باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لم يعد الإعلام في العصر الحديث مجرد وسيطٍ تقني ينقل الوقائع من موقع الحدث إلى الجمهور، بل غدا منظومةً معرفية وسلطةً رمزية تشارك بفاعلية في صناعة الواقع نفسه، عبر اختيار ما يُقال وما يُهمَّش، وكيف يُؤطَّر الحدث، وبأي لغة يُقدَّم، ولصالح أي سردية، لقد انتقل الإعلام من وظيفة الإخبار إلى وظيفة التأطير وصناعة المعنى، فأصبح أحد أهم أدوات إعادة إنتاج السلطة، وتشكيل الوعي الجمعي، وإعادة ترتيب خرائط الخير والشر، والضحية والجلاد، والشرعية والتمرد.
وفي العالم العربي، تتضاعف خطورة هذا الدور، إذ يعمل الإعلام في بيئة مركبة تتداخل فيها السلطوية السياسية، والانقسام الهوياتي، والهشاشة المؤسسية، والإرث الاستعماري، مع أنماط جديدة من التبعية الاقتصادية والثقافية للمنظومة الغربية، ولذلك فإن الإعلام العربي لا يتحرك داخل فضاء سيادي مستقل، بل ضمن حقل قوى دولي تهيمن عليه مراكز إنتاج الخطاب في الغرب، بما تحمله من سرديات، ومعايير أخلاقية، ونماذج تفسير للواقع.
ضمن هذا السياق غير المتكافئ، لم يعد الإعلام العربي مجرد ضحية لهذه الهيمنة، بلفيكثيرمنالأحيانأصبحوسيطًالإعادةإنتاجهاداخلالمجالالعامالعربي، عبر تبني مقاييس تقييم للأحداث مستوردة، وتطبيقها بانتقائية صارخة على الوقائع المحلية والعالمية، وهنا تبرز إحدى أخطر أزمات الإعلام العربي المعاصر: ازدواجية المعايير في تغطية القضايا العامة، وبخاصة في مقارنته بين ما يحدث في العالم العربي وما يحدث في الغرب.
فالأحداث المتشابهة في جوهرها- من احتجاجات، أو عنف أمني، أو أزمات إنسانية، أو انتهاكات للحقوق- تُقدَّم للجمهور العربي بلغتين مختلفتين، وبمنطقين متناقضين، تبعًا لهوية الفاعل وموقعه في النظام الدولي، فما يُوصَف في الغرب بوصفه “إجراءات قانونية” أو “حماية للديمقراطية”، قد يُوصَف في العالمين العربي والإسلامي (لا سيما في دول الممانعة ومناهضة الغرب وامريكا) بأنه “قمع” أو “استبداد”، وما يُحتفى به في أوروبا أو أمريكا بوصفه “حراكًا مدنيًا”، قد يُدان في “الشرق الأوسط” غرب اسيا- بوصفه “فوضى” أو “تهديدًا للاستقرار”، وهذهالازدواجيةلاتمثلخللًامهنيًاعابرًا،بلتعكسانحرافًابنيويًافيوظيفةالإعلامالعربي، حيث لم يعد محكومًا بميزان الحقيقة أو العدالة، بل بخريطة التحالفات السياسية، ودوائر التمويل، ومنطق الهيمنة الرمزية العالمية. وهكذا يتحول الإعلام من أداة مساءلة إلى أداة تبرير، ومن منبر للوعي إلى قناة لإعادة إنتاج اللامساواة المعرفية بين المركز الغربي والأطراف العربية.
ومن هنا، فإن دراسة ازدواجية المعايير في الإعلام العربي ليست مسألة مهنية فحسب، بل هي قضية فكرية وسياسية وأخلاقية تمس جوهر الوعي العربي بذاته وبالعالم، وتحدد ما إذا كان هذا الإعلام سيبقى أداة تحرر، أم سيستمر كمرآة مكسورة تعكس صورة الغرب بوصفه معيار الإنسانية، والعرب بوصفهم استثناءً دائمًا من القيم الكونية.
أولًا:مفهومازدواجيةالمعاييرفيالإعلام
تُعرَّف ازدواجية المعايير الإعلامية بأنها تطبيق قواعد مختلفة في توصيف وتقييم الأحداث المتشابهة تبعًا لهوية الفاعل السياسي أو الجغرافي، لا لطبيعة الفعل ذاته، فالفعل الواحد قد يُوصَف إذا صدر عن دولة غربية- ولا سيما الغرب و الولايات المتحدة- بوصفه “إجراءً قانونيًا” أو “ضرورة أمنية” أو “حماية للديمقراطية”، بينما يُوصَف الفعل نفسه إذا وقع في دولة عربية او إسلامية مناهضة للسياسات الغربية والأمريكية بأنه “قمع” أو “استبداد” أو “انتهاك صارخ لحقوق الإنسان”، هذا الخلل لا ينتمي إلى المجال اللغوي فقط، بل يعكس منظومة قيمية غير متوازنة تحكم إنتاج الخطاب الإعلامي وتداوله.
وتتجلى هذه الازدواجية بوضوح في طريقة تعامل الإعلام العربي مع النموذج الأمريكي، الذي يُقدَّم غالبًا بوصفه معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا، رغم ما يعتريه من أزمات بنيوية، فالولايات المتحدة تشهد عنفًا شرطياً واسع النطاق، وعنصرية ممنهجة، وقمعًا للاحتجاجات، وسجونًا خارجة عن القانون، لكن هذه الوقائع تُعاد صياغتها إعلاميًا باعتبارها “مشكلات داخلية” أو “تحديات ديمقراطية”، لا بوصفها انتهاكات جوهرية لحقوق الإنسان، وهكذا تُنزع عنها الصفة البنيوية، وتُحوَّل إلى أحداث عابرة لا تمس صورة النموذج، ويظهر هذا الخلل بوضوح في تغطية احتجاجات عام 2020 عقب مقتل جورج فلويد، حيث استخدمت الشرطة الأمريكية القوة المفرطة، والغاز المسيل للدموع، والاعتقالات الجماعية، في مشاهد موثقة بثتها وسائل الإعلام العالمية، ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الإعلام العربي توصّف الحدث بلغة “الاضطرابات” و”التوترات العرقية”، بينما لو وقعت هذه الأفعال نفسها في بلد عربي، لكانت وُصفت فورًا بأنها “قمع دموي” أو “سحق للحريات”، هنا لا يتغير الفعل، بل يتغير موقعه في الخريطة الأخلاقية العالمية.
الأمر نفسه ينطبق على اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي عام2021، وهو حدث هزّ أسس النظام الديمقراطي الأمريكي، ومع ذلك جرى تقديمه إعلاميًا بوصفه “أزمة سياسية” أو “انقسام داخلي”، لا بوصفه انهيارًا للشرعية أو إرهابًا سياسيًا، بينما لو وقع اقتحام مشابه لمؤسسة سيادية في دولة عربية، لتم تصنيفه فورًا على أنه “فشل للدولة” أو “تهديد وجودي للنظام السياسي”، وهكذا يُمنح الغرب، وخصوصًا أمريكا، حق الخطأ دون فقدان الشرعية، بينما يُحاكم الشرق على الخطأ ذاته بوصفه دليلًا على العجز البنيوي.
وتزداد الازدواجية فجاجة حين يتعلق الأمر بالحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان وسوريا، حيث سقط مئات الآلاف من المدنيين بفعل القصف والعمليات العسكرية، فهذه الوقائع، التي تندرج قانونيًا ضمن جرائم الحرب، تُقدَّم في الإعلام العربي المتأثر بالخطاب الغربي بوصفها “تدخلات” أو “حربًا على الإرهــ ـــاب”، بينما تُوصَف أي عملية أمنية داخل دولة عربية او إسلامية مناهضة بأنها “قمع” أو “استهداف للمدنيين”، بهذا المعنى، لا تُقاس حياة الإنسان بكونه إنسانًا، بل بموقعه في نظام القوة العالمي.
في الأحداث الأخيرة، شهدت الولايات المتحدة احتجاجات واسعة بسبب سياسات الهجرة والتعامل الأمني مع المتظاهرين، حيث خرج آلاف المواطنين سلمياً في عدة مدن مثل واشنطن ولوس أنجلوس وشيكاغو، مطالبين بالإصلاح والمساءلة القانونية، ومع ذلك، أغلب وسائل الإعلام العربية تعاملت مع هذه الاحتجاجات بتغطية محدودة أو إشارية، وغالباً ضمن زاوية محلية صغيرة، دون تأطيرها كأحداث كبرى، وفي المقابل، الاحتجاجات الإيرانية التي اندلعت بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور العملة ثم امتدت إلى مطالب سياسية، حظيت بـ تغطية مكثفة ومبالغ فيها في بعض المنصات العربية، مع التركيز على العنف المفترض، واضطراب الأمن، وهكذا يتحول الإعلام العربي غالبا إلى تضخيم أي أزمة داخل العالم العربي أو الإيراني، في الوقت الذي يغض فيه الطرف عن احتجاجات مماثلة في قلب الديمقراطيات الغربية، مما يعكس بوضوح ازدواجية المعايير في التعاطي الإعلامي.
إن هذه الازدواجية ليست نتيجة خطأ مهني عابر، بل نتاج بنية إعلامية خاضعة للتبعية السياسية والتمويل المشروط والاستلاب الثقافي، حيث تُستبطن المعايير الغربية بوصفها المرجعية الأخلاقية الوحيدة، وبهذا يتحول الإعلام العربي من أداة لفهم العالم إلى قناة لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية، ومن مساحة للمساءلة إلى أداة تبرير للاختلال العالمي، فالولايات المتحدة لا تهيمن بالسلاح والاقتصاد فقط، بل تهيمن باللغة التي يُعرَّف بها ما هو شرعي وما هو مدان، وحين يتبنى الإعلام العربي هذه اللغة دون نقد، فإنه يسهم في ترسيخ الظلم داخل وعي جمهوره قبل أن يرسخه في الواقع.
ليست ازدواجية المعايير في الإعلام العربي مجرد خيار تحريري، بل هي نتيجة تركيب معقّد من المصالح والضغوط والبُنى العميقة التي تحكم صناعة الخبر في المنطقة، فالقناة العربية لا تعمل داخل فضاء إعلامي حر، بل داخل شبكة من التبعيات السياسية والاقتصادية والرمزية تجعل الانحياز للغرب- وخصوصًا الولايات المتحدة- خيارًا شبه إلزامي.
أولهذهالعوامل هو التمويل السياسي غير المباشر، فعدد كبير من القنوات العربية، حتى تلك التي تبدو “مستقلة”، يعتمد في بقائه على شبكات إعلانات، ومنح، ورعايات، وشراكات، تمرّ عبر مؤسسات مرتبطة بالسوق الغربية أو بالنفوذ الأمريكي، وهذا النوع من التمويل لا يفرض تعليمات صريحة، لكنه يرسم حدود الممكن والممنوع في التغطية، فانتقاد واشنطن أو فضح بنيتها العنيفة أو عنصريتها المؤسسية قد لا يؤدي إلى إغلاق القناة، لكنه يعرّضها للعزل، وقطع التمويل، وحجب الوصول إلى مصادر الأخبار الدولية، وهو ما يُعدّ موتًا مهنيًا لأي مؤسسة إعلامية.
والعاملالثاني هو الاعتماد البنيوي على وكالات الأنباء الغربية، فالغالبية الساحقة من الأخبار الدولية التي تبثها القنوات العربية تأتي عبر رويترز، وأسوشيتد برس، وفرانس برس، وCNN، وBBC هذه الوكالات لا تنقل الوقائع فقط، بل تنقل معها لغة التأطير والتوصيف والمعايير الأخلاقية، وعندمايُقالللصحفيالعربيإنمايجريفيأمريكاهو “احتجاجاتعنيفة”وليس “قمعًا”،فإنالقناةغالبًاماتعيدبثالمصطلحكماهو،فتُستنسخالرؤيةالغربيةداخلالخطابالعربيدونأنيشعرالمتلقيبذلك.
أماالعاملالثالث فهو الاستعمار الثقافي للنخب الإعلامية، فعدد كبير من رؤساء التحرير والمذيعين والمحللين العرب تخرّجوا في جامعات غربية أو تلقوا تدريبهم في مؤسسات إعلامية أمريكية وأوروبية، حيث تم تلقينهم- بشكل مباشر أو غير مباشر- أن الغرب هو “النموذج الطبيعي للتقدم”، وأن مشكلاته “انحرافات داخلية”، بينما مشكلات الشرق “أمراض بنيوية”، وهذه الرؤية لا تعمل كقناعة سياسية، بل كـ بنية عقلية لا واعية تحكم اختيار المفردات، وزوايا الطرح، وحتى الضيوف.
العاملالرابع هو الخوف السياسي، فالولايات المتحدة ليست مجرد دولة بعيدة، بل فاعل حاضر في كل ملفات المنطقة: الاقتصاد، الأمن، العقوبات، الحكومات، حتى استقرار الأنظمة. لذلك تميل القنوات إلى ممارسة رقابة ذاتية فيما يخص أمريكا، فتخفف نقدها، وتُلطّف لغتها، وتتجنب توصيف أفعالها بلغة الإدانة الأخلاقية، وفي المقابل، لا تكلّفها إدانة الأنظمة العربية الثمن ذاته، بل قد تجلب لها رضا القوى الخارجية.
أماالعاملالخامس فهو سوق المشاهد والرعاة، فالخطاب المتوافق مع الرؤية الغربية أسهل تسويقًا دوليًا، ويجذب المعلنين، ويُكسب القناة شرعية في الفضاء الإعلامي العالمي، بينما الخطاب الناقد لأمريكا أو النظام الدولي يُصنَّف سريعًا بأنه “إيديولوجي” أو “غير مهني” أو “معادٍ للغرب”، وهو ما يُهدد مصالح القناة الاقتصادية، وفي ضوء هذه العوامل مجتمعة، لا تعكس ازدواجية المعايير في الإعلام العربي مجرد خلل أخلاقي، بل تعكس بنية خضوع داخل النظام الإعلامي العالمي، حيث لا يُسمح للجنوب أن يُسمّي ظلم الشمال باسمه، بل يُطلب منه أن يعيد صياغته بلغة مهذبة تحفظ هيبة القوة.
وبذلك يصبح الإعلام العربي- دون أن يصرّح- جزءًا من منظومة الهيمنة، لا عبر الكذب، بل عبر اختيار ما لا يُقال، وكيف يُقال، ولمن يُقال.
لا تتوقف خطورة ازدواجية المعايير الإعلامية عند حدود التضليل أو الانحياز المهني، بل تتجاوز ذلك لتصيب البنية العميقة للوعي السياسي والاجتماعي العربي، فالإعلام، حين يُقدّم العالم بمعايير مزدوجة، لا يزوّر الوقائع فقط، بل يعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المواطن العربي نفسه وموقعه في العالم:
أولهذهالآثار هو تشويه مفهوم العدالة، فعندما يرى المتلقي العربي أن الولايات المتحدة تقصف دولًا، وتقتل مدنيين، وتدعم أنظمة قمعية، ومع ذلك تُوصَف أفعالها بأنها “حماية للأمن العالمي”، بينما تُدان أفعال أقل عنفًا داخل العالم العربي بوصفها “جرائم ضد الإنسانية”، يتكوّن لديه وعي ضمني بأن العدالة ليست مبدأ، بل امتياز تمنحه القوة لمن تملكها، وهكذا تنهار فكرة القانون الدولي كمعيار أخلاقي، ويحل محلها منطق الغلبة.
الأثرالثاني هو تآكل الثقة بالذات الحضارية، فحين يُقدَّم الغرب دائمًا بوصفه النموذج الأخلاقي، والعرب بوصفهم ساحة دائمة للفشل والانتهاك، تتشكل لدى الجمهور قناعة لا واعية بأن الخلل يكمن في الثقافة والهوية، لا في ميزان القوة العالمي، وهذا يولد شعورًا بالدونية، واحتقارًا ذاتيًا، واستعدادًا نفسيًا لتبرير التدخل الخارجي بوصفه “ضرورة إصلاحية”.
أماالأثرالثالث فهو إرباك البوصلة السياسية للمواطن العربي، فالإعلام الذي يدين الاستبداد العربي، لكنه يبرر القمع الأمريكي، يخلق وعيًا متناقضًا: المواطن يُطلب منه أن يرفض الظلم محليًا، لكنه يُدرَّب على تقبّل الظلم إذا كان صادرًا عن قوة عظمى، وبهذا يصبح الاحتجاج ضد الهيمنة الخارجية أقل مشروعية في الوعي العام من الاحتجاج ضد السلطة الداخلية، رغم أن كليهما جزء من منظومة واحدة.
الأثرالرابع يتمثل في تفكيك مفهوم السيادة، إذ حين تُصوَّر التدخلات الأمريكية في المنطقة بوصفها “حماية للاستقرار” أو “دعما للديمقراطية”، يتعوّد الجمهور على رؤية اختراق سيادة الدول العربية كأمر طبيعي، بينما يُصوَّر أي سعي عربي للاستقلال السياسي أو العسكري بوصفه “تهديدًا للأمن الدولي”. وهكذا تُنزع الشرعية عن فكرة الاستقلال نفسها.
أما الأثرالخامس والأخطر فهو إعادة إنتاج الهيمنة داخل اللغة اليومية؛ فالمفردات التي يستخدمها الإعلام- “المجتمع الدولي”، “العالم الحر”، “الدول المارقة”، “محور الشر”- تتحول إلى أدوات ذهنية يعيد بها المواطن العربي تفسير الواقع. فيصبح الغرب هو “الإنسانية”، ويصبح العربي هو “المشكلة”، هذه ليست مجرد كلمات، بل بنية إدراك كاملة.
وبذلك، فإن ازدواجية المعايير لا تصنع فقط رأيًا عامًا منحازًا، بل تصنع وعيًا مهزومًا يرى العالم من خلال عين القوة المهيمنة، لا من خلال مبدأ العدالة، وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح الاحتلال مقبولًا، والتبعية مبررة، والظلم العالمي غير مرئي… لأن الإعلام أعاد تعريفه بلغة أنيقة.
رابعًا: نحوإعلامعربيمعياريمستقل- الشروطوالإمكانات
إن الخروج من مأزق ازدواجية المعايير لا يتحقق بتغيير مفردات الخطاب أو استبدال بعض المذيعين، بل يتطلب تحولًا بنيويًا في فلسفة الإعلام العربي ووظيفته، فالإعلام المعياري المستقل هو الذي يقيس الأحداث بميزان واحد، لا بميزان القوة، ويخضع جميع الفاعلين- دولًا كانوا أم جماعات- لمعيار أخلاقي وقانوني واحد، وهذا النوع من الإعلام لا يمكن أن يولد داخل بنية التبعية، بل يحتاج إلى شروط سياسية وثقافية ومهنية متكاملة.
أولهذهالشروط هو تحرير الإرادة التحريرية من التمويل السياسي الخارجي، فلا يمكن لقناة تعتمد في بقائها على مؤسسات مرتبطة بالولايات المتحدة أو بحلفائها أن تمارس نقدًا حقيقيًا لسياسات واشنطن أو أن تكشف تناقضاتها، فالاستقلال المالي ليس رفاهية مهنية، بل شرط وجودي للإعلام الحر، فحيث يوجد المموّل السياسي، توجد رقابة غير مرئية، تُحدّد ما يجوز قوله وما يجب السكوت عنه.
الشرطالثاني يتمثل في بناء مرجعية أخلاقية مستقلة عن الغرب، فلا يمكن للإعلام العربي أن يستعيد توازنه طالما ظل يقيس ذاته بمعايير الآخر، فالمطلوب ليس رفض القيم الإنسانية العالمية، بل تحريرها من احتكار الغرب لها، وإعادة تعريف حقوق الإنسان، والديمقراطية، والعدالة، بوصفها مبادئ كونية تُطبَّق على الجميع، لا امتيازات جغرافية.
أماالشرطالثالث فهو تفكيك التبعية المعرفية لوكالات الأنباء الغربية، فالإعلام الذي يستورد أخباره وتحليلاته من رويترز وCNN وBBC يستورد معها بالضرورة طريقة رؤية العالم، لا بد من بناء شبكات مراسلين عرب، ومراكز بحث، ومنصات تحليل تنتج المعرفة من داخل المنطقة، لا من منظور القوة الخارجية.
الشرطالرابع هو إعادة تكوين الصحفي العربي بوصفه فاعلًا نقديًا لا مجرد ناقل، فالصحفي ليس موظف بث، بل مثقف عمومي يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الحقيقة، وهذا يتطلب تغيير برامج التدريب الإعلامي التي تلقّن الحياد الشكلي، لكنها تخفي انحيازًا بنيويًا للنموذج الغربي.
أماالشرطالخامس فهو خلق رأي عام ناقد للإعلام نفسه، فالإعلام لا يتغير من الداخل فقط، بل يتغير حين يواجه جمهورًا يطالب بالمعيار الواحد، ويحاسب التلاعب، ويرفض اللغة المزدوجة، الوعي النقدي للجمهور هو الحارس الأخير للاستقلال الإعلامي.
إن بناء إعلام عربي معياري لا يعني بناء إعلام “ضد الغرب”، بل بناء إعلام غير خاضع له، إعلام يرى واشنطن كما يرى بغداد، ويقيس باريس كما يقيس دمشق، ويزن القوة بميزان العدالة لا بميزان المصالح، وحين يتحقق ذلك، يصبح الإعلام أداة لتحرير الوعي لا لإعادة إنتاج الهيمنة، ويستعيد المواطن العربي حقه في رؤية العالم كما هو، لا كما تريد القوة أن يُرى.
الخاتمة
تكشف هذه الدراسة أن أزمة الإعلام العربي في تعاطيه مع القضايا العامة ليست أزمة مهنية سطحية، بل أزمة بنيوية تتصل بموقع هذا الإعلام داخل منظومة الهيمنة العالمية، فازدواجية المعايير في التغطية لا تنبع فقط من أخطاء في الصياغة أو من تحيزات فردية، بل من خضوع عميق لشبكات التمويل، وأنماط إنتاج المعرفة، وسرديات التفوق الغربي التي تهيمن على المجال الإعلامي الدولي، وضمن هذا السياق، تُعامل الولايات المتحدة بوصفها مركز الأخلاق العالمية، وتُمنح حق الخطأ دون فقدان الشرعية، بينما يُدان العالم العربي على الفعل نفسه بوصفه دليلًا على فشل جوهري في الثقافة والسياسة.
لقد أظهرت الأمثلة المتعلقة بعنف الشرطة الأمريكية، والاحتجاجات، والحروب الخارجية، أن الإعلام العربي السائد يعيد إنتاج لغة التبرير حين يكون الفاعل غربيًا، ولغة الإدانة حين يكون عربيًا او إسلاميا مناهضاً، مما يخلق وعيًا مشوهًا بالعدالة والسيادة والحقوق، وبهذا لا يتحول الإعلام إلى أداة رقابة على القوة، بل إلى وسيط لتبييضها داخل العقل العربي، وإن الخطر الأكبر لهذه الازدواجية لا يكمن في تضليل اللحظة، بل في تشكيل وعي طويل الأمد يرى الهيمنة بوصفها نظامًا أخلاقيًا، والتبعية بوصفها قدرًا حضاريًا، ومن هنا، فإن بناء إعلام عربي معياري مستقل لا يمثل خيارًا ثقافيًا، بل ضرورة سيادية ومعرفية، من دونها سيبقى المجال العام العربي خاضعًا لمن يملك القوة لا لمن يملك الحق.
Niculae, V., et al. (2015). QUOTUS: The Structure of Political Media Coverage as Revealed by Quoting Patterns. arXiv:1504.01383. https://arxiv.org/abs/1504.01383
Pinto, S., et al. (2018). Quantifying Time‑Dependent Media Agenda and Public Opinion. arXiv:1807.05184. https://arxiv.org/abs/1807.05184