إعتاد كثيرٌ من الناس أن يتعاملوا مع القرآن الكريم بوصفه كتاب أجر وثواب فحسب، يُتلى في المناسبات، أو يُقرأ طلبًا للبركة، أو يُهدى للأموات. ولا شك أن في ذلك خيرًا وأجرًا عظيمًا، غير أن هذه النظرة تختزل القرآن في بُعدٍ واحدٍ، بينما هو في حقيقته كتابُ هدايةٍ وبناء إنسان وحضارة.
فالقرآن ليس نصًا طقوسيًا جامدًا، بل خطاب حيّ يخاطب العقل والوجدان والسلوك في آنٍ واحد. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9)، أي إنَّهُ يُرشد الإنسانَ إلى أقوم الطرق في الفكر والأخلاق والحياة.
ويعبّر الإمام علي عليه السلام عن هذه الحقيقة بقوله: ألا وإنَّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغشّ، والهادي الذي لا يضلّ، والمحدّث الذي لا يكذب.
فالقرآن- بلغة العصر- هو دليل إدارة الإنسان يعلّمه كيف يفكّر، وكيف يختار، وكيف يتعامل مع ذاته ومع غيره، وكيف يبني علاقته بالله وبالعالم، ومن يقرأه قراءة وعيٍ وتدبّر، لا يخرج منه كما دخل، بل يعود أكثر اتزانًا، وأعمق معنى، وأوضح رؤية.
يقول المهاتما “غاندي” (1948-1869) في إشارةٍ الى عظمةِ القرآن الكريم.. “لقد أصبحتُ مقتنعًا كل الاقتناعِ إنَّ السيفَ لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته”.
وتقول المُستشرقة “زيغريد هونكه” (1999-1913) وهي مستشرقةٌ ألمانية معروفةٌ بكتاباتها في مجال الدراسات الدينية. “(لَآ إِكرَاهَ فِي ٱلدِّينِ).. هذا ما أمرَ به القرآن الكريم، وبناءً على ذلك فإنَّ العربَ لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام”.
زيقريد هونكه Sighrid Hunke وآن ماري شميل Anne Marie Schmil مستشرقتان أنصفتا الإسلام والمسلمين
بوصلة المعنى- لماذا نعيش؟
أكبر أزمة يعانيها إنسان العصر الحديث ليست الجوع ولا المرض، بل فقدان المعنى، حين لا يعرف الإنسان لماذا يعيش، يفقد القدرة على الاحتمال، وتنهار عنده الحدود بين الصواب والخطأ، ويصبح أسير القلق والفراغ والعدمية، والقرآن يضع الإنسان منذ اللحظة الأولى أمام هويته الكبرى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، فالإنسان خليفة، أي صاحب مسؤولية، لا مجرد كائن مستهلك، وغاية وجوده ليست العبث، بل العبادة بمعناها الواسع: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، أي ليعرفوا الله، ويقيموا ميزان العدل، ويعمروا الأرض بالقيم.
وهنا يوازن القرآن بين الدنيا والآخرة توازنًا دقيقًا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: 77)، ويقول الإمام الصادق عليه السلام: ليس منّا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه.
فالقرآن لا يصنع راهبًا منقطعًا عن الحياة، ولا ماديًا منغمسًا في الشهوة، بل يصنع إنسانًا يعرف غايته، ويؤدي دوره، ويحمل رسالة تتجاوز ذاته الضيقة إلى أفق الإنسانية الواسع.
وهذا ما يتفقُ ورؤية علم السلوك.. ففقدان معنى الحياة هو أحد الهموم الوجودية الأربعة لدى الإنسان المُعاصر وهذا ما نظرَّ له العالم النفسي الكبير “إرفين يالوم” (2024-1931).. فقدان معنى الحياة والعزلة والحرية والموت هي هموم أربعة وهي أهم ما يُشغل الإنسان.
ويرى “فيكتور فرانكل” (1997-1905) وهو عالمُ نفسٍ وجودي.. إنَّ مُحرك السلوك الإنساني هو البحث عن المعنى ويؤكد على إنَّ الأفرادَ الذين وجدوا معنى لحياتهم كانوا أكثر إنجازاً وصموداً في حياتهم وهذا المعنى يتحقق بطرقٍ ثلاث هي الإنجاز والحب والصبر.
مدرسة “اقرأ”- العلم هُوية قرآنية
لم يكن أول خطاب سماوي أمرًا بالصلاة أو بالصوم، بل كان: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1)، وهذا يدل على أن الإسلام في جوهره مشروع معرفة، فالعلم في الرؤية القرآنية ليس ترفًا ثقافيًا، بل عبادة ومسؤولية: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، ايضا قال تعالى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).
وقال النبي صلى الله عليه وآله (طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم)، وقال الإمام علي عليه السلام: (قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنه).
كما يدعو القرآن إلى التأمل في الكون: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190)، فالقرآن لا يريد عقلًا مقلدًا، بل عقلًا مفكّرًا، ولا يريد إيمانًا أعمى، بل إيمانًا واعيًا مبنيًا على الفهم والبصيرة، ولذلك ارتبط التقدم الحضاري في التجربة الإسلامية الأولى بالعلم، لا بالخرافة ولا بالجمود.
التأمل والبصيرةِ والاستبصار وحب المعرفة مفاهيم كان لها مساحةٌ واسعة في نتاجات العلومِ الفلسفية والنفسية والإجتماعية وهذه المفاهيم هي مصداقٌ لما أتى به القُرآن الكريم.. فهذا الفيلسوف “جون لوك” (1704-1632) يرى إنَّ المعرفةَ تأتي من التجربةِ والخبرة وإنَّ العقلَ البشري يبدأ كصفحةٍ بيضاء والمعرفة تأتي من خلال التفكير”.
في حين يؤكد عالم النفس والطبيب “إيرك بيرن” (1970-1910) إنَّ البشرَ لديهم مخطوطاتُ حياةٍ هي المحركات لتفاعلهم البشري والعلائقي مع الآخرين وهذه المخطوطات تتكون في الطفولةِ المُبكرةِ وتفاعلاتها مع الوالدين والآخرين.
دستور الأسرة – المودة قبل القانون
الأسرة في القرآن ليست مجرد عقد قانوني، بل هي بناء نفسي وروحي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21)، فالمودة ليست ترفًا عاطفيًا، بل أساس الاستقرار، والرحمة ليست ضعفًا، بل قوة تربوية.
وقال النبي صلى الله عليه وآله (خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي)، وقال الإمام علي عليه السلام: إنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة.
وفي التربية، يعتمد القرآن الحوار لا القهر، كما في وصايا لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ…﴾ (لقمان: 17)، والأسلوب القرآني يقوم على الكلمة الطيبة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83).
وبذلك يبني القرآن أسرة تقوم على الاحترام، لا على الاستبداد، وعلى الحب الواعي لا الخوف القهري، فتكون الأسرة أول مدرسة نفسية وأخلاقية في حياة الإنسان.
إنجازاتُ علوم التربية والعلوم الإجتماعية ليست ببعيدةٍ عن رؤى القرآن الكريم.. فهذا “هربرت ميد” (1931-1863). عالم الاجتماع الأمريكي يرى إنَّ الذات الإنسانية تتكون بالتفاعل مع الآخرين.
ويرى “كارل روجرز” (1987-1902).عالم النفس الإنساني إنَّ التقدير والإعتبار والإهتمام هو العنصر الفعال في إرتقاء الذات البشرية.
القرآن والقوة النفسية – من القلق إلى الطمأنينة
الإنسان المعاصر يعيش في زمن الضغوط: سرعة، منافسة، خوف من المستقبل، والقرآن يقدّم علاجًا نفسيًا عميقًا: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)، وقال تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40)، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5). وقال النبي صلى الله عليه وآله (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير)، وقال الإمام زين العابدين عليه السلام: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
فالقرآن لا يلغي الألم، لكنه يمنحه معنى، ولا ينفي الشدة، لكنه يزرع الأمل، ويحوّل القلق إلى توكل، واليأس إلى رجاء، ولهذا فإن الطفل الذي ينشأ مع القرآن يكتسب شعور الأمان، والشاب الذي يحيا معه يكتسب مناعة نفسية ضد الانحراف والتيه.
نفسياً.. القلقُ مُحرك سلوكي وتتعدد أنواعه ويعمل الإنسان على تجاوزه وهُناك مَنْ يُنظّر على إنَّ القلقَ يكون أحياناً منتج وفعال خاصة القلق المعرفي.
وفي توافقيةٍ مع القرآن الكريم.. ترى مدارس علم السلوك إنَّ الأمانَ والطمأنينة والسلام الداخلي حاجةٌ نفسية أصيلة من دونها البشر لا يرتقوا نفسياً، فعالم النفس “إيرك إيركسون” (1994-1902).يرى إنَّها ضرورة للنمو النفسي والإجتماعي وهي من الإحتياجات الأساسية للفرد.
معادلة النجاح والفشل في الميزان القرآني
النجاحُ في القرآن ليس مالًا فقط، بل صلاحًا شاملًا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97)، أما الفشل الحقيقي فهو الانفصال عن القيم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124).
وقال النبي صلى الله عليه واله (إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق)، وقال الإمام علي عليه السلام: من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس.
فالقرآن يجعل الأخلاق معيار النجاح، ويجعل العدل أساس العمران، ويجعل الأمانة روح التعامل، ويجعل الإحسان قانون الحياة.
الخاتمة
أن القرآن.. نور الطريق لا زينة الرفوف، والقرآن إذا قُرئ أنار العقل، وإذا تُدُبّر أراح القلب، وإذا عُمِل به استقامت الحياة، وكما يقول الباري تبارك وتعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة: 15)، وقال الإمام علي عليه السلام: استشفوا بنور القرآن، فإنه شفاء الصدور.
فالقرآن ليس كتاب المناسبات، ولا نصّ الجنائز، بل نورٌ يومي يُمشى به في دروب الحياة المعقدة. ومن جعل القرآن رفيقه، لم يضلّ في الفكر، ولم ينكسر في الشدائد، ولم يفرغ قلبه من المعنى.
فالقرآن ليس رفًا في المكتبة، بل طريقًا في الحياة، فهل جعلناهُ منهجنا… أم اكتفينا بتعظيمهِ دون العمل به؟
وآخر الكلمات مقولةٌ لعالم الفيزياء والمتخصصِ بالمُستقبليات “مايكل هارت“(2022-1932)..الذي يقولُ.. إنَّ القُرآن هو أعظم كتابٍ في التاريخ.