إعداد: مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لا يمكن الحديث عن تماسك المجتمع واستقراره من دون التوقف بإجلال أمام الدور المركّب الذي تؤديه الزوجة العاملة، فهي ليست مجرد امرأة خرجت إلى سوق العمل، بل كيان إنساني يعيش على تماس دائم بين الواجب والمسؤولية، بين الطموح الشخصي ومتطلبات الأسرة، إنها تتحرك يومياً في مساحة ضيقة بين زمنين: زمن البيت الذي لا ينتظر، وزمن العمل الذي لا يرحم، وتحاول بصبر صامت أن تحفظ التوازن دون أن ينكسر أحد الطرفين.
وفي ميزان القيم الدينية والإنسانية، لا تُقاس عظمة الإنسان بكمّ الضجيج الذي يصنعه، بل بقدرة تحمّله، وبصدق نيّته، وبحجم الأثر الذي يتركه فيمن حوله، ومن هنا تبدو الزوجة العاملة أنموذجاً حياً لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فإحسانها لا يقتصر على فعل واحد، بل يتوزع على تفاصيل يومية صغيرة، لكنها عميقة الأثر.
الخامسة فجراً… حين يبدأ السباق الذي لا يراه أحد
تبدأ رحلة الزوجة العاملة قبل أن تبدأ المدينة في الاستيقاظ، والخامسة فجراً ليست مجرد وقت مبكر، بل هي مساحة صامتة تُدار فيها الحياة، وفي هذا الوقت، لا تكون المرأة في مطبخها فقط، بل في غرفة قيادة كاملة: تخطط، تراجع، وتعيد ترتيب اليوم بأكمله في ذهنها قبل أن تضع قدمها خارجه.
هذا الاستيقاظ المبكر ليس بطولة درامية، ولا اختياراً ترفياً، بل ضرورة فرضها واقع تعدد الأدوار، وهنا يتجلّى معنى الصبر بوصفه فعلاً واعياً، لا حالة سلبية، فالصبر، كما في الرؤية الإسلامية، ليس تحمّلاً أعمى، بل قدرة على الثبات مع العمل، وهو ما أشار إليه إمامنا علي (عليه السلام): الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
إن ما تقوم به الزوجة العاملة في هذا الوقت هو بناء الاستقرار قبل أن يبدأ الاضطراب، وهي فلسفة حياتية عميقة لا يتقنها إلا من أدرك أن النجاح الخارجي يبدأ من طمأنينة الداخل.
جسد في العمل… وقلب معلّق بالبيت
حين تغادر الزوجة العاملة منزلها، لا تغادره فعلياً، فالبيت يسير معها، يتسلل إلى أفكارها، ويشاركها مكتبها واجتماعاتها وقراراتها، إذ تعيش حالة نفسية معقدة يمكن تسميتها بـ الحضور المزدوج، فهي مطالبة بالتركيز المهني الكامل، وفي الوقت نفسه تظل مشدودة إلى تفاصيل عائلية دقيقة.
وهنا تظهر قدرة عقلية- انفعالية عالية في إدارة القلق، لا يدرك ثقلها إلا من جرّبها، فأن تكون ناجحاً في عملك وأنت مطمئن البال أمر، وأن تكون ناجحاً وأنت تحمل همّ أبنائك وأسرتك في داخلك أمر آخر تماماً، وهذه المعادلة الصعبة تكشف عن قوة داخلية ناعمة، لا تُرى لكنها حاسمة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الإسلام لم يفصل بين العمل والأسرة، بل جعل كليهما في إطار واحد هو النية، فحين تعمل المرأة لإعالة أسرتها، أو لدعم استقرارها، فإن عملها يتحول من وظيفة إلى عبادة، ومن جهد دنيوي إلى معنى أخلاقي عميق.
سقوط وَهْم المثالية… وبداية السلام مع الذات
من أكثر ما يستنزف الزوجة العاملة نفسياً هو سعيها الدائم إلى الكمال، فهي تريد أن تكون حاضرة بلا نقص، منتجة بلا خطأ، عطوفة بلا تعب، لكنها تكتشف- مع مرور الوقت- أن هذا السعي المستحيل هو مصدر إنهاكها الأول.
التحرر الحقيقي يبدأ حين تعي أن المثالية وهم ثقيل، وأن الله سبحانه لم يكلّف الإنسان إلا بوسعه، يقول تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وهذا الإدراك ليس تبريراً للتقصير، بل تصحيح لمعنى النجاح، فالنجاح الواقعي ليس أن ننجز كل شيء، بل أن ننجز الأهم في الوقت الممكن، وأن نغفر لأنفسنا ما تعذّر.
التصالح مع الذات هنا يصبح فعلاً شجاعاً، يحمي المرأة من الاحتراق النفسي، ويمنحها القدرة على الاستمرار دون أن تفقد إنسانيتها.
الأم العاملة كقدوة صامتة
بعيداً عن الأحكام المسبقة، تثبت التجربة الواقعية أن الأبناء لا يتأثرون بغياب الأم لساعات بقدر ما يتأثرون بنمط حضورها، فالزوجة العاملة، حين تعود إلى بيتها، لا تعود فارغة، بل محمّلة بخبرة وتجربة ورؤية أوسع للحياة.
يرى الأبناء في أمهم أنموذجاً للالتزام، للمسؤولية، وللكرامة المرتبطة بالعمل، يتعلمون- دون دروس مباشرة- أن الجهد قيمة، وأن الاعتماد على النفس فضيلة، وأن النجاح لا يُمنح بل يُنتزع بالصبر.
وهنا يتجسد مفهوم القدوة العملية التي أكد عليها الدين، حيث يكون السلوك أبلغ من القول، والفعل أصدق من النصيحة.
الرعاية الذاتية… حق لا ترف
في خضم هذا العطاء المتواصل، تغفل كثير من الزوجات العاملات عن حقيقة أساسية: أن النفس إذا أُنهكت، ضعُف عطاؤها، والرعاية الذاتية ليست أنانية، بل وعي، وهي تتسق تماماً مع المفهوم النبوي العميق: إن لبدنك عليك حقاً.
أن تمنح المرأة نفسها لحظة هدوء، أو ترفض حملاً إضافياً، أو تطلب دعماً، فذلك ليس انسحاباً من المسؤولية، بل إدارة ذكية للطاقة، فالاستمرار في العطاء يحتاج إلى حكمة، لا إلى استنزاف.
الخاتمة
تحية لمن يصنعن التوازن في عالم مختل في عالم سريع الإيقاع، مضطرب الأولويات، تقف الزوجة العاملة كعمود توازن صامت، لا ترفع شعاراً، ولا تطلب تصفيقاً، لكنها تُنجز ما يعجز عنه كثيرون، وتبني استقرار أسرتها، وتسهم في حركة المجتمع، وتدفع ثمناً نفسياً لا يُرى.
إنها ليست فقط زوجة وأماً وموظفة، بل مشروع صبر مستمر، ودليل حي على أن العطاء حين يُقرن بالإيمان والوعي، يتحول إلى أثرٍ باقٍ.
تحية لكل زوجة عاملة… لأنكِ لا تؤدين أدواراً، بل تصنعين معنى.
الاستنتاجات
-
الزوجة العاملة ركيزة استقرار لا دوراً ثانوياً: فالزوجة العاملة ليست طرفاً مكمّلاً في معادلة الأسرة والمجتمع، بل عنصر توازن محوري، يسهم في الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي، من خلال إدارة واعية لتعدد الأدوار لا تقوم على الصراع، بل على التكيّف الذكي.
-
الصبر هنا فعل واعٍ لا احتمال سلبي: فصبر الزوجة العاملة ليس خضوعاً للواقع، بل ممارسة عقلية-إيمانية نشطة، قائمة على التخطيط، وضبط الانفعال، والاستمرار رغم الضغط، وهو صبر منتج لا معطِّل، يتكئ على وعي ديني عميق بمعنى المسؤولية.
-
العمل حين تقترن به النية يتحول إلى قيمة أخلاقية: وان الفصل بين العمل والأسرة فصلٌ مصطنع، فعمل المرأة، متى ما ارتبط بنية الإعالة والاستقرار، يكتسب بُعداً عبادياً وأخلاقياً، ويغدو جزءاً من منظومة القيم لا مجرد وظيفة زمنية.
-
الحضور المزدوج مصدر قوة خفية لا عبء فقط: فالحالة النفسية التي تعيشها الزوجة العاملة- بين العمل والبيت- ليست مجرد ضغط، بل قدرة عالية على إدارة القلق واتخاذ القرار تحت توتر مستمر، وهي مهارة نفسية نادرة غالباً ما تُهمَل في التقدير الاجتماعي.
-
سقوط وهم المثالية شرط للسلام النفسي والاستمرار: ان التحرر من نزعة الكمال هو نقطة تحوّل أساسية في حياة الزوجة العاملة، وأن النجاح الواقعي يُقاس بالحكمة في ترتيب الأولويات، لا باستنزاف الذات في ملاحقة صورة مثالية مستحيلة.
-
الأم العاملة نموذج تربوي فعلي لا خطابياً: نؤكد أن أثر الأم العاملة في أبنائها يتجسد في السلوك اليومي لا في عدد ساعات الغياب، حيث تنقل إليهم قيماً عميقة كالمسؤولية، والاعتماد على النفس، واحترام العمل، من خلال القدوة الصامتة.
-
الرعاية الذاتية ضرورة أخلاقية لا ترفاً شخصياً: نستنتج أن تجاهل احتياجات النفس والجسد يهدد استدامة العطاء، وأن الاعتناء بالذات فعل وعي وحكمة، يتسق مع التصور الديني للإنسان بوصفه أمانة لا آلة استنزاف.
-
الزوجة العاملة مشروع معنى طويل الأمد: فالزوجة العاملة مشروع صبر ومعنى، لا مجرد مجموعة أدوار، حيث يتحول عطاؤها المتراكم- وإن كان غير مرئي- إلى أثر اجتماعي وإنساني باقٍ.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى