشكل الجسدي، وتضخيم لعيوب بسيطة أو متخيلة، بما يدفع الفرد إلى تكرار الإجراءات التجميلية بصورة قهرية. ويرتبط هذا السلوك غالباً باضطرابات صورة الجسد، وضعف تقدير الذات، والقلق الاجتماعي، وقد يقترب في بعض حالاته من اضطراب تشوه صورة الجسد المعروف في الأدبيات النفسية.
ويمكن تفسير هذا النمط السلوكي في ضوء نظرية كارل روجرز حول مفهوم الذات، حيث يرى أن اتساع الفجوة بين “الذات الواقعية” و”الذات المثالية” يولد شعوراً دائماً بعدم الرضا والسعي المستمر لتعديل الذات، ويتجسد ذلك بوضوح لدى الأفراد الذين يطاردون صورة جسدية مثالية يصعب تحقيقها واقعياً.
كما يمكن فهم هذا السلوك من خلال نظرية المقارنة الاجتماعية لفستنجر، التي تفيد بأن الإنسان يقيم ذاته من خلال مقارنتها بالآخرين، ولا سيما في البيئات المشبعة بالصور المثالية للمشاهير والمؤثرين، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى ما يشبه الإدمان السلوكي، حيث يصبح الفرد أسيراً لفكرة الكمال الجسدي، ويعيش حالة دائمة من النقد الذاتي والمقارنة المستمرة.
العوامل المؤدية إلى هوس التجميل
أولاً: العوامل النفسية
تشمل ضعف الثقة بالنفس، وانخفاض تقدير الذات، واضطراب صورة الجسد، والقلق الاجتماعي، إضافة إلى الخبرات الطفولية السلبية كالتنمر أو الانتقاد المتكرر أو المقارنة القسرية، ويسعى الفرد في هذه الحالة إلى تعديل مظهره الخارجي بوصفه وسيلة تعويضية عن شعور داخلي بالنقص أو عدم القبول، وهو ما ينسجم مع طرح ألفرد أدلر حول الشعور بالنقص والتعويض المفرط.
ثانياً: تأثير المشاهير والمؤثرين
أدى انتشار ثقافة المشاهير إلى خلق نماذج جمالية مثالية يُنظر إليها بوصفها معياراً للنجاح والقبول الاجتماعي، فيبدأ الفرد بمقارنة نفسه بهذه النماذج، ويعتقد أن تقليدها سيمنحه المكانة الاجتماعية نفسها.
ثالثاً: دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي
أسهمت وسائل الإعلام الحديثة في ترسيخ صور نمطية للجمال تقوم على المثالية المبالغ فيها، حيث تُعرض الوجوه والأجساد بعد معالجتها رقمياً بالفلاتر والبرامج التقنية، ما يجعل الجمال المعروض غير واقعي، ومع ذلك يتعامل معه المتلقي بوصفه معياراً حقيقياً، مما يولد فجوة نفسية بين الواقع والمثال
رابعاً: العولمة والتغير الثقافي
أدت العولمة إلى توحيد معايير الجمال عالمياً وإضعاف الخصوصية الثقافية للمجتمعات، فأصبح الجسد يخضع لمقاييس عالمية جاهزة، بدلاً من أن يُنظر إليه ضمن سياقه الثقافي والاجتماعي المحلي.
خامساً: الثقافة الاستهلاكية
حولت صناعة التجميل الجسد إلى سلعة استهلاكية، حيث تُسوَّق المنتجات والإجراءات التجميلية بوصفها طريقاً سريعاً للسعادة والقبول، وهو ما يتفق مع رؤية بودريار الذي يرى أن المجتمع الاستهلاكي يخلق حاجات وهمية ويحوّل الجسد إلى موضوع للاستهلاك المستمر.
الآثار النفسية والاجتماعية لهوس التجميل
تكمن خطورة الظاهرة في فقدان التوازن بين الاعتناء بالجسد والانشغال المرضي به. ويمكن فهم هذه الآثار اجتماعياً في ضوء نظرية غوفمان في تقديم الذات، إذ يسعى الفرد إلى إدارة انطباعات الآخرين عنه كما لو كان على مسرح اجتماعي، ما يدفعه إلى المبالغة في ضبط مظهره حفاظاً على صورة مثالية.
-
الآثار النفسية: تتمثل في القلق المزمن، والاكتئاب، واضطراب صورة الجسد، والاعتماد المفرط على تقييم الآخرين، وتآكل الهوية الذاتية.
-
الآثار الصحية: تشمل مضاعفات العمليات الجراحية، والآثار الجانبية للمواد المحقونة أو التخدير، إضافة إلى التشوهات والندوب والإجهاد الجسدي المتكرر.
-
الآثار الاجتماعية: تتمثل في تحديد نوع العلاقات الاجتماعية (التقارب مع ذوي الاهتمام المتشابه فقط)، والانشغال المفرط بالشكل على حساب الأدوار الاجتماعية الأخرى، وتراجع القيم الداخلية لصالح المظهر الخارجي.
-
الآثار الاقتصادية: تظهر في الإنفاق المفرط على الإجراءات والمنتجات التجميلية، وتحميل الأسرة أعباء مالية غير ضرورية.
العلاقة بين هوس التجميل ونقص الثقة بالنفس
تعد الثقة بالنفس من ركائز الصحة النفسية، وكلما انخفض تقدير الذات، ازداد اعتماد الفرد على مصادر خارجية تمنحه الشعور بالقيمة. ويعتقد بعض الأفراد أن تحسين المظهر الخارجي سيؤدي إلى القبول الاجتماعي والحب والتقدير، غير أن هذا الحل يكون مؤقتاً، إذ يعود الشعور بالنقص سريعاً، فتتكرر دائرة التغيير القهري دون معالجة الجذر النفسي للمشكلة.
التجميل بين الاعتدال والهوس
يمثل التجميل المعتدل ممارسة صحية عندما ينبع من قناعة داخلية وهدف وظيفي أو صحي، في حين يتحول إلى عبء نفسي وجسدي عندما يكون مدفوعاً بالخوف من الرفض الاجتماعي أو السعي القهري نحو الكمال الجسدي. فالجمال لا يقتصر على السمات الخارجية، بل يشمل الشخصية والقيم والسلوك وطريقة التفكير، وهي عناصر أكثر ثباتاً وأعمق أثراً في صورة الإنسان لدى الآخرين.
الوقاية وتجنب الافراط
يمكن الحد من هوس التجميل عبر:
-
تنمية الوعي الذاتي وتقبل الذات.
-
تعزيز تقدير الذات بعيداً عن المظهر.
-
تقليل المقارنات الاجتماعية.
-
الاستخدام الواعي لوسائل التواصل الاجتماعي.
-
نشر ثقافة التنوع الجمالي.
-
التركيز على الصحة النفسية والجسدية.
-
تقديم الإرشاد النفسي المتخصص عند الحاجة.
-
دعم الأسرة والمدرسة في ترسيخ القيم الداخلية.
الاستنتاجات
-
يمثل التجميل في حدوده الطبيعية سلوكاً صحياً مرتبطاً بتقدير الذات، لكنه يتحول إلى مشكلة حين يصبح معياراً لتقييم القيمة الشخصية.
-
هوس التجميل ظاهرة متعددة الأبعاد تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وثقافية وإعلامية واقتصادية.
-
يعد انخفاض تقدير الذات واضطراب صورة الجسد من أقوى المتغيرات المتنبئة بالسلوك التجميلي القهري.
-
تضخم وسائل التواصل الاجتماعي والثقافة الاستهلاكية المعايير الجمالية غير الواقعية وتزيد من المقارنات الاجتماعية.
-
يبدأ العلاج الحقيقي من الداخل عبر بناء مفهوم إيجابي للذات، لا عبر التغييرات الشكلية المتكررة.
الخاتمة
يمكننا القول إن التجميل في ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون وسيلة مشروعة للاعتناء بالنفس وتحسين جودة الحياة، غير أن المشكلة تظهر عندما يتحول إلى هوس يسيطر على التفكير والسلوك ويجعل قيمة الإنسان مرهونة بمظهره الخارجي، ومن ثم فإن بناء إنسان متوازن نفسياً وواثق بذاته يمثل المدخل الحقيقي لمواجهة هذه الظاهرة، إذ إن الجمال الحقيقي ينبع من الداخل قبل الخارج، ومن الرضا عن الذات قبل السعي لإرضاء الآخرين.
المصادر
-
إبراهيم، عبد الستار. (2004). اضطرابات صورة الجسد: التشخيص والعلاج. القاهرة: عالم الكتب.
-
الزبيدي، محمد حسن، وعبد الرحمن، فاطمة محمد. (2015). الصحة النفسية واضطرابات السلوك المعاصر. عمّان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
-
أبو حطب، فؤاد، وصادق، آمَال أحمد. (2010). علم النفس الاجتماعي (ط3). القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
-
الشناوي، محمد محمد، والطعيمي، أحمد عبد الرحمن. (2013). مفهوم الذات وتقديرها في علم النفس. القاهرة: دار الفكر العربي.
-
Rosenberg, Morris. (1996). Society and the adolescent self-image. Princeton, NJ: Princeton University Press.
-
Festinger, Leon. (1985). A theory of social comparison processes. Human Relations, 7(2), 117–140.
-
Cash, Thomas Franklin, & Pruzinsky, Thomas. (2002). Body image: A handbook of theory, research, and clinical practice. New York: Guilford Press.
-
American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). Washington, DC: Author.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى