باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مقدمة
في زمن تتزاحم فيه الصور اللامعة على الشاشات، وتُقاس فيه المكانة الاجتماعية بما نملك لا بما نكون، لم يعد الغنى حالة اقتصادية فحسب، بل صار خطابًا اجتماعيًا وتمثيلًا يوميًا، نعيش في عالم يُشجّع على الاقتناء السريع، والظهور الأنيق، والإنفاق بلا انتظار، حتى لو كان الثمن هو رهن المستقبل، تحت عناوين براقة مثل “اشترِ الآن وادفع لاحقًا“، و”استمتع بالحياة دون تأجيل”، تشكّلت ثقافة جديدة صنعت ما يمكن تسميته بـ الغنى الكاذب: غنى لا يقوم على الإنتاج ولا على الادخار، بل على الدَّين، وعلى الاستهلاك من أجل الصورة لا من أجل الحاجة، وهكذا تحوّل القسط من أداة تيسير إلى أسلوب عيش، وتحولت الأجال من حلّ مؤقت إلى بنية تحكم قرارات الناس وأحلامهم.
هذا المقال يحاول أن يقرأ ظاهرة الأجال والقسط بوصفها أكثر من معاملة مالية، بل كقوة اجتماعية ونفسية واقتصادية أعادت تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالمستقبل، كيف أصبحنا نبدو أغنياء ونحن أكثر قلقًا؟ ولماذا نملك أشياء كثيرة ونفتقد الأمان؟ وكيف تحوّل الاستهلاك من خدمة للحياة إلى عبء عليها؟
إنها محاولة لفهم لحظة تاريخية يعيش فيها المجتمع داخل رفاه مؤجل، ويدفع ثمنه سلفًا من راحته وطمأنينته وغده.
أموال عراقية من فئة خمسة وعشرون ألف دينار
الأجال والقسط: حين يتقمّص المجتمع ثوب الغنى الكاذب
لم تعد الآجال والقسط مجرّد أدوات مالية لتيسير الشراء، بل تحوّلت في الوعي الجمعي إلى آلية لإعادة تشكيل الهويةالاجتماعية، فالمجتمع لم يعد يسأل: كم تكسب؟ بل: ماذا تملك؟، ولا يهم كيف حصلت عليه، أكان بعرقك أم برهن مستقبلك، في الماضي كان الغنى يُقاس بالقدرة على الدفع الفوري، أي بما يملكه الإنسان حقًا، أما اليوم، فقد أصبح الغنى يقاس بالقدرة على التوقيع على عقد تقسيط، وهنا حدث الانقلاب الخطير: انتقلنا من اقتصاد الملكية إلى اقتصاد الوعد، ومن المال الحقيقي إلى المال المؤجَّل.
القسط يمنح الفرد شعورًا زائفًا بالقوة، حين يخرج من المعرض بسيارة حديثة أو هاتف فاخر، يشعر أنه ارتقى طبقيًا، حتى لو كان في الحقيقة قد انتقل فقط من وضع “محدود الدخل” إلى وضع “أسير للدين”، الفرق أن السجن هذه المرة أنيق، ومزيّن بالإعلانات، ففي المدن العربية والعراقية خصوصًا، صار من المألوف أن ترى أحياء متواضعة تصطف فيها سيارات فارهة، وبيوتًا بسيطة تحوي أجهزة تفوق قيمتها دخل ساكنيها لسنوات، هذا التناقض لا يعبّر عن ازدهار اقتصادي، بل عنازدهار في الاستدانة، المجتمع كله تقريبا يعيش في حالة “استعراض بالتقسيط”، والخطورة ليست في القسط ذاته، بل في تحوّله إلى ثقافة، حين يصبح القسط هو الطريق الطبيعي للاستهلاك، تختفي فكرة الانتظار، والتخطيط، والادخار، نريد كل شيء الآن، حتى لو دفعنا ثمنه لاحقًا بأضعاف، وحتى لو دفعه أولادنا من استقرارهم.
وهنا تتبدل النفسية الجمعية: يصبح تأجيل الشراء ضعفًا… والبساطةعجزًا… والاكتفاء فشلًا… بينما يُقدَّس المظهر ولو كان مبنيًا على رمل الديون.
تاجر التقسيط لا يبيع سلعة فقط، بل يبيع وهم الانتماء الطبقي، يبيعك إحساس أنك صرت “مثل الآخرين”، حتى لو كنت في الحقيقة تغرق أكثر منهم، ولهذا تنتشر الإعلانات التي تخاطب الغرور لا الحاجة: خذ الآن، ادفع لاحقًا، عش مثل الكبار.
ومع تراكم الأقساط، يتحول الراتب إلى أرض محتلة، تُقتطع منه أقساط قبل أن يصل إلى صاحبه، يفقد الإنسان مرونته المالية، ويصبح أي طارئ- مرض، مدرسة، أزمة- تهديدًا وجوديًا، رغم أنه “يبدو” ميسورًا.
هكذا نصل إلى مفارقة مرعبة: مجتمع يبدو غنيًا،لكنه هش… ممتلئ بالأشياء، فارغ من الأمان… مزدحم بالسلع، مثقل بالديون.
إن ثقافة الأجال والقسط، حين تنفصل عن الوعي، لا تخلق رفاهًا، بل تخلق طبقة واسعة من الفقراء المتأنقين، فقراء في الحقيقة، أغنياء في الصورة، أسرى في الواقع، أحرار في الإعلانات.
ثقافة الأجال:غنى اليوم وفقر الغد
لم تأتِ أنظمة البيع بالآجل والقسط لتكون شرًّا في ذاتها، فهي في أصلها أدوات مالية ذكية لتوسيع الطلب وتحريك السوق وتمكين ذوي الدخل المحدود من تلبية حاجاتهم الأساسية، لكن حين انفصلت هذه الأدوات عن منطق الحاجة، وارتبطت بثقافة الاستعراض والمقارنة الاجتماعية، تحوّلت من وسيلة تيسير إلى آلية لاستنزاف المستقبل، الشراء بالأجل لا يرهق الإنسان في لحظة القرار، بل يجمّلها، فهو يفصل بين لذة الاقتناء وألم الدفع، تخرج من المتجر وفي يدك الشيء، لكنك لا تشعر بثمنه، لأن الألم موزّع على شهور قادمة، وهنا تتكوّن أخطر خدعة نفسية: امتلاك بلا ثمن ظاهر. فيبدو لك أنك قادر، بينما أنت في الحقيقة قد وقّعت على اقتطاع جزء من عمرك الاقتصادي القادم.
بهذا المعنى، لا يعيش الفرد في الحاضر بما يملك، بل بما سلفه من مستقبله، يلبس أموال الغد، ويقود راتب الشهر القادم، ويأكل من استقرار السنوات المقبلة، هو غني الآن، لكن هذا الغنى ليس نتاج وفرة، بل نتيجة رهونات مؤجلة، ومع تراكم الأقساط، يفقد الدخل وظيفته الطبيعية كوسيلة للعيش الكريم، ويتحوّل إلى جدول استقطاعات، الراتب لا يدخل البيت ليُدار، بل يُقسَّم قبل أن يصل: هذا للبنك، ذاك للتاجر، وهذا للقسط، وما تبقى للحياة، ومع الوقت، تصبح الحرية الاقتصادية وهمًا، لأن أي قرار جديد- سفر، علاج، تعليم- يجب أن يمر عبر حائط الأقساط، والأخطر من ذلك أن ثقافة الآجال تُضعف القدرة على الادخار. فكيف يدّخر من يعيش أصلًا في ظل التزامات مستقبلية؟ وكيف يخطط من دخله مرهون؟ وهكذا يُعاد إنتاج الهشاشة: اليوم نعيش بمستوى أعلى من دخلنا، وغدًا نهبط تحته.
في النهاية، تصنع ثقافة الأجال مجتمعًا يبدو ميسورًا لكنه بلا وسادة أمان، مجتمعًا يملك أشياء كثيرة، لكنه لا يملك الطمأنينة، وغنى سريع، لامع، لكنه قائم على أرض من الوعود المؤجلة، وما أسهل أن ينهار حين تتعثر أول دفعة.
الأثر النفسي:القلق المقنَّع خلف واجهة الرفاه
الغنى الكاذب لا يصنع راحة، بل يصنع توترًا مزمنًا يتخفّى خلف الابتسامات والصور اللامعة، فالإنسان الذي يعيش فوق قدرته المالية لا يعيش في الحاضر، بل تحت ظل الاستحقاقات القادمة، كل شهر يحمل في داخله موعدًا مع القلق، وكل راتب يُستقبل بخوف لا بفرح، لأنه مُطالب قبل أن يُنفق.
هذا النمط من العيش يولّد حالة نفسية معقّدة: الفرد يبدو ناجحًا أمام الآخرين، لكنه يشعر في داخله بالعجز، يبدو مستقرًا، مرهون سلفًا، ويتعمّق هذا القلق بسبب المقارنة المستمرة، فمن يعيش في ثقافة الاستعراض يرى دائمًا من يبدو أفضل منه، أغنى منه، أكثر بريقًا، فيشعر بأنه متأخر مهما أنفق، وأن صورته بحاجة إلى المزيد من التلميع، فيدخل في حلقة استهلاك لا تنتهي، وهنا يتحول الإنفاق من خيار إلى سلوك قهري هدفه تهدئة شعور النقص لا تلبية الحاجة.
داخل الأسرة، يترجم هذا الضغط إلى توتر صامت: خلافات حول المصروف، شعور بالذنب عند كل شراء، وخوف من الانكشاف المالي. فيعيش الجميع داخل بيت يبدو مريحًا، لكنه مشحون نفسيًا، لأن الأمان الحقيقي- أمان الغد- مفقود.
الأثر الاجتماعي:مجتمع من الممثلين
حين يعمّ الغنى الكاذب، لا يتضرر الفرد وحده، بل يتشوّه النسيج الاجتماعي كله، المجتمع يتحول إلى مسرح كبير، كل شخص فيه يؤدي دور “الناجح” و”الميسور”، حتى لو كان مثقلًا بالديون، لا أحد يريد أن يظهر كما هو، لأن الصدق صار مخاطرة اجتماعية، وبهذا المعنى، تختفي الطبقة الوسطى المتزنة، تلك التي كانت تمثل التوازن بين العيش الكريم والإنفاق العقلاني، بدلًا منها، تظهر طبقة واسعة من “المتظاهرين بالرفاه”، يملكون أشياء كثيرة لكنهم لا يملكون استقرارًا حقيقيًا، وتتبدل معايير القيمة الإنسانية، لم يعد يُسأل الإنسان: ماذا يعمل؟ ماذا يقدّم؟ بل: ماذا يملك؟ ماذا يلبس؟ ماذا يقود؟ فتُختزل الكرامة في المظهر، ويُختزل النجاح في الصورة، ويصبح من الطبيعي أن يُحترم من يستهلك أكثر، لا من ينتج أكثر.
في هذا السباق، يقلّد الفقير الغني ليحفظ مكانته، ويقلّد الغني من هو أغنى ليحافظ على تفوّقه، فيرتفع سقف التوقعات بلا نهاية، ومع كل ارتفاع، تتسع فجوة الإحباط، ويخسر الجميع:
الفقير لأنه يستنزف نفسه ليبدو غيره
والغني لأنه يعيش تحت ضغط التفوق الدائم
والمجتمع لأنه يفقد الصدق والتوازن
وهكذا، بدل أن يكون المال أداة لتنظيم الحياة، يصبح أداة لإنتاج التوتر والتمثيل الاجتماعي، وتتحول الرفاهية من نعمة إلى عبء نفسي وجماعي.
الأثر الاقتصادي:استنزاف بلا إنتاج
على المستوى الاقتصادي، لا يظهر الغنى الكاذب كظاهرة فردية فحسب، بل كاختلال بنيوي في طريقة دوران المال داخل المجتمع، فحين يُبنى الاستهلاك على الدَّين لا على الدخل الحقيقي، تتحول الحركة الاقتصادية من مسار التراكم والإنتاج إلى مسار الاستنزاف والدوران الفارغ، وأول مظاهر ذلك هو انهيار ثقافة الادخار، الفرد الذي يعيش بأقساط متراكمة لا يستطيع أن يحتفظ بفائض، لأن دخله موزّع سلفًا على التزامات مستقبلية، ومع غياب الادخار، يغيب الأمان المالي، ويغيب معه رأس المال الصغير الذي كان يمكن أن يتحول إلى مشروع، أو تعليم، أو استثمار طويل الأمد.
ثم تأتي المديونية الفردية بوصفها السمة الغالبة، الناس لا تعيش بمواردها، بل بموارد لم تحصل عليها بعد، وهذا يجعل الاقتصاد هشًا أمام أي صدمة: مرض، فقدان وظيفة، أزمة سياسية. فالمجتمع الذي يقوم على الديون لا يملك هامش الصمود، بل يعيش دائمًا على حافة الانهيار، ويُضاف إلى ذلك تشوّه اتجاه الإنفاق، فالغنى الكاذب يدفع الناس إلى صرف الجزء الأكبر من دخولهم على الكماليات: أجهزة، سيارات، مظاهر، مناسبات، بينما تُهمَل مجالات لا تُرى لكنها تصنع المستقبل: التعليم، الصحة، التدريب، المشاريع الصغيرة، التطوير الذاتي… وهكذا يُستبدل الاستثمار بما يلمع، لا بما يُنتج.
في النتيجة، يدور المال بسرعة، لكن دون تنمية، السوق نشط، لكن المجتمع لا يتقدم، الاستهلاك مرتفع، لكن القيمة المضافة ضعيفة. وكأننا نحرك عجلة الاقتصاد بقوة، لكنها تدور في مكانها.
نحو وعي اقتصادي واجتماعي جديد
ليست المشكلة في القسط ولا في الرفاهية بحد ذاتها، فهما قد يكونان أدوات مشروعة لتحسين الحياة، المشكلة حين يتحولان إلى هوية اجتماعية، وحين يصبح الإنسان مطالبًا بأن يبدو غنيًا أكثر مما يكون مستقرًا، التحول المطلوب هو انتقال من:
الاستعراض إلى الكفاية
من السعر إلى القيمة
من الرغبة إلى الحاجة
من الصورة إلى الإنسان
أن نشتري ما يخدم حياتنا، لا ما يخدم نظرة الآخرين إلينا، أن نختار ما يضيف إلى مستقبلنا، لا ما يلمع في حاضرنا. فالغنى الحقيقي لا يُقاس بعدد ما نملك، بل بعدد ما لا نضطر لشرائه لنشعر بأن لنا قيمة.
الخاتمة
في عالم الأجال والقسط، لم نعد نعيش بما نملك، بل بما وعدنا أن ندفعه. تبدو بيوتنا ممتلئة، وأسواقنا مزدحمة، وصورنا الاجتماعية لامعة، لكن خلف هذا البريق تختبئ حقيقة أكثر قسوة: حياة مرهونة للمستقبل، وطمأنينة مؤجلة، وقلق يسكن التفاصيل اليومية، لقد علّمنا الغنى الكاذب كيف نشتري أكثر مما نحتاج، وكيف نُرضي عيون الآخرين قبل أن نُرضي حاجاتنا الحقيقية. فصرنا نركض وراء الصورة بدل أن نبني الجوهر، ونراكم الأشياء بينما نفقد الأمان. وفي هذا السباق، لا يربح أحد، لأن الكلفة تُدفع من راحة الإنسان واستقراره النفسي والاجتماعي.
إن استعادة المعنى الحقيقي للغنى لا تبدأ من تقليل الإنفاق فحسب، بل من استعادة الوعي: وعي بأن الكفاية أرقى من الاستعراض، وأن الحرية المالية أثمن من أي مظهر، وأن الإنسان أغنى حين لا يحتاج إلى إثبات قيمته بشراء ما لا يخدم حياته.
فالغنى الحقيقي ليس فيما نملكه، بل في قدرتنا على أن نعيش بلا خوف من الغد، وبلا قيدٍ اسمه القسط، وبلا قناعٍ اسمه الغنى.