سيكولوجية التأثير الصامت في زمن الضجيج الإعلامي.. حسن أحمديان المحلل المتزن الواثق
بقلم: د. عبد العظيم علي الخالدي
في فضاءات الإعلام المعاصر، حيث تتحول الشاشات إلى ساحات اشتباك لغوي، لا يُقاس الحضور دائمًا بعلو الصوت، بل بقدرة المتكلم على إعادة هندسة الإدراك، هناك من يقتحم وعي الجمهور عبر الإثارة، ومن يتسلل إليه عبر الخوف، لكن الأخطر- والأكثر فاعلية- هو ذاك الذي يدخل من بوابة العقل، فيُعيد ترتيب ما نراه دون أن نشعر.
في هذا السياق، لا يعود المحلل السياسي مجرد قارئ للأحداث، بل يصبح فاعلًا في إنتاج الواقع الرمزي الذي تُفهم من خلاله هذه الأحداث، وهنا تحديدًا، يبرز أنموذج المحلل الهادئ، لا بوصفه نقيضًا للانفعال فحسب، بل بوصفه استراتيجية تأثير متكاملة تقوم على الضبط، والتأطير، والاتساق.
إذا كان ميشيل فوكو قد ربط بين المعرفة والسلطة، فإن المحلل السياسي المعاصر يجسد هذا الارتباط في أوضح صوره؛ فهو لا ينقل المعرفة فقط، بل يمارس من خلالها شكلًا من أشكال السلطة الناعمة، إن قدرته على تحديد ما هو مهم وما هو ثانوي، وعلى ترتيب الأسباب والنتائج، تمنحه موقعًا متقدمًا في تشكيل الوعي الجمعي.
ففي الندوات التلفزيونية الأخيرة من على قناة الجزيرة الاخبارية، حيث تتسارع المقاطعات وتتشابك الأصوات، يظهر حسن أحمديان بطريقة مختلفة، لا يندفع إلى الكلام، ولا يسابق الآخرين على التقاط الجملة الأخيرة، بل ينتظر لحظته كما لو أنه لا يشارك في سباق، بل في بناء شيء أكثر ثباتًا، فيبدأ حديثه بهدوء، دون مقدمات صاخبة، لكن سرعان ما يتضح أن هذا الهدوء ليس ترددًا، بل اختيار واعٍ لطريقة التأثير.
حسن أحمديان خلال برنامج “نقاش الساعة” – الرئيس الأمريكي يهدد إيران بإعادتها للعصر الحجري.. كيف استقبلت طهران هذا التهديد؟
المحلل الهادئ، في هذا الإطار، لا يبدو مسيطرًا، لكنه في الحقيقة يمارس سيطرة من نوع آخر: سيطرة تعريف الواقع، فهو لا يفرض رأيه، بل يجعل رأيه يبدو كأنه النتيجة المنطقية الوحيدة الممكنة.
ليس الهدوء غيابًا للانفعال، بل هو- في هذا الأنموذج- إدارة دقيقة له، فالمحلل المتزن لا يتخلى عن مشاعره، بل يعيد تنظيمها بحيث لا تتقدم على الفكرة، وهذا الاقتصاد الانفعالي يمنحه ميزة مزدوجة: من جهة، يحافظ على صورته كخبير عقلاني، ومن جهة أخرى، يُفقد خصومه أحد أهم أسلحتهم، وهو استفزازه.
لكن الأهم من ذلك أن هذا الضبط يخلق لدى الجمهور انطباعًا عميقًا بالثقة، فالعقل الذي لا يتعجل، ولا ينفعل، يبدو أقرب إلى الحقيق وإن لم يكن كذلك بالضرورة، وهنا تكمن المفارقة: الهدوء قد يُستخدم كدليل على الصدق، حتى عندما يكون جزءًا من استراتيجية إقناع.
يمتلك المحلل الهادئ مهارة مركزية تتمثل في إعادة التأطير (Reframing)، حيث لا يرفض السؤال مباشرة، بل يعيد صياغته بطريقة تخدم بنيته التفسيرية، فبدل أن يناقش الحدث ضمن شروطه الأصلية، يعيد وضعه داخل إطار جديد، تتغير فيه دلالاته وحدوده، وهذه المهارة تمنحه قدرة عالية على:
تجنب الوقوع في الزوايا الحرجة.
تحويل نقاط الضعف إلى عناصر تفسير.
الحفاظ على تماسك السردية.
غير أن هذا التفوق التقني يحمل في داخله خطرًا معرفيًا، إذ يمكن أن تتحول إعادة التأطير إلى إعادة تشكيل انتقائية للواقع، بحيث يُعاد ترتيب الوقائع لا وفق موضوعيتها، بل وفق انسجامها مع السردية المطروحة.
يُحسب لهذا الأنموذج من المحللين أنه ينظر إلى الأحداث من زاوية استراتيجية، فيربط الحاضر بالماضي، ويستشرف المستقبل من خلال أنماط ممتدة، غير أن هذا الاتساع في الرؤية قد يتحول- إن لم يُضبط- إلى نوع من الحتمية التفسيرية، حيث تُفسَّر كل الوقائع باعتبارها أجزاء من خطة كبرى.
وهنا، يصبح الخطر مزدوجًا:
تبسيط التعقيد عبر إدخاله في انموذج جاهز.
أو تجاهل العوامل العشوائية وغير المتوقعة.
فالعقل الاستراتيجي، على أهميته، يحتاج دائمًا إلى ما يوازنُه: حس تحليلي ناقد يقبل باللايقين.
التأثير الحقيقي لا يُقاس بسرعة الاستجابة، بل بعمق التحول، والمحلل الهادئ يدرك هذه الحقيقة، فيراهن على التراكم لا على الصدمة، إنه لا يسعى إلى إقناع فوري، بل إلى إعادة برمجة تدريجية لطرائق الفهم.
هذا التأثير يعمل عبر ثلاث آليات متداخلة:
الاتساق: حيث تتكرر الفكرة بصيغ مختلفة.
المعقولية: حيث تُقدَّم التفسيرات بوصفها منطقية.
الهدوء: حيث يُزال التوتر الذي قد يثير الشك.
لكن، كما أن الصوت المرتفع قد يضلل، فإن الصوت الهادئ قد يوجه دون أن يُكتشف بسهولة، وهنا، يصبح الوعي التحليلي الناقد لدى المتلقي شرطًا أساسيًا لفهم ما يجري خلف الخطاب.
إن تحليل هذا النمط من المحللين يكشف عن جملة من الحقائق العميقة. إن التأثير الإعلامي لم يعد قائمًا على الإثارة، بل على القدرة في بناء سردية متماسكة تبدو عقلانية، كما أن الهدوء لم يعد مجرد سمة شخصية، بل تحول إلى أداة خطابية ذات وظيفة إقناعية عالية، ويظهر كذلك أن التحليل السياسي، في كثير من الأحيان، لا يكون فصلًا بين الوقائع، بل إعادة ترتيب لها ضمن أطر معرفية قد تكون منحازة دون أن تبدو كذلك.
في النهاية، لا يكمن تميز المحلل الهادئ في صوته الخافت، بل في قدرته على أن يجعل صوته مسموعًا دون أن يعلو، وإنه يمارس تأثيره من داخل اللغة، ومن خلال المعنى، لا عبر الضجيج، غير أن هذا التأثير، بما يحمله من قوة، يفرض مسؤولية مضاعفة: أن يُستخدم للفهم لا للتوجيه، وللكشف لا لإعادة التشكيل الانتقائي.
وفي بيئة إعلامية مضطربة، كالسياق العراقي، يصبح تبني هذا الأنموذج- مع وعي تحليلي ناقد بحدوده- خطوة نحو إعلام أكثر نضجًا، وتحليل أكثر صدقًا، ووعي جمعي أكثر توازنًا.
في ضوء هذا التحليل، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي قد تسهم في تطوير الخطاب التحليلي في البيئة العراقية:
أولًا:الانتقال من الانفعال إلى البناء المعرفي: الابتعاد عن الخطاب الانفعالي أو التفاعلي، والتوجه نحو تقديم تحليلات قائمة على تفسير الظواهر لا مجرد التعليق عليها.
ثانيًا:تطوير مهارة إعادة التأطير بوعي ناقد: ليس فقط لإدارة الحوار، بل لاستخدامها بشكل مسؤول لا يُخفي الوقائع بل يعمّق فهمها.
ثالثًا:الاستثمار في اللغة التحليلية: الابتعاد عن الشعارات، وتبني مفاهيم علمية مثل الردع، توازن القوى، التكلفة السياسية، بما يعزز من مصداقية الخطاب.
رابعًا: بناء الثقة عبر الاتساق لا عبر الموقف: فالجمهور لا يثق بمن يوافقه دائمًا، بل بمن يبدو متماسكًا في منطقه حتى عند الاختلاف.
خامسًا:الموازنة بين الرؤية الاستراتيجية والواقعية الميدانية: تجنب الوقوع في التفسير الشامل الذي يختزل التعقيد، والاعتراف بدور العوامل غير المتوقعة.
سادسًا:تنمية الحس الناقد الذاتي: وهو ما يميز المحلل الناضج، أن يكون قادرًا على مراجعة افتراضاته، لا فقط الدفاع عنها.