ثنائية العشيرة والدولة في العراق

من اقتصاد الحماية إلى بنية الإسناد في زمن الهشاشة

بقلم: د. سمير محمد حميد

 

لم تعد العشيرة في العراق المعاصر مجرد بقايا لبنية تقليدية تتراجع أمام الدولة الحديثة كما تفترض بعض القراءات التبسيطية لبعض الكتاب بل تحولت إلى فاعل اجتماعي مرن يعيد تموضعه باستمرار داخل التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع العراقي اليوم، فهي لا تنسحب مع صعود الدولة ولا تختفي مع تمددها لكنها تتكيّف مع مستويات حضورها وغيابها وتملأ أو تعيد تشكيل المجالات التي تعجز المؤسسات الرسمية عن ضبطها بكفاءة. ولهذا لا يمكن التعامل مع العشيرة بوصفها نقيضًا للدولة أو بديلًا عنها لكن بوصفها بنية وسيطة تعمل داخل فراغات النظام المؤسسي وتتحول بحسب السياق من إطار تضامن اجتماعي إلى آلية تنظيم اقتصادي طارئة احياناً ومن وسيط لحل النزاعات إلى قوة تعبئة في لحظات الأزمات احياناً أخرى، وهذا التعدد في الوظائف لا يعكس فقط مرونة العشيرة بل يكشف أيضًا عن طبيعة الدولة نفسها من حيث حدود قدرتها على فرض النظام ومستوى ثقة الأفراد بمؤسساتها وشروط إنتاج الولاء داخلها. وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في السياق العراقي اذ ترافقت مراحل الاضطراب السياسي والحروب مع صعود ملحوظ لدور العشيرة سواء في إدارة النزاعات المحلية أو في تنظيم شبكات الدعم الاقتصادي غير الرسمي أو في الاستجابة السريعة للأزمات، غير أن هذا الصعود لا يمكن تفسيره بوصفه عودة إلى التقليد بل ينبغي فهمه ضمن منطق أعمق يرتبط بإدارة المخاطر في بيئة تتسم بعدم الاستقرار. وعليه نسعى هنا إلى إعادة قراءة العشيرة لا كظاهرة اجتماعية جامدة وسلبية بل كبنية ديناميكية متعددة الوظائف ذات طابع إيجابي وساند لمؤسسات الدولة صحيح انها قد تتقاطع  أيضا مع الدولة في بعض الأدوار لكنها تساندها في أدوار أخرى وقد تنافسها في لحظات معينة.

 

عدد من شيوخ العشائر من أبطال ثورة العشرين – في الذاكرة الحية

 

أولاً: العشيرة بوصفها ذاكرة حيّة لا بقايا ماضٍ

ليست العشيرة في مجتمعاتنا أثرًا متبقيًا من زمنٍ تقليدي كما يُختزل أحيانًا بل هي بنية اجتماعية حيّة تعيد إنتاج نفسها كلما اهتزت الدولة أو اضطربت القواعد الناظمة للحياة العامة فيها فهي ليست رابطة دم فحسب بل شبكة معنى معقدة تتكون من (ذاكرة وقيم وآليات حماية وأحيانًا بدائل جاهزة عن مؤسسات يفترض أن تقوم بدورها) ولهذا فإن الحديث عن العشيرة هو حديثٌ عن الدولة نفسها بمعنى من المعاني عن مناطق قوتها وضعفها وكذلك عن قدرتها على الاحتواء أو عن عجزها الذي يفتح المجال لفاعلين اجتماعيين آخرين لملء الفراغ الذي قد يحصل. وقد لا يكفي القول إن العشيرة (تملأ فراغ الدولة) لأن هذا التعبير رغم شيوعه عند نخبة مثقفة واسعة الا انه يخفي أكثر مما يفسر للسامع فـالفراغ هنا ليس حالة واحدة بل مجموعة فراغات متمايزة لكل منها آلياته ونتائجه وأول هذه الفراغات هو الفراغ القضائي الذي رافق او يرافق انهيار الدولة عادة والذي يظهر في بطء إجراءات التقاضي وضعف إنفاذ الأحكام  المتخذة وهنا لا تتدخل العشيرة كبديلاً أخلاقيًا وانما  كنظام حسم سريع وفعال يعتمد على مبدأ استعادة التوازن لا تطبيق النص القانوني ويمكن ملاحظة ذلك في عدد من النزاعات التي شهدتها مناطقنا اذ تُحسم قضايا قتل أو إصابة او الحوادث في غضون أيام عبر (الفصل العشائري) في حين قد تستغرق فترة اطول داخل المحاكم، وقد لا يكون اختيار العشيرة كنظام  قانوني تعبيرًا عن رفض الدولة بل عن براغماتية اجتماعية تبحث عن النتيجة لا الإجراء.

أما فيما يتعلق بالفراغ الأمني فيتجلى بوضوح حين تعجز الدولة عن فرض احتكارها للعنف ففي بعض المناطق قد تتحول نزاعات فردية بسيطة إلى اشتباكات مسلحة بين عشائر تستُخدم فيها أسلحة متوسطة رغم انها قد تحل في الدولة بغرامة او توقيف بضعة أيام، وهذا ما يكشف أن العشيرة لا تعمل فقط كآلية احتواء بل قد تتحول إلى فاعل عنيف موازٍ للدولة والعشيرة هنا لا تملأ الفراغ بل تعيد إنتاجه بصورة أكثر تعقيدًا. وفي الفراغ الاقتصادي ترى ان العشيرة تظهر في بعض الاحيان  كشبكة ثقة بديلة في بيئات يغيب فيها التنظيم الرسمي الفعّال ففي لعض العشائر نرى ان هناك صندوقا خاصا للعشيرة مهمته الوقوف في الحالات الطارئة مع الافراد المحتاجين او الذين يتعرضون لنوائب الحياة وهنا نرى ان العشيرة لا تكون مجرد وسيط بل تتحول إلى بنية تنظيم اقتصادي موازٍ لصندوق الرعاية الاجتماعية التي توجد في مؤسسات الدولة وان كانت بصورة اكثر بدائية وتضع قواعدها الخاصة خارج الإطار القانوني. غير أن هذا الدور لا يُمارس بصيغة واحدة وكلية لدى جميع العشائر إذ تختلف العشيرة بحسب بنيتها ووظيفتها ولهذا فإن العشيرة لا تملأ فراغًا واحدًا اذا ما ضعفت الدولة بل تتحرك داخل شبكة من الاختلالات المؤسسية اذا صح القول فتكون مرة أداة استقرار ومرة مصدر توتر ومرة وأخرى وسيطًا براغماتيًا وهذا التعدد في الأدوار هو ما يجعلها أقرب إلى مرآة تعكس طبيعة الدولة، لا مجرد بديل عنها.

ولا يمكن فهم هذا الحضور للعشيرة في الاقتصاد غير الرسمي بوصفه انزلاقًا أو انحرافًا ظرفيًا عن القاعدة بل ينبغي قراءته ضمن ما يمكن تسميته بـالاقتصاد السياسي للعشيرة اذ قد تتحول الروابط القرابية إلى مورد تنظيمي يُعاد من خلاله إنتاج النشاط الاقتصادي خارج الإطار الرسمي للدولة  ولهذا نجد ان العشيرة تلعب  دورًا مركزيًا في تنظيم حركة البضائع وتأمينها في بعض الأماكن التي يكون فيها نفوذها طاغياً ليكون هذا موردا ربحياً كبيراً لهذا العشائر. غير أن هذه الشبكات نفسها تكشف عن وجه آخر أقل وضوحًا يتمثل في قدرتها على التحول السريع من بنية ربحية إلى بنية تضامنية ففي حالات الأزمات (كدعوة المرجعية للتبرعات للجمهورية الإسلامية ولبنان) اذ تُظهر العشائر قدرة عالية على التعبئة الفورية لأفرادها من حيث تُجمع الموارد وفتح خطوط الإمداد وتُقدَّم المساعدات للمتضررين دون انتظار تدخل الدولة حتى وقد شهدت مناطق مختلفة من العراق حالات هبّت فيها عشائر بكاملها لإغاثة عائلات منكوبة عبر توفير المأوى للنازحين كما حدث في عام 2014 حتى ان العديد من النازحين اللبنانيين بقوا الى الان في المناطق العشائرية منذ الحرب السابقة وكذلك أو الدعم المالي أو اللوجستي.

 

 

وهذا التحول في البنية العشائرية من الهاجس الربحي الى الايثار وتقديم الغالي والنفيس لا ينبغي فهمه بوصفه تناقضًا بل بوصفه نتيجة طبيعية لطبيعة البنية العشائرية نفسها فالشبكات التي تُستخدم لتنظيم الاقتصاد غير الرسمي النفعي والربحي بما تتضمنه من ثقة داخلية وسرعة في اتخاذ القرار وقدرة على الحشد هي ذاتها البنية التي تُفعَّل في سياقات التضامن. بمعنى آخر العشيرة لا تمتلك نظامين منفصلين (اقتصادي نفعي ربحي/ أخلاقي ايثاري) بل تعمل ضمن منطق واحد متعدد الاستخدامات. وهذه الازدواجية تطرح إشكالًا حاسمًا فكما يمكن لهذه الشبكات أن تدعم المنكوبين يمكنها أيضًا أن تعيد إنتاج اقتصاد موازٍ خارج الرقابة وعليه فإن فهم العشيرة هنا لا ينبغي أن ينزلق إلى التمجيد أو الإدانة ولا كأعتبارها منظومة سلبية خارجة من رحم التاريخ البائد بل إلى إدراك أنها تمثل بنية قادرة على إنتاج الريع والتكافل في آنٍ واحد وتقوم بمهام تعجز عنها الدولة في احايين كثيرة وذلك تبعًا للسياق الذي تُفعَّل فيه.

 

ثانياً: الانتماء العشائري.. آلية نجاة في ظل هشاشة الدولة

والسؤال هنا هل ان العشيرة تفرض الانتماء القبلي اكثر من فرض الانتماء الوطني بالنسبة لأفرادها والجواب لا يُختزل الفرق بين الانتماء العشائري والانتماء الوطني في كونه فرقًا بين تقليدي وحديث بل هو في جوهره فرق بين انتماء مُجسَّد في الممارسة اليومية وانتماء يظل في كثير من الأحيان معلقًا في مستوى الخطاب فالعشيرة لا تمنح الفرد مجرد هوية رمزية بل توفر له شبكة جاهزة من العلاقات الفعلية والفورية حماية وساطة ودعم اقتصادي واستجابة في لحظات الخطر وبهذا المعنى فإن الانتماء العشائري ليس فكرة يُعلنها الفرد بل بنية يعيش داخلها وتعمل لصالحه عند الحاجة. وفي المقابل يعاني الانتماء إلى الدولة من فجوة بنيوية حين لا يُترجم إلى تجربة يومية عادلة فحين تتأخر العدالة أو تتفاوت الحماية أو تُحتكر الفرص يتحول الوطن من إطار ضامن إلى مفهوم مجرد لا يملك القدرة على استدعاء الولاء في لحظات الاختبار وهنا تحديدًا يظهر الميل نحو العشيرة لا بوصفه خيارًا أيديولوجيًا بل كاستجابة عقلانية لبيئة تتسم بعدم اليقين. كما ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في النزاعات المحلية كما اوضحنا سابقاً لكن تفسير الأمثل لهذه الظاهرة بوصفها تفضيلًا ثقافيًا يبقى تفسيراً  سطحيًا إذ إن التحليل الأدق يكشف أن ما يحدث هو مفاضلة عملية بين نظامين للعدالة نظام رسمي بطيء وغير مضمون النتائج بصورة عامة ونظام عشائري سريع قائم على استعادة التوازن الاجتماعي كما ويظم الأقارب والاخوان وغيره من المعارف ولا تكون العشيرة مجرد بديل اذن بل آلية تقليل مخاطر في بيئة مؤسسية غير مستقرة. ولا يمكن فصل تجربة العشيرة عن لحظات الحرب التي خاضها العراق خصوصًا بعد 2014 اذ كشفت المواجهة مع تنظيم د1عش أن الولاءات المحلية يمكن أن تتحول بسرعة إلى قوى تعبئة عسكرية  مضافا الى الولاءات الدينية لكن الأهم من ذلك أن هذه اللحظات لم تُنتج فقط استجابة أمنية بل أعادت ترسيخ منطق الانتماء القريب بوصفه الضامن الأول للحماية وهذا ما يفسر استمرار حضور العشيرة حتى بعد تراجع الخطر المباشر إذ لم تُعالج الشروط البنيوية التي جعلت منها ملاذًا في الأصل.

 

 

وعليه فإن اللجوء إلى العشيرة في لحظات النزاع او لحظات التحشيد للاستجابات الطارئة لا ينبغي فهمه بوصفه تعبيرًا عن قوة العشيرة وضعف الدولة بل بوصفه بناء اجتماعي معاون للمؤسسة الرسمية وسند لها في احلك الظروف كما انها تسند الضعف الطارئ الذي قد يلحق بمؤسسات الدولة ويحفظ البناء الاجتماعي من التفكك والضياع، ومن هنا نعتبر العشيرة مكون ساند رئيسي للدولة وليس عامل سلبي يؤدي الى تفكيكها وضعفها كما يشاع في كثير من الأوساط المثقفة للأسف الشديد.

 

الخاتمة

العشيرة في العراق ليست نقيض الدولة كما يشاع في اوساطنا العامية والمثقفة على حد سواء فهي لا تكشف عن نفسها بوصفها بقايا ماضٍ أو عائقًا أمام تشكل الدولة حديثة وذات تناسق حداثوي بقدر ما تظهر كاستجابة بنيوية لشروط عدم الاستقرار التي تعجز المؤسسات الرسمية عن ضبطها بصورة كاملة  فهي في لحظات الضعف المؤسسي الطارئ لا تحل محل الدولة بقدر ما تعيد توزيع وظائفها وتُسرّع العدالة حين تتباطأ وتوفّر الحماية حين تختل وتنظم الاقتصاد حين يتعثر وتعبّئ الموارد حين تتأخر الاستجابة الرسمية. غير أن هذه الوظائف الموازية لا يمكن فهمها خارج منطقها المزدوج فهي كما يمكن أن تكون سندًا للاستقرار قد تتحول في غياب الضبط المؤسسي للدولة إلى مصدر لإعادة إنتاج الاختلال ذاته الذي نشأت لمعالجته وهذا ما يجعلها بنية لا تُختزل في الحكم القيمي بل تتطلب قراءة تحليلية دقيقة ومتخصصة ترى فيها قدرة على إنتاج النظام واللانظام في آنٍ واحد. ولهذا فإن التوتر الظاهر بين الانتماء العشائري والانتماء الوطني لا يعكس صراعًا حتميًا كما يتصور البعض بل يكشف عن خلل في شروط إنتاج المواطنة ذاتها فحيثما تنجح الدولة في تحويل القانون إلى ممارسة عادلة والحماية إلى واقع متاح والفرص إلى توزيع منصف يتراجع الاعتماد على البنى القريبة بوصفها ضرورة أما حين تفشل فإن العشيرة لا تفرض نفسها بديلاً بقدر ما تُستدعى كآلية عقلانية لتقليل المخاطر وضمان الحد الأدنى من الاستقرار. والرهان الحقيقي لا يكمن في إضعاف العشيرة أو نفي دورها بل في إعادة بناء الدولة على نحو يقلّص الحاجة إليها كبديل وظيفي ويعيد تموضعها ضمن إطار اجتماعي داعم لا موازٍ فالمسألة ليست في الاختيار بين العشيرة والدولة بل في بناء دولة قادرة على استيعاب هذا الكيان والتعامل معه كحاجة داعمة وتوجيه طاقاته من فضاء التعويض إلى فضاء الإسناد.

 

بهذا المعنى تصبح العشيرة أقل مؤشرًا على التخلف وأكثر دلالة على طبيعة الدولة وحدودها فهي لا تعكس ما كان بل تكشف ما هو كائن، وما ينبغي أن يكون.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى