كلفتا المقاومة والتبعية في زمن الحرب

قراءة في الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والشعبية

بقلم: د. مازن قاسم هلال

 

 

مقدمة

في خضم الحرب الإقليمية المتصاعدة التي تعيشها المنطقة اليوم، لم يعد النقاش حول كلفة المقاومة أو التبعية ترفًا فكريًا أو جدلًا نظريًا، بل تحوّل إلى واقع يومي يُقاس بتأثيره المباشر على حياة الناس، فالحرب التي دخلت مراحلها الأكثر حساسية كشفت أن القرارات الاستراتيجية لا تُختبر في زمن السلم، بل في لحظات الانكشاف الكبرى، حيث تتداخل الجبهات العسكرية مع الأسواق، والمجتمع، والوعي الشعبي، وفي هذا السياق، برزت معادلة حاسمة:

 

هل كانت كلفة المقاومة عبئًا، أم أنها تحولت في زمن الحرب إلى رصيد؟ وهل كانت التبعية ضمانة للاستقرار، أم أنها كشفت عن كلفة مؤجلة انفجرت دفعة واحدة؟

 

أولًا: الأبعاد الاجتماعية في بيئة الحرب

  1. المقاومة وإعادة إنتاج التماسك الاجتماعي: في ظل الحرب، تُظهر المجتمعات التي تبنّت خيار المقاومة قدرة أعلى على التماسك الداخلي، فالقصف والضغط الخارجي لا يؤديان فقط إلى المعاناة، بل يولّدان حالة من التضامن الجمعي، حيث تتحول الأزمات إلى محفّز للعمل التطوعي، والتكافل الاجتماعي، ودعم الفئات المتضررة، وفي تجارب مثل لبنان وبعض البيئات العراقية، ظهرت شبكات دعم محلية لتأمين الغذاء والماء والكهرباء، ما يعكس تحوّل المجتمع إلى فاعل مباشر في إدارة الأزمة، لا مجرد متلقٍ لها.

  2. التبعية والتفكك تحت الضغط: في المقابل، كشفت الحرب عن هشاشة البنية الاجتماعية في الدول التابعة، حيث برزت فجوة واضحة بين السياسات الرسمية ومشاعر المجتمعات، ومع تصاعد التهديدات، يتزايد القلق الشعبي دون وجود قنوات مشاركة حقيقية، ما يؤدي إلى:

  • تراجع الثقة بالمؤسسات.

  • تصاعد الشعور بعدم الأمان.

  • ضعف المبادرات المجتمعية.

 

  1. الوعي الثقافي في زمن الصراع: الحرب لا تُنتج فقط دمارًا ماديًا، بل تعيد تشكيل الوعي، ففي المجتمعات المقاومة، يتعزز مفهوم الهوية والانتماء، بينما في المجتمعات التابعة يظهر ارتباك ثقافي بين الخطاب الرسمي والمزاج الشعبي، ما يضعف التماسك المعنوي.

 

 

ثانيًا: الأبعاد الاقتصادية في ظل الحرب

  1. المقاومة كاقتصاد صمود: الحرب كشفت أن الاقتصادات التي استثمرت في الاعتماد الذاتي كانت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات. فإيران- كنموذج- استطاعت، رغم العقوبات الطويلة، بناء قاعدة إنتاجية في مجالات الطاقة والصناعة، ما مكّنها من الاستمرار رغم الضربات، كما أن نماذج محلية في العراق ولبنان أظهرت قدرة على تحقيق اكتفاء جزئي مما خفف من أثر اضطراب سلاسل الإمداد.

  2. انكشاف كلفة التبعية الاقتصادية: في المقابل، أظهرت الحرب أن التبعية الاقتصادية ليست استقرارًا، بل هشاشة مؤجلة، وقد تجلت آثارها بوضوح:

  • ارتفاع تكاليف التأمين والنقل مع تهديد الممرات الحيوية.

  • تذبذب أسعار الطاقة والأسواق.

  • تباطؤ الاستثمارات الأجنبية.

  • نزوح رؤوس الأموال نحو مناطق أكثر أمانًا.

  • تضخم الإنفاق على الحماية والخدمات المستوردة.

بل إن ارتفاع أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 30- 40% في بعض الفترات يعكس حجم الارتهان للخارج.

 

ثالثًا: البعد الشعبي في معادلة الحرب

  1. الشعب كعنصر حاسم في الصمود: أثبتت الحرب أن الدعم الشعبي ليس عاملًا ثانويًا، بل هو جوهر المعادلة، ففي بيئات المقاومة، يُنظر إلى المواجهة بوصفها دفاعًا عن الكرامة، ما يعزز الصبر والتحمل.

  2. النساء والشباب كقوة خفية: في زمن الحرب، لا يقتصر الصمود على الجبهات الظاهرة، بل يتجلى بعمق في الأدوار الصامتة التي تقودها النساء، وفي مقدّمتهن الأمهات، اللواتي قدّمن نماذج استثنائية من الصبر والتضحية، فقد تحمّلن أعباء الفقد والقلق اليومي، وواصلن رغم ذلك إدارة شؤون الأسرة، وتربية الأبناء على الثبات، وتحويل الألم إلى طاقة للاستمرار، لم تكن الأم في هذه الظروف مجرد راعية لأسرتها، بل أصبحت خط الدفاع الأول عن تماسكها النفسي والاجتماعي، ومصدرًا لإنتاج الأمل في أكثر اللحظات قسوة، وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لعبت النساء دورًا حاسمًا عبر مشاريع منزلية ومبادرات تمويل صغيرة، أسهمت في الحفاظ على دخل الأسر واستمرار الحياة رغم تعطل الكثير من مصادر الرزق، أما الشباب، فقد برزوا كقوة فاعلة في قيادة المبادرات المجتمعية، وتنظيم حملات الدعم والإغاثة، وسدّ الفجوات التي خلّفها تعطل بعض مؤسسات الدولة، مستفيدين من مهاراتهم ومرونتهم، ومحوّلين التحديات إلى فرص للعطاء والعمل الجماعي.

  3. التبعية وأزمة الشرعية الشعبية: في الدول التابعة، كشفت الحرب عن فجوة متزايدة بين القرار الرسمي والمزاج الشعبي، ما يؤدي إلى:

  • تراجع الشرعية المعنوية.

  • ضعف الحافز المجتمعي.

  • تصاعد القلق والاحتقان الداخلي.

 

رابعًا: المقارنة الشاملة في ظل الحرب

المقاومة: تتحمل كلفة مباشرة وعالية، لكنها تبني قدرة على الصمود، وتحافظ على القرار، وتحوّل الكلفة إلى استثمار طويل الأمد.

التبعية: بدت أقل كلفة في زمن السلم، لكنها في زمن الحرب تتحول إلى عبء مضاعف، حيث تفقد الدولة القدرة على التحكم بمصيرها، وتتحمل تبعات الصراع دون أن تديره.

 

الاستنتاجات

  • كلفة التبعية تظهر فجأة في زمن الحرب، وتكون أعلى وأكثر تعقيدًا مما يُتصور.

  • المقاومة، رغم أعبائها، تمثل استثمارًا طويل الأمد في الاستقلال والصمود.

  • الاقتصاد أصبح ساحة الصراع الأساسية، وليس مجرد عامل مساعد.

  • الدعم الشعبي عنصر حاسم في بقاء الدول واستقرارها.

  • الاستدامة البيئية جزء من الأمن الوطني في زمن الأزمات.

  • الحرب الحالية كشفت حدود الأمن المبني على الحماية الخارجية.

 

الخاتمة

تؤكد الحرب الدائرة اليوم أن كلفة الخيارات الاستراتيجية لا تُقاس في زمن الهدوء، بل في لحظات الاختبار الكبرى، فقد أظهرت التجربة أن التبعية، التي بدت خيارًا مريحًا في أوقات الاستقرار، تتحول في زمن الحرب إلى عبء شامل يطال الاقتصاد والمجتمع والقرار السيادي، وفي المقابل، يثبت نموذج المقاومة أن تحمل الكلفة المباشرة يمكن أن يتحول إلى رصيد استراتيجي، يُترجم في القدرة على الصمود، ومرونة الاقتصاد، وتماسك المجتمع، كما أن الاستثمار في الإنسان- عبر تمكين الشباب والنساء- وفي الابتكار والاقتصاد الرقمي، أصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلة القوة.

 

إن الدرس الأبرز من هذه الحرب هو أن الاستقلال ليس خيارًا مثاليًا، بل ضرورة واقعية، وأن المجتمعات التي تبني قدراتها الذاتية هي الأقدر على تحويل الأزمات إلى فرص، والصمود في وجه التحولات العاصفة التي يشهدها العالم.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى