تدجين الشعوب في النظام الدولي المعاصر

قراءة تحليلية في التخويف والتهويل الإعلامي كأدوات للهيمنة الناعمة

إعداد: مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

شهد النظام الدولي المعاصر تحوّلًا جوهريًا في أنماط ممارسة القوة والهيمنة، فالدول الكبرى لم تعد ترى في الاحتلال العسكري المباشر وسيلة ناجعة ودائمة لبسط نفوذها، لما ينطوي عليه من كلفة بشرية واقتصادية وأخلاقية عالية، فضلًا عن كونه محفزًا للمقاومة ومُنتجًا لعدم الاستقرار، وبدلًا من ذلك، جرى الانتقال إلى أنماط أكثر تعقيدًا وفاعلية تقوم على إدارة الإدراك الجمعي، وتوجيه وعي المجتمعات المستهدفة، بما يحقق السيطرة بأدوات أقل صخبًا وأكثر رسوخًا.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم التدجين (تدجين الشعوب) بوصفه مدخلًا تفسيريًا لفهم كيفية تحييد المجتمعات سياسيًا ونفسيًا، وتحويلها من قوى فاعلة قادرة على الفعل والتأثير، إلى جماعات منفعلة تتكيف مع واقع الهيمنة وتعيد إنتاجه داخليًا، وتفترض هذه الدراسة أن التخويف والتهويل الإعلامي بالقوة العسكرية للدول العظمى، ولا سيما الولايات المتحدة، يمثلان اليوم أحد أكثر أدوات التدجين تأثيرًا، ليس فقط عبر بث الخوف، بل عبر إقناع الشعوب بأن الهيمنة قدر تاريخي لا يمكن مقاومته، وأن أي مشروع استقلالي محكوم سلفًا بالفشل.

 

التدجين بوصفه نمطًا حديثًا للهيمنة

لا يقوم التدجين في صورته المعاصرة على القسر المباشر، بل على إعادة تشكيل منظومة القيم والتصورات التي تحكم وعي الفرد والجماعة، فحين تنتقل الطاعة من كونها استجابة خوفية لقوة قاهرة إلى كونها خيارًا داخليًا يبدو عقلانيًا وواقعيًا، تكون الهيمنة قد بلغت مرحلتها الأعمق، في هذه الحالة، لا يعود المهيمن بحاجة إلى فرض إرادته بالقوة، لأن المجتمع نفسه يتكفل بضبط سلوكه، وتقييد خياله السياسي، ومحاسبة أي محاولة للخروج عن السردية السائدة.

يتقاطع هذا الفهم مع أطروحات الهيمنة الثقافية التي ترى أن السيطرة الحقيقية تتحقق حين تتبنى الجماعات الخاضعة منظومة القيم والمعايير التي يفرضها الطرف المهيمن، وحين يُعاد تعريف مفاهيم مثل النجاح، والتقدم، والاستقرار، والمصلحة الوطنية، بما يخدم استمرار التبعية، وهنا لا تُقمع المقاومة فحسب، بل تُشيطن، ويُعاد تصويرها بوصفها تهديدًا للسلام الاجتماعي أو مغامرة غير محسوبة العواقب.

 

التخويف والتهويل الإعلامي: صناعة العجز الجمعي

في قلب هذا النمط من الهيمنة يقف الإعلام بوصفه أداة مركزية لإنتاج المعنى وصياغة الإدراك، فالتهويل الإعلامي بالقوة العسكرية للدول العظمى لا يهدف إلى الإخبار بقدر ما يهدف إلى تشكيل شعور دائم بالعجز لدى الشعوب المستهدفة، يتم تقديم القوة الأميركية، على سبيل المثال، بوصفها قدرة مطلقة لا تُهزم، مع التركيز المكثف على التفوق التكنولوجي والعسكري، في مقابل تغييب ممنهج للإخفاقات التاريخية التي أثبتت حدود هذه القوة وعجزها عن حسم الصراعات المعقدة.

يتحول الإعلام، في هذا السياق، إلى آلة لإعادة إنتاج الخوف، لا من الحرب ذاتها، بل من مجرد التفكير في الرفض أو المقاومة، ويجري تطبيع فكرة تغيير الأنظمة عبر الخطاب الإعلامي بوصفها عملية تقنية شبه حتمية، تُدار عن بُعد، وتُقدم أحيانًا في ثوب أخلاقي أو إنساني، بينما تُغيَّب الكلفة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي تترتب على هذا النوع من التدخلات.

 

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يبقى حبيس المنصات الغربية، بل يجد طريقه إلى وسائل إعلام محلية ونخب ثقافية تقوم بإعادة إنتاجه دون تفكيك ناقد، فتتحول من أدوات توعية إلى وسائط تدجين، وتشارك- بوعي أو بدونه- في تعميم الإحباط وتضييق أفق التفكير البديل.

 

الهشاشة الداخلية كشرط لنجاح التدجين

مع ذلك، لا يمكن فهم نجاح التهويل الإعلامي بمعزل عن السياقات الداخلية للمجتمعات المستهدفة، فالتدجين لا يُفرض على مجتمعات متماسكة تمتلك ثقة عالية بذاتها ومؤسساتها، بل ينجح حيث تتراكم الهشاشة السياسية والاقتصادية والفكرية، حين تتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، ويتحول الفساد إلى بنية لا إلى انحراف، ينشأ فراغ نفسي يجعل الدفاع عن الدولة أو المشروع الوطني أمرًا بلا معنى وجداني.

كما تلعب التبعية الاقتصادية دورًا حاسمًا في تعميق هذا الفراغ، فالاقتصادات الريعية التي تعتمد على الخارج في تلبية احتياجاتها الأساسية، تُنتج وعيًا يرى في القوى الكبرى مصدر الحلول لا جزءًا من المشكلة، ومع غياب المشاريع الوطنية الجامعة، يجد الشباب أنفسهم أمام سرديات وافدة تقدم الهيمنة بوصفها واقعًا لا بد من التكيف معه، لا ظاهرة يمكن تفكيكها ومقاومتها.

 

السياق الإقليمي: التفصيل وفق الخصوصية

تكشف قراءة السياقات الإقليمية عن قدرة عالية لدى القوى المهيمنة على تفصيل أدوات التدجين وفق خصوصية كل مجتمع، ففي العراق، تراكمت الصدمات الناتجة عن الحروب والاحتلال والانقسام السياسي، لتنتج وعيًا مثقلًا بالإنهاك، يرى الخارج بوصفه المنقذ المحتمل، ويشكك في أي قدرة داخلية على النهوض، أما في العالم العربي الأوسع، فقد أُعيد إنتاج معادلة قسرية بعد عام 2011، تقوم على تخيير المجتمعات بين الاستبداد أو الفوضى، وهو شكل متقدم من التدجين السياسي القائم على الخوف من البديل.

وتبرز الحالة الإيرانية بوصفها نموذجًا مكثفًا لسياسة التهويل والعزل، فالخطاب الإعلامي الموجه ضد إيران لا يستهدف الداخل الإيراني فحسب، بل يؤدي وظيفة ردعية نفسية أوسع، عبر إرسال رسالة ضمنية إلى بقية شعوب المنطقة مفادها أن أي مشروع استقلالي أو مقاوم سيواجه بالعزل والضغط والتهديد الدائم، وبهذا المعنى، تتحول إيران إلى أداة تخويف رمزية، لا مجرد خصم سياسي.

في خلاصة القول يمكن نشير إلى أن تدجين الشعوب في النظام الدولي المعاصر لم يعد نتاج التفوق العسكري وحده، بل نتيجة تفاعل معقد بين التخويف الإعلامي والهشاشة الداخلية، فالهيمنة الأشد رسوخًا هي تلك التي تُقنع الشعوب بأن الخضوع عقلانية، وبأن الهزيمة قدر، وبأن البدائل وهم خطير، وفي مواجهة هذا النمط من السيطرة، لا تكمن المعركة الأساسية في موازين السلاح، بل في ميدان الوعي والسردية والمعنى.

إن كسر منطق التدجين يبدأ باستعادة الحق في السؤال، وفي الشك، وفي إعادة تعريف القوة والمصلحة والواقعية السياسية، وببناء خطاب وطني قادر على تفكيك الخوف بدل إعادة إنتاجه، وإعادة الإنسان إلى موقعه بوصفه فاعلًا تاريخيًا لا متلقيًا سلبيًا.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى