نحو نمط إشرافي تربوي معتدل.. مقاربة تكاملية بين الإشراف التقليدي ونموذج الصديق الناقد

بقلم: الباحث علي ثويني حسون

وزارة التربية/ الرصافة الثانية

 

يمثل الإشراف التربوي أحد المكونات الجوهرية في بنية النظام التعليمي، بوصفه الأداة الرئيسة التي تُترجم الأهداف التربوية العامة إلى ممارسات تعليمية داخل الصف والمدرسة. وتتجلى أهميته في دوره المحوري في تحسين أداء المعلم، وتطوير كفاءة الإدارة المدرسية، والارتقاء بجودة عمليتي التعليم والتعلّم، بما ينسجم مع متطلبات التنمية البشرية وبناء رأس المال المعرفي للمجتمع. وقد مر مفهوم الإشراف التربوي بتحولات تدريجية عكست تطور الفلسفة التربوية ذاتها، إذ انتقل من نموذج التفتيش القائم على الرقابة والمحاسبة إلى نموذج الإشراف الحديث القائم على الشراكة المهنية، والحوار التربوي، والدعم الفني المستمر.

غير أن هذا الانتقال لم يكن خطيًّا ولا مكتمل النضج في جميع البيئات التعليمية، إذ أفرز في بعض مراحله ممارسات اتسمت بالإفراط في الضبط على حساب البعد الإنساني، أو بالتفريط في متطلبات الانضباط لصالح المجاملة المهنية، الأمر الذي انعكس سلبًا على فاعلية الدور الإشرافي وعلى جودة العملية التعليمية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء التصور النظري والعملي للإشراف التربوي على أسس تكاملية، توازن بين مقتضيات التنظيم الإداري ومتطلبات النمو المهني للمعلم، وبين المساءلة التربوية والدعم الإنساني، بما يؤدي إلى بلورة نمط إشرافي معتدل قادر على خدمة التربية والتعليم معًا، والاستجابة لتحديات المدرسة المعاصرة في سياقها الاجتماعي والثقافي.

 

أولاً: تطور الإشراف التربوي بين الضبط والدعم

تعود جذور الإشراف التربوي في العراق إلى بدايات القرن العشرين، حين عُرف التفتيش التربوي بوصفه عملاً قائمًا بذاته منذ عام (1913)، في سياقٍ كانت فيه الدولة تسعى إلى ضبط النظام المدرسي الناشئ وتوحيد إجراءاته التعليمية والإدارية. وقد تطورت البنية التنظيمية لهذا النظام بإنشاء دائرة التفتيش، التي ارتبط بها المفتشون فنيًا بالمركز في بغداد، بينما ارتبطوا إداريًا وماليًا بمديري المعارف في المناطق، الأمر الذي يعكس مركزية القرار التربوي آنذاك، وحرص السلطة التعليمية على توحيد المعايير وضمان الالتزام بها في مختلف المؤسسات التعليمية.

وقد مثّل صدور قانون وزارة التربية رقم (71) لسنة (1972) محطة تشريعية فارقة في تاريخ الإشراف التربوي، إذ أسهم في إعادة تنظيم هذا الجهاز، وتحديد مهامه وصلاحياته، ومنحه إطارًا قانونيًا أكثر وضوحًا، بما ينسجم مع متطلبات التوسع الكمي والنوعي في التعليم. ولم يكن هذا التطور مجرد تعديل إداري في التسمية أو الهيكل، بل جاء متوازيًا مع تحولات أعمق في الرؤية التربوية التي بدأت تنتقل تدريجيًا من التركيز على الضبط والامتثال إلى الاهتمام بالكفاءة المهنية وجودة الأداء.

وقد مر الإشراف التربوي بعدة مسميات، تمثلت في: التفتيش، ثم التوجيه والإرشاد، ثم الإشراف التربوي، وهو انتقال دلالي يعكس تحولًا في الفلسفة التربوية ذاتها، فبينما كان التفتيش يقوم على الرقابة والمحاسبة وتتبّع الأخطاء، جاء التوجيه والإرشاد ليؤكد دور الإرشاد المهني والنصح الفني، ثم تطور لاحقًا إلى مفهوم الإشراف التربوي بوصفه عملية تربوية شاملة تُعنى بتحسين عمليتي التعليم والتعلّم من خلال دعم المعلم، وتنمية قدراته، وتوفير بيئة مدرسية أكثر فاعلية وإنسانية.

ويكشف هذا المسار التاريخي أن الإشراف التربوي قد تذبذب بين منطقين متقابلين: منطق الضبط الإداري الذي يهدف إلى فرض النظام وتحقيق الانضباط، ومنطق الدعم المهني الذي يسعى إلى تطوير الأداء وتحسين الممارسات التعليمية. وقد أسهم هذا التذبذب في تشكيل ممارسات إشرافية متباينة في الميدان التربوي، بعضها غلب عليه الطابع السلطوي، وبعضها الآخر مال إلى الطابع الإنساني، مما مهّد لظهور الحاجة إلى نموذج إشرافي أكثر توازنًا يوفق بين متطلبات التنظيم الإداري وضرورات النمو المهني للمعلم.

 

 

ثانيًا: الإشراف التقليدي (التفتيش والتوجيه)

اتسم الإشراف التقليدي، الذي تجسد في مرحلتي التفتيش والتوجيه، بعدد من الخصائص البارزة التي عكست طبيعة الفلسفة الإدارية السائدة آنذاك، ومن أهمها تركيزه على متابعة مدى التزام المعلمين بتنفيذ الأنظمة والتعليمات الرسمية، وتقويم أدائهم بأسلوب تقريري سلطوي يقوم على إصدار الأحكام أكثر مما يقوم على الحوار المهني، فضلًا عن اهتمامه بالمخرجات الظاهرة للعملية التعليمية، كإتمام المقررات وتحقيق نسب النجاح، أكثر من اهتمامه بالعمليات التعليمية ذاتها، مثل طرائق التدريس والتفاعل الصفي وبناء الدافعية لدى المتعلمين.

وقد أسهم هذا النمط من الإشراف في تحقيق قدر من الانضباط داخل المؤسسة التعليمية، وضمان الالتزام بالمناهج المعتمدة والخطط الدراسية الرسمية، كما ساعد على توحيد الإجراءات التنظيمية والحد من العشوائية في الأداء، الأمر الذي كان له دور في ترسيخ صورة المدرسة بوصفها مؤسسة منظمة خاضعة لقواعد واضحة. غير أن هذه الإيجابيات لم تخلُ من آثار جانبية سلبية، أبرزها أن الطابع الرقابي للإشراف التقليدي أدى في كثير من الأحيان إلى إضعاف الدافعية المهنية لدى المعلمين، وتحويل العملية الإشرافية إلى تجربة مثقلة بالتوجس والخوف بدل أن تكون فرصة للتعلم والتطوير.

كما أسهم هذا النمط في إهمال الحاجات النفسية والمهنية للعاملين في الميدان التربوي، إذ كان ينظر إلى المعلم بوصفه منفذًا للتعليمات أكثر من كونه فاعلًا تربويًا يمتلك خبرة مهنية تستحق الاحترام والمشاركة في اتخاذ القرار. ونتيجة لذلك، اختُزل الإشراف التربوي في وظيفة إدارية رقابية تهدف إلى ضبط السلوك المهني أكثر من سعيها إلى بناء القدرات وتحسين الممارسات الصفية، مما أضعف بعده التربوي، وقلل من أثره في تحسين جودة التعليم والتعلّم على المدى البعيد.

ويكشف هذا التحليل أن الإشراف التقليدي، رغم مساهمته في تحقيق الانضباط والتنظيم، لم يكن قادرًا على الاستجابة لمتطلبات المدرسة الحديثة التي تقوم على التعلم النشط، وبناء الشخصية المتكاملة للمتعلم، وتنمية الكفايات المهنية للمعلم، الأمر الذي مهّد لظهور اتجاهات إشرافية جديدة أكثر إنسانية وتشاركية.

 

ثالثًا: الإشراف الحديث ونموذج الصديق الناقد

جاء الإشراف التربوي الحديث ليؤكد أن الإشراف ليس إجراءً رقابيًا أو نشاطًا إداريًا معزولًا، بل هو عملية تشاورية قيادية ذات بعد إنساني تهدف إلى تحسين عمليتي التعليم والتعلّم من خلال التعاون والشراكة المهنية بين المشرف والمعلم وإدارة المدرسة. وينطلق هذا الاتجاه من افتراض أساسي مفاده أن تطوير الأداء التعليمي لا يتحقق عبر التوجيه الفوقي، بل من خلال الحوار المهني، والتغذية الراجعة البنّاءة، وبناء الثقة المتبادلة، بما يسهم في خلق ثقافة مدرسية داعمة للتعلم المستمر.

ويُعد نموذج “المشرف الصديق الناقد” أحد أبرز تجليات هذا الاتجاه المعاصر، إذ يُسند للمشرف عدد محدود من المدارس يتراوح غالبًا بين (5–10) مدارس، بما يتيح له إمكانية المتابعة الميدانية الفاعلة، وبناء علاقات مهنية مستقرة مع إدارات المدارس وملاكاتها التعليمية. ويهدف هذا التحديد العددي إلى تجاوز مشكلة التشتت التي عانت منها النماذج التقليدية، وتمكين المشرف من فهم السياق المدرسي بعمق، وتشخيص مشكلاته التربوية بصورة أدق.

 

ويُقصد بالصديق الناقد: المشرف الذي يقدم رؤية خارجية موضوعية بأسلوب داعم وبنّاء، ويجمع بين مساندته للمدرسة واحترام خصوصيتها من جهة، وممارسته للدور النقدي القائم على الأدلة من جهة أخرى، من خلال طرح أسئلة مهنية هادفة تستند إلى الملاحظة والتحليل، وتسعى إلى تحفيز التفكير التأملي لدى المعلمين ومديري المدارس بشأن ممارساتهم التعليمية والإدارية، بما يؤدي إلى تحسين الأداء المدرسي بصورة مستدامة.

 

ومن أبرز مزايا هذا النموذج:

 

  1. تعزيز الحوار المهني بين المشرف والمعلم بوصفه مدخلًا لتبادل الخبرات وبناء الكفايات التربوية.

  1. دعم دور مدير المدرسة بوصفه قائدًا للتطوير المدرسي، لا مجرد منفذ للتعليمات الإدارية.

  2. الانتقال من ثقافة تصيّد الأخطاء إلى ثقافة تنمية القدرات وتحسين الممارسات الصفية.

  3. تعزيز المسؤولية المهنية المشتركة عن نتائج التعليم والتعلّم داخل المدرسة.

غير أن هذا النموذج، رغم ما ينطوي عليه من إيجابيات، قد يواجه عددًا من الإشكالات إذا أُفرط في تطبيقه أو فُصل عن أطره التنظيمية، من أبرزها احتمال ضعف الضبط الإداري في حال غلبة البعد الودّي على حساب المعايير المهنية، واحتمالية تراجع موضوعية التقويم إذا لم يُبنَ على أدوات واضحة ومؤشرات أداء محددة، فضلًا عن تحميل مدير المدرسة أعباء تطويرية وتنظيمية قد تفوق قدراته البشرية والإدارية، خصوصًا في البيئات المدرسية التي تعاني من نقص الموارد أو ضعف التأهيل القيادي.

ويكشف ذلك أن الإشراف الحديث، في صورته المتطرفة، قد يتحول من شراكة مهنية إلى تساهل إداري، مما يستدعي دمجه بضوابط تنظيمية واضحة تضمن الحفاظ على التوازن بين الدعم والمساءلة، وبين الثقة المهنية والانضباط المؤسسي.

 

 

رابعًا: المقارنة بين النمطين

تُظهر المقارنة بين نمطي الإشراف التقليدي والحديث أن كلاً منهما أسهم في تحقيق جانب من أهداف العملية التربوية، غير أن فاعليتهما تبقى محدودة حين يُطبَّق أيٌّ منهما بمعزل عن الآخر. فقد نجح الإشراف التقليدي في ترسيخ قدر من الانضباط المؤسسي، وضمان الالتزام بالأنظمة والتعليمات الرسمية، إلا أنه في المقابل أضعف البعد الإنساني في العلاقة الإشرافية، وأسهم في تكريس صورة الإشراف بوصفه أداة رقابية أكثر من كونه عملية تربوية داعمة، مما انعكس سلبًا على دافعية المعلمين ونموهم المهني.

أما الإشراف الحديث، فقد أعاد الاعتبار إلى البعد الإنساني في الممارسة الإشرافية، وعزّز مناخ الشراكة المهنية والحوار التربوي، وأسهم في رفع مستوى الرضا الوظيفي والشعور بالأمان المهني لدى المعلمين، غير أن الإفراط في هذا الاتجاه قد يؤدي- في بعض التطبيقات- إلى تراجع مستوى الضبط التنظيمي، وإضعاف سلطة المعايير المهنية، إذا لم يُضبط بإطار واضح من المسؤولية والمساءلة التربوية.

ويُظهر المسار التاريخي للإشراف التربوي أنه قد تباين بين نمطين متقابلين: نمط الضبط الإداري الذي ركز على الامتثال والتنظيم، ونمط الدعم الإنساني الذي ركز على العلاقات المهنية والمساندة النفسية. وقد أفرز هذا التذبذب حاجة ملحّة إلى نموذج إشرافي معتدل يجمع بين مزايا النمطين ويتجاوز عيوبهما، من خلال تحقيق التوازن بين الانضباط المؤسسي والبعد الإنساني، وبين التقويم الموضوعي والدعم المهني.

ومن ثمّ يتضح أن كلا النمطين يعاني من قصور بنيوي عندما يُمارس بوصفه نموذجًا أحاديًا مغلقًا؛ فالإشراف التقليدي يضبط الأداء لكنه يهمّش الإنسان، والإشراف الحديث يدعم الإنسان لكنه قد يُضعف النظام إن لم يستند إلى معايير واضحة. ويؤدي هذا الواقع إلى ضرورة تبنّي نمط إشرافي تكاملي يجمع بين مزايا النموذجين ويتجاوز عيوبهما، من خلال:

 

  • الإفادة من الحزم التنظيمي والوضوح الإجرائي اللذين ميّزا الإشراف التقليدي.

  • مع استثمار الدعم الإنساني والتوجيه المهني والشراكة التربوية التي أكّد عليها الإشراف الحديث.

 

وبذلك يتحول الإشراف من ممارسة أحادية البعد إلى عملية تربوية شاملة، تحقق الانضباط دون قهر، والدعم دون تفريط، وتؤسس لعلاقة مهنية متوازنة بين المشرف والمعلم، تقوم على المسؤولية المشتركة في تحسين التعليم وتطوير المدرسة بوصفها مؤسسة تربوية لا إدارية فحسب.

 

خامسًا: نحو نمط إشرافي تربوي معتدل (الأنموذج التكاملي)

يقوم النمط الإشرافي المعتدل على تصور تكاملي يهدف إلى تجاوز ثنائية الضبط والدعم بوصفهما اتجاهين متعارضين، واستبدالهما برؤية موحّدة تجعل منهما بعدين متكاملين في الممارسة الإشرافية. وينطلق هذا النموذج من أن الإشراف التربوي لا يمكن أن يكون فعالًا إذا اقتصر على الرقابة التنظيمية، كما لا يمكن أن يحقق أهدافه إذا انحصر في الدعم الوجداني المجرد من المعايير المهنية. وعليه، يقوم هذا النمط على المبادئ الآتية:

 

أولاً: التوازن بين التقويم والدعم: يمارس المشرف التربوي في هذا النموذج دور المقوِّم المهني وفق معايير واضحة ومؤشرات أداء محددة، تستند إلى أسس علمية وتربوية، وفي الوقت نفسه يؤدي دور الداعم والموجِّه في تطوير أداء المعلم، من خلال تقديم التغذية الراجعة البنّاءة، والمقترحات التطبيقية، وبرامج التنمية المهنية المستمرة. وبذلك يتحول التقويم من أداة للمحاسبة إلى مدخل للتطوير، ويغدو الدعم وسيلة لرفع الكفاءة لا بديلاً عن المحاسبة المهنية.

ثانياً: الجمع بين السلطة المهنية والشراكة الإنسانية: يحتفظ المشرف بسلطته القانونية في متابعة تنفيذ الأنظمة والتعليمات التربوية وضمان الالتزام بها، غير أن ممارسته لهذه السلطة تتم بأسلوب تشاركي قائم على الحوار المهني، والإقناع التربوي، واحترام الخبرة الميدانية للمعلم ومدير المدرسة. ويقوم هذا المبدأ على اعتبار السلطة الإشرافية سلطة مهنية أخلاقية قبل أن تكون سلطة إدارية، بما يعزز قبولها من قبل العاملين في الميدان، ويحولها من مصدر خوف إلى مصدر توجيه وتنظيم.

ثالثاً: المرونة السياقية: يفترض النموذج التكاملي أن المدرسة وحدة اجتماعية وثقافية لها خصوصيتها، وأن المعلمين يختلفون في خبراتهم وكفاياتهم، كما تختلف البيئات المدرسية في ظروفها وإمكاناتها. ومن ثم لا يوجد نمط إشرافي واحد يصلح لكل زمان ومكان، بل يتعين على المشرف أن يكيّف أساليبه وإجراءاته وفق طبيعة المرحلة الدراسية، ومستوى كفاءة الملاكات التعليمية، ومشكلات المدرسة الفعلية، بحيث يتحول الإشراف إلى ممارسة سياقية تستجيب للواقع بدل أن تفرض عليه أنماطًا جامدة.

رابعاً: التخصص والموضوعية: يُسند تقويم أداء المعلمين في هذا النموذج إلى مشرفين متخصصين في المواد الدراسية، بما يضمن العدالة المهنية والدقة العلمية في الحكم على الأداء، ويحدّ من العشوائية والانطباعية في التقويم. كما يُشترط أن تُبنى الأحكام الإشرافية على أدوات قياس واضحة، وملاحظات صفية منظمة، وبيانات موثقة، الأمر الذي يعزز موضوعية التقويم، ويكسبه مشروعية علمية وتربوية لدى المعلمين وإدارات المدارس.

خامساً: الربط بين التربية والتعليم: لا ينحصر دور الإشراف في تحسين الأداء الأكاديمي أو رفع نسب النجاح فحسب، بل يمتد ليشمل العناية بالأبعاد التربوية والقيمية للعملية التعليمية، من خلال الإسهام في تنمية القيم الأخلاقية، والانضباط المدرسي، والاتجاهات الإيجابية نحو التعلم، والسلوكيات الاجتماعية السليمة لدى المتعلمين. وبذلك يصبح الإشراف معنيًا بتكوين الشخصية المتكاملة للمتعلم، لا بمجرد تحصيله المعرفي، ويغدو عنصرًا فاعلًا في بناء الإنسان قبل بناء المعلومة.

ويُعد هذا النموذج التكاملي أكثر ملاءمة للواقع التربوي المعاصر، لأنه يحقق الانضباط دون قهر، والدعم دون تفريط، ويجعل الإشراف التربوي أداة فاعلة في خدمة عمليتي التربية والتعليم في آنٍ واحد، بما يسهم في تحسين جودة المدرسة وبناء الثقة المهنية داخلها وتعزيز دورها في التنمية المجتمعية الشاملة.

 

الاستنتاجات

في ضوء ما ورد يمكن استخلاص الاستنتاجات الآتية:

  1. إن فاعلية الإشراف التربوي مرهونة بتحقيق توازن واعٍ بين بعدي الضبط والدعم، إذ لا يكفي أحدهما بمعزل عن الآخر لتحقيق تحسين حقيقي في أداء المعلم وجودة المدرسة.

  2. يثبت التحليل أن الاقتصار على الرقابة التنظيمية يفرغ الإشراف من بعده التربوي، في حين أن الاكتفاء بالدعم الوجداني دون معايير مهنية واضحة يضعف الانضباط المؤسسي ويشوّه موضوعية التقويم.

  3. يمثل النموذج التكاملي استجابة واقعية للتذبذب التاريخي بين نمطين متقابلين (الضبط الإداري والدعم الإنساني)، من خلال دمجه مزايا الطرفين وتجاوزه عيوبهما.

  4. إن ممارسة السلطة الإشرافية بأسلوب تشاركي أخلاقي يعزز قبولها من قبل المعلمين، ويحوّلها من أداة للهيمنة إلى وسيلة للتوجيه والتنظيم المهني.

  5. تؤكد المرونة السياقية أن نجاح الإشراف لا يتحقق عبر أنماط جامدة، بل عبر ممارسات تتكيف مع خصائص المدرسة ومستوى كفاءة العاملين فيها وظروفها الواقعية.

  6. يسهم التخصص والموضوعية في رفع مصداقية التقويم الإشرافي، ويحدّ من الانطباعية والعشوائية، مما يعزز الثقة المتبادلة بين المشرف والمعلم.

  7. يتجاوز الإشراف في النموذج التكاملي حدود تحسين الأداء الأكاديمي ليشمل الأبعاد التربوية والقيمية، بما ينسجم مع وظيفة المدرسة في بناء الإنسان إلى جانب بناء المعرفة.

  8. يُعد النموذج الإشرافي المعتدل أكثر ملاءمة لمتطلبات المدرسة المعاصرة، لأنه يحقق الانضباط دون قهر، والدعم دون تفريط، ويجعل الإشراف أداة تطوير لا مجرد آلية ضبط.

  9. يسهم هذا النموذج في بناء ثقافة مدرسية قائمة على الثقة المهنية والتقويم البنّاء والشراكة في المسؤولية، مما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم والتعلّم.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى