بقلم: د. حسن هاشم حمود
باحث في مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
المقدمة
“ليس الإنسان في طور التحوّل إلى آلة، بل الآلة هي التي في طور التحوّل لتصبح إنسانًا”
بهذه العبارة الاستشرافية عبّر الفيلسوف الفرنسي بول فاليري (Paul Valéry) في دفاتره الشهيرة، مطلع القرن العشرين، عن رؤية فلسفية سبقت عصرها، وبدت آنذاك أقرب إلى التأمل المجرد منها إلى الوصف الواقعي، وإذا لم يكن عالم الحاسوب الأمريكي جون مكارثي (John McCarthy)، حين صاغ مصطلح الذكاء الاصطناعي لأول مرة سنة 1955، يدرك أن هذا المفهوم سيغدو محورًا للنقاش العالمي بعد نحو نصف قرن، فإن فاليري قد استشرف، بمقولته تلك، ملامح المستقبل، فجاء قوله بمثابة نبوءة لما نعيشه اليوم.
لقد أثبتت أنظمة الذكاء الاصطناعي فاعليتها ونجاعتها في خدمة البشرية، وأسهمت في تطوير مجالات متعددة، غير أن هذه الثورة التكنولوجية تختلف جذريًا عن سابقاتها، سواء من حيث درجة التعقيد أو سرعة التحوّل، الأمر الذي أفرز جوانب مظلمة لا يمكن تجاهلها، فإطلاق العنان للتحول الرقمي دون وعي بمخاطر الانحياز للذكاء الاصطناعي على حساب البعد الإنساني يضع المجتمعات المعاصرة أمام تحديات عميقة على مختلف الأصعدة، وفي مقدمتها التحديات القانونية، ولا سيما ما يتعلّق بالمسؤولية المدنية.
وفي هذا السياق، أعلن إيلون ماسك، مؤسس شركة تسلا، خلال الشهر الماضي، عن الجيل الجديد من الروبوتات الشبيهة بالإنسان، متحدثًا عن اقتراب إنتاج نماذج أكثر تطورًا قادرة على إنجاز مهام معقدة كان يُعتقد أنها حكر على البشر، مثل رعاية الأطفال أو حمل الأجنّة، كما أشار إلى أن عدد الروبوتات قد يتجاوز عدد سكان العالم بحلول عام 2040. وتثير هذه التطورات، إلى جانب التصورات المستقبلية المرتبطة بها، جملة من الأسئلة الوجودية العميقة حول موقع الإنسان في عالم آخذ في التشكل: فإذا كانت الوظائف المادية والمعنوية للكائن البشري قابلة للنقل إلى كيانات غير بشرية، فهل سيظل الإنسان مركز الكون بالمعنى الذي قامت عليه النزعات الإنسانيّة الكلاسيكية؟ وما ملامح المجتمعات الهجينة التي سيتعايش فيها الإنسان مع الروبوت؟ ومن يقود الآخر؟ وإذا كانت الشرائح والأعضاء الاصطناعية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي قادرة على رفع القدرات البشرية، فمن هم البشر الذين ستُعزَّز قدراتهم؟ ومن يمتلك سلطة الاختيار؟ وماذا عن البشر الذين قد يُتركون خلف الركب؟ وأي منظومة قيمية ستوجّه البشرية في عصر الروبوتات النشطة؟.
ففي هذا المقال سنسلط الضوء على اهمية الذكاء الاصطناعي ومخاطره ومدى جدية فكرة ما بعد الإنسانية.
أولًا: أهمية الذكاء الاصطناعي
تنبع أهمية الذكاء الاصطناعي من الحضور المتزايد للآلة في حياة الإنسان، إذ سعى البشر منذ القدم إلى ابتكار الأدوات والآلات لتسهيل شؤون حياتهم اليومية، ومع تطور الحاجات البشرية، تطورت الآلات وتنوّعت وظائفها، وتعزّزت العلاقة بين الإنسان والآلة على نحو متصاعد، غير أن التعقيد المتزايد للوظائف والمهام في العصر الراهن جعل الآلات التقليدية عاجزة عن مواكبة المتطلبات الحاضرة والمستقبلية، وهو ما ضاعف من دور الذكاء الاصطناعي وأهميته.
ويمكن إبراز أهمية الذكاء الاصطناعي في النقاط الآتية:
-
الإسهام في الحفاظ على تراكم الخبرات البشرية من خلال نقلها وتخزينها في الأنظمة الذكية.
-
أداء دور محوري في مجالات متعددة، كتشخيص الأمراض، وتحديد العلاجات المناسبة، وتقديم الاستشارات القانونية والمهنية، والتعليم التفاعلي.
-
تعزيز الموضوعية في اتخاذ القرار بفضل ما تتمتع به الأنظمة الذكية من دقة واستقلالية، بما يقلل من الانحياز والأخطاء البشرية.
-
تمكين استخدام اللغات الإنسانية في التفاعل مع الآلات بدل لغات البرمجة، مما يتيح الاستفادة منها لمختلف فئات المجتمع، بما في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة.
-
التخفيف من المخاطر والضغوط الواقعة على الإنسان من خلال إسناد الأعمال الشاقة والخطرة للآلات، وإتاحة الفرصة للبشر للانخراط في أعمال أكثر إنسانية.
ثانيًا: أنواع الذكاء الاصطناعي وفقًا للتطبيق والاستخدام
وفقًا لتصنيف (Tyagi, 2021)، يشمل سوق الذكاء الاصطناعي الأنواع الآتية:
-
تعلم الآلة: وهو العلم الذي يمكّن الآلة من تحليل البيانات والتحقق منها باستخدام خوارزميات رياضية متقدمة، بهدف مساعدة الإنسان على حل المشكلات.
-
الشبكات العصبية: تعتمد على محاكاة عمل الجهاز العصبي البشري، من خلال الدمج بين علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي لتنفيذ مهام معقدة.
-
الروبوتات: تقوم على تداخل تخصصات متعددة مثل الهندسة الميكانيكية والكهربائية وعلوم الحاسوب.
-
الأنظمة الخبيرة: تحاكي أنماط التفكير البشري في اتخاذ القرار للتعامل مع المشكلات المعقدة.
-
المنطق الضبابي: يعالج المعلومات غير المؤكدة من خلال تقييم درجات الاحتمال، على غرار التفكير البشري.
-
البرمجة اللغوية العصبية: تهدف إلى تمكين الآلات من فهم اللغات البشرية وتحليل النصوص وترجمتها.
ثالثًا: مخاطر وتهديدات استخدام الذكاء الاصطناعي
رغم فوائده، ينطوي الذكاء الاصطناعي على مخاطر اقتصادية وأمنية وإنسانية، منها تهديد فرص العمل، والاستخدامات العسكرية، والهجمات السيبرانية، وتزييف المعلومات، والتلاعب بالبيانات، ما قد يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتحويل الإنسان إلى مجرّد وحدة بيانات داخل منظومة تقنية معقدة.
رابعًا: التكنولوجيا الحيوية كخارطة طريق للمستقبل ما بعد البشري
تُعدّ التكنولوجيا الحيوية (Biotechnology) ثمرة تفاعلٍ معرفيّ متكامل بين مجموعة واسعة من العلوم والتخصصات، من بينها علم الأحياء، والطب، والهندسة، والتقنيات الحديثة، ويُقصد بها مختلف أشكال التدخل التقني في حياة الإنسان وجسده، من خلال عمليات زراعة الأنسجة، واستخدام الخلايا الجذعية، وإبقائه تقنيًا على قيد الحياة بواسطة أجهزة طبية متخصصة، كما تشمل التكنولوجيا الحيوية جميع أشكال التدخل في الكائن الحي، فضلًا عن التطبيقات الجزئية المرتبطة بالجينات والبروتينات، وكل ما يتصل بالهندسة الوراثية وتطبيقاتها، وصولًا إلى إنشاء البطاقات الوراثية الجينية للجنس البشري وغيره من الكائنات الحية، سواء تم ذلك عبر تكييف الجينات، أو تعديلها، أو نقلها، أو عزلها، أو تنقيتها، أو تطعيمها، أو حتى دمجها.
ويُقصد بالتكنولوجيا الحيوية أيضًا القدرة على توظيف المعارف المختلفة المرتبطة بالكائنات الحية، والاستفادة من المهارات والابتكارات العلمية في شتى المجالات، ودراستها دراسة منهجية قائمة على أسس علمية دقيقة، بغية تطبيقها على الكائنات الحية بهدف الاستحداث أو التعديل وتحسين الأداء الحيوي، بما يخدم الكائن الحي والبيئة والإنسان على وجه الخصوص.
وفي هذا الإطار، دعا من أطلقوا على أنفسهم اسم «الإنسانيين الجدد» أو «أنصار الإنسان البديل» إلى تعزيز قدرات الإنسان إلى أقصى حد ممكن، بهدف صريح يتمثل في دعم التكنولوجيا الحيوية لتحسين حياة البشر، ويعتقد دعاة الإنسان البديل، ومن أبرزهم نِك بوستروم وماكس مور، أن التكنولوجيا الحيوية يمكن توظيفها لتحسين حياة الإنسان، كما يرون أنه لا توجد مبررات أو أوامر أخلاقية تحظر تطوير واستخدام تقنيات تعزيز القدرات البشرية، وقد عبّر أحد الفلاسفة المتحمسين لعصر ما بعد الإنسان عن هذا التوجه بقوله إن الإنسان كائن ناقص، لم يستقر بعد على طبيعة نهائية، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في خصائصه وطبيعته، معتبرًا أن «الطبيعة البشرية» ليست سوى أسطورة، ولا يوجد شيء طبيعي بصورة تامة.

خامسًا: فكرة السير نحو ما بعد الإنسانيّة
يُعد مفهوم ما بعد الإنسانيّة مظلّة جامعة لعدد من المفاهيم والمدارس الفكرية، ويبرز ضمنه مفهومان أساسيان، في مقدّمتهما مفهوم ما بعد الإنسانيّة (Posthumanism) ويشير هذا المفهوم أساسًا إلى نقد الفكرة التقليدية التي تنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا مركزيًا متميّزًا عن غيره في الكون، ويسعى خطاب ما بعد الإنسانيّة إلى تفكيك الحدود الثنائية التي طالما حكمت الفلسفة الغربية، مثل: الإنسان/ غير الإنسان، الطبيعة/ الثقافة، الذات/ الموضوع، كما يهدف هذا التوجّه إلى إعادة النظر في مفهوم الوكالة ودورها، من خلال إدراج الكيانات غير البشرية، كالبئية والآلات، ضمن دائرة الفاعلية والتأثير، وهو ما يتقاطع مع مفهوم «وكالة غير البشر» الذي يدعم الاتجاه ذاته.
اما المفهوم الثاني لما بعد الإنسانيّة التقنيّة / العابرية الإنسانية (Transhumanism) وهو اتجاه فلسفي- تقني يدعو إلى تجاوز حدود الجسد والعقل البشري عبر التكنولوجيا، بهدف تحسين الإنسان بيولوجيًا ومعرفيًا، وربما تحقيق الخلود أو الذكاء الفائق، أبرز مرتكزاته، تعزيز القدرات البشرية (العقلية، الجسدية، الحسية) ودمج الإنسان مع التقنية (الشرائح، الذكاء الاصطناعي، الهندسة الوراثية)، والإيمان بالتقدم العلمي بوصفه أداة خلاص، والسعي إلى الإنسان المُحسَّن (Enhanced Human) أو الكائن السيبورغي.
ويؤكد خطاب ما بعد الإنسانيّة أن الطبيعة البشرية سائلة، متغيرة، ومتشابكة مع كيانات غير بشرية، فمع التقدّم السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والروبوتات، بدأت الخطوط الفاصلة بين البشر وغير البشر تتضاءل بشكل متزايد، مما يجعل الأسئلة المتعلقة بالهوية البشرية، والاستقلالية، والأخلاق، ودور التكنولوجيا في تشكيل المجتمعات المستقبلية، في صميم الخطاب ما بعد الإنساني.
وتُعدّ التكنولوجيا الحيوية من أبرز القضايا المطروحة للنقاش في عصرنا الراهن، لما تنطوي عليه من أبعاد معرفية متعددة، فهي من جهة موضوع علمي، ومن جهة أخرى قضية ذات أبعاد قيمية وفلسفية عميقة مرتبطة بالإنسان، إذ يؤكد المتحمسون للمنجزات العلمية أن التكنولوجيا الحيوية تمثل أعظم هدية قدمها العلم والتكنولوجيا للبشرية، كونها ستنقل الإنسان إلى عصر ما بعد الإنسانيّة، وهو العصر الذي يُتوقع أن يلبّي طموحات طالما سعى الإنسان لتحقيقها، مثل: جسد أقوى، عمر أطول، وحياة أفضل، وتتعامل معه كشريحة متناهية الصغر داخل نظام كوني عملاق لا يفهمه أحد فهمًا كاملًا، ففي حياته اليومية، يستقبل الإنسان عددًا هائلًا من وحدات البيانات عبر رسائل البريد الإلكتروني، والمكالمات الهاتفية، والمقالات، ثم يعالج هذه البيانات ويعيد بث وحدات جديدة منها عبر المزيد من الرسائل والمكالمات والنصوص، ولا يعرف الفرد على وجه الدقة موقعه داخل هذا المخطط الكوني المعقّد، ولا كيفية ارتباط بياناته ببيانات مليارات البشر والحواسيب الأخرى. ومع ذلك، لا يملك الوقت لفهم هذا النظام، لانشغاله المستمر بالاستجابة لتدفق البيانات المتواصل، وكلما زادت كفاءة الإنسان في معالجة البيانات، من خلال الرد على عدد أكبر من الرسائل، وإجراء المزيد من المكالمات، وكتابة المزيد من النصوص، أغرق محيطه بمزيد من البيانات، مما يولّد اضطرابات واختراعات جديدة لا يخطط لها أحد، ولا يتحكم بها أحد، ولا يفهمها أحد فهمًا كاملًا، وكما يؤمن أنصار الرأسمالية الحرة بـ«اليد الخفية للسوق»، يؤمن أنصار «الداتية (Dataism) بـ”اليد الخفية لتدفّق البيانات”.
وفي عام 2015، ونظرًا للإشكالات التي أفرزها تشغيل الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، أنشأ الاتحاد الأوروبي مجموعة عمل تابعة للجنة الشؤون القانونية، بهدف دراسة هذه الانشغالات والإجابة عنها. وقد أصدرت هذه المجموعة تقريرها النهائي، الذي أفضى إلى صدور وثيقة «قواعد القانون المدني المتعلقة بالروبوتات» في فبراير 2017. وبالاطلاع على هذه الوثيقة، يتبيّن:
أن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه آلة ذات منطق بشري قابل للتطوّر، فهو ليس مجرد شيء جامد عديم الإدراك، بل يُنظر إليه كخادم مطيع للإنسان، طالما كان الروبوت صنيعة ذكاء منسوب إلى الآلة، وعلى هذا الأساس، ابتكر الاتحاد الأوروبي ما يُعرف بنظرية «النائب البشري»، التي تقوم على فكرة تحميل المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن أفعال الروبوت إلى نائب بشري، وهو ما أطلق عليه الفقه الفرنسي مصطلح “قرين الروبوت”.
ومن خلال استقراء مضمون نظرية النائب البشري، التي تقوم دون افتراض الخطأ ودون توصيف الروبوت كشيء، وبناءً على توزيع المسؤولية على مجموعة من الأشخاص بحسب من ثبت في حقه الخطأ، يتضح أن الاتحاد الأوروبي استخدم مصطلح «النائب» دون «الحارس»، وهو ما يعني عدم اعتبار الروبوت مجرد شيء يحتاج إلى عناية خاصة، وتجدر الإشارة إلى أن الأساس الذي تقوم عليه مسؤولية النائب البشري يتمثل في الخطأ في التصنيع أو الإدارة، والذي يؤدي إلى عدم تفادي السلوك المنحرف للروبوت أثناء التشغيل، حتى وإن كان هذا السلوك متوقعًا، ويقتصر نطاق تطبيق هذه النظرية على الأفعال أو الإهمال الصادر عن الروبوت أثناء التشغيل العادي، حين يكون في حالة استقلال تام عن التدخل البشري، سواء على مستوى التفكير أو التنفيذ.
سادسًا: منتقدوا فكرة ما بعد الإنسانية
يرى منتقدو أطروحة ما بعد الإنسانيّة أن هذه الفكرة لا تمثل مجرد امتداد طبيعي للتقدم العلمي، بل تُعدّ من أخطر التصورات التي واجهت الإنسانية، لما تنطوي عليه من تهديد مباشر لمستقبل الإنسان، ولما تطرحه من تحدٍّ جذري لمفاهيم راسخة عن الطبيعة البشرية، تشكّلت وتبلورت عبر مسار تاريخي طويل، فالمسألة هنا لا تتعلق بتحسين شروط الحياة الإنسانية، بل بإعادة تعريف الإنسان ذاته، على نحو يفرغ المفهوم من مضمونه الأنثروبولوجي والأخلاقي.
وانطلاقًا من هذا التصور، يرفض عدد من المفكرين السياسيين وعلماء الأخلاق واللاهوتيين الأطروحة القائلة بمرونة الطبيعة البشرية وقابليتها غير المحدودة للتعديل. ويأتي في مقدمة هؤلاء فرانسيس فوكوياما، ورونالد كول تورنر، وليون كاسي، وإريك باريتر، وجان بيتكيشتاين، وغيرهم، الذين حذّروا من أن الاستخدام المتزايد وغير المنضبط للتطبيقات البيوتكنولوجية على الجسد البشري لا يمثل تقدمًا إنسانيًا بقدر ما يشكّل تقويضًا للأسس التي تقوم عليها الإنسانية نفسها، فوفقًا لهؤلاء، ليست الطبيعة البشرية مجرد بناء اجتماعي أو مفهوم اعتباطي قابل للتفكيك، بل هي بنية فطرية تتجسّد في منظومة من السلوكات والخصائص النمطية، ذات الجذور الوراثية، والتي تمنح الإنسان حسه الأخلاقي وقدرته على التفاعل الاجتماعي والعيش المشترك.
ويعزز هذا النقد ما يطرحه أنصار الحتمية البيولوجية من أن الجينات تمثل العامل الحاسم في تشكيل السلوك البشري، إذ لا تُفهم أفعال الإنسان وحياته إلا بوصفها نتاجًا مباشرًا للخصائص البيوكيميائية لخلاياه، التي تحددها بدورها البنية الجينية للفرد، وبناءً على ذلك، فإن السلوك الإنساني، ومن ثم البناء الاجتماعي، يخضع لمنظومة مترابطة من المحددات البيولوجية، تمتد من الجينات إلى الفرد ثم إلى المجتمع ككل، ووفق هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع الطبيعة البشرية بوصفها كيانًا مرنًا أو قابلًا لإعادة التشكيل الجذري دون أن يؤدي ذلك إلى اختلالات بنيوية في النظام الاجتماعي والأخلاقي.
وعليه، فإن السعي إلى تحقيق طموحات ما بعد الإنسانيّة عبر التعديل التقني للطبيعة البشرية لا يمكن النظر إليه بوصفه مسارًا تحرريًا، بل باعتباره مشروعًا محفوفًا بعواقب وخيمة، تطال الإنسان في جوهره، وتمتد آثارها إلى النظم الاجتماعية والسياسية، إذ من شأن هذا التوجه أن يقوّض مبدأ المساواة بين البشر، ويعيد تعريف القدرة على الاختيار الأخلاقي، فضلًا عن إتاحته أدوات غير مسبوقة للتحكم في سلوك الأفراد، وإعادة هندسة الشخصية والهوية الإنسانية، بما يؤدي إلى قلب البنى الهرمية الاجتماعية القائمة وإعادة تشكيل موازين القوة على المستويين الداخلي والدولي.
وإذا كان أنصار ما بعد الإنسانيّة يحتفون بالتطورات المتسارعة في التقنيات البيوطبية، ولا سيما تلك التي تتيح التدخل في الجينات البشرية بدعوى تحسين النوع الإنساني، فإن هذا الاحتفاء يتجاهل المخاطر الوجودية الكامنة في هذه الممارسات. فهذه التقنيات لا تهدد فقط التوازنات الأخلاقية، بل تفتح المجال أمام أشكال جديدة من الاستعباد والاستبعاد، تقوم على التحكم التقني في الإنسان وتحويله إلى موضوع للضبط والتصميم، والخطر هنا ليس خطرًا نفعيًا أو مرحليًا، بل خطر وجودي عميق، يتمثل في احتمال فقدان الإنسان لإنسانيته ذاتها، أي لتلك الخصيصة الجوهرية التي شكّلت عبر التاريخ وعيه بذاته وإحساسه بمصيره، والأسوأ من ذلك أن هذا التحول قد يحدث بصورة تدريجية وخفية، بحيث يفقد الإنسان جوهره دون أن يدرك لحظة الفقد، مما يجعل أزمة ما بعد الإنسانيّة أزمة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، لأنها تمسّ الوجود الإنساني في صميمه لا في مظاهره الخارجية.
الخاتمة
تُظهر الدراسة أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية لا يمثلان مجرد أدوات تقنية محايدة، بل يشكّلان منظومة معرفية وقيمية جديدة تعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله، فبينما يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه رافعة أساسية لتعزيز الكفاءة البشرية، وتحسين جودة الحياة، وتطوير أنماط اتخاذ القرار، فإن تسارع اندماجه في البنى الاجتماعية والاقتصادية والقانونية يثير إشكالات عميقة تتجاوز المنفعة التقنية إلى مساءلة الأسس الفلسفية التي قامت عليها النزعة الإنسانيّة الكلاسيكية.
وقد بيّنت الورقة أن خطاب ما بعد الإنسانيّة، بما يحمله من دعوة إلى تجاوز مركزية الإنسان وإعادة تعريف الطبيعة البشرية بوصفها كيانًا مرنًا وقابلًا للتعديل، يفتح أفقًا نظريًا جديدًا لفهم العلاقة بين الإنسان والآلة، لكنه في الوقت ذاته ينطوي على مخاطر وجودية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها، خاصة حين يُطرح التعزيز التقني بوصفه مشروعًا حتميًا لا يخضع للضبط القيمي أو للمساءلة القانونية.
وفي هذا السياق، يكتسب النقاش القانوني حول المسؤولية المدنية عن أفعال الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي أهمية مضاعفة، كما يتجلّى في التجربة الأوروبية التي حاولت التوفيق بين الاعتراف بالاستقلال الوظيفي للآلة وبين الحفاظ على مركزية الإنسان عبر نظرية «النائب البشري». غير أن هذه المقاربة، على أهميتها، تظلّ حلًا مرحليًا لا يعالج بصورة نهائية الإشكالات المعيارية المرتبطة بحدود الوكالة، والمسؤولية، والكرامة الإنسانية في عالم آخذ في التحوّل نحو الهجنة التقنية.
ويخلص المقال إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفض التقدم العلمي أو تبنّي خطاب الخوف من التكنولوجيا، بل في بناء إطار أخلاقي وقانوني نقدي قادر على توجيه هذا التقدم بما يضمن بقاء الإنسان فاعلًا أخلاقيًا، لا مجرّد عنصر داخل منظومة بيانات كونية. وعليه، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية يجب أن يُفهم بوصفه مشروعًا إنسانيًا مشروطًا بالمساءلة والمسؤولية، لا مسارًا تقنيًا منفلتًا يعيد تعريف الإنسان على حساب إنسانيته ذاتها.
المصادر
-
احمد،علال و جمال، خن، ما بعد الإنسانية رؤية فلسفية لمستقبل الطبيعة البشرية، مجلة ابحاث، مجلد 6، العدد1، الجزائر، 2021.
-
الحفناوي، هالة، ما مستقبل البشر في عالم ما بعد الإنسانية، مركزالمستقبل، ابو ظبي، الامارت العربية المتحدة.
-
ضيف لله، زينب، الذكاء الاصطناعي والقانون، مجلة القانون والعلوم البيئية، الجزائر، المجلد 2، العدد 3، 2023.
-
فوكو ياما، فرنسيس ، مستقبلنا بعد البشرية عواقب ثورة التقنية الحيوية، مركز الامارت للدراسات والبحوث الاستراتيجية، دولة الامارات العربية المتحدة، 2006.
-
فوكوياما، فرنسيس، نهاية الإنسان عواقب الثورة البيوتكنولوجية، ترجمة احمد مستجير، سطور،2002.
-
لمياء، حمدادو، الذكاء الاصطناعي: نموذج التحديات المعاصرة للمسؤولية، المجلة الجزائرية للقانون والعلوم، مجلد10، عدد1، 2024.
-
سعود، وسيلة، الذكاء الاصطناعي وتحديات الممارسة الاخلاقية، مجلة نماء الاقتصاد والتجارة، الجزائر، المجلد 7، العدد2، 2023.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى