إيداع العراق خرائط مياهه الإقليمية لدى الأمم المتحدة

التغطية الإعلامية الدولية والانفعالات الإقليمية

إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

أثار إعلان العراق عن إيداع خرائط حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة اهتمامًا واسعًا في وسائل الإعلام الدولية، ليس فقط باعتباره إجراءً تقنيًا قانونيًا، بل لأنه يحمل أبعادًا سياسية وسيادية في منطقة شديدة الحساسية الجيوسياسية، وقد بدا واضحًا أن التغطية الغربية تعاملت مع الحدث بوصفه مؤشرًا على تحوّل في سلوك الدولة العراقية تجاه ملفات السيادة والحدود، بينما جاءت ردود الفعل الخليجية محمّلة بخطاب متوتر اتسم أحيانًا بعدم الانضباط الإعلامي والسياسي، مع تضخيم المخاطر المحتملة.

 

ويمثل إيداع الخرائط البحرية لدى الأمم المتحدة إجراءً سياديًا مشروعًا يستند إلى قواعد القانون الدولي للبحار، ويهدف إلى:

  1. تثبيت الإحداثيات الجغرافية للحدود البحرية.

  2. توفير مرجعية قانونية لأي نزاع محتمل.

  3. تعزيز مبدأ الشفافية الدولية في إدارة الحدود.

 

ومن الناحية القانونية البحتة، لا يعني هذا الإجراء فرض واقع جديد بالقوة، بل توثيقًا رسميًا لرؤية الدولة لحدودها البحرية، وهو حق تمارسه غالبية الدول الساحلية.

 

التغطية الإعلامية الغربية– خطاب الحذر لا الاتهام

بعد الرصد والمتابعة للتغطية الاعلامية الدولية وكبريات الوكالات الصحفية نرى أن تغطيتها الخبرية اتسمت بسمات عدة، منها:

 

  1. التركيز على البعد السيادي: قدم الحدث بوصفه استعادة لدور الدولة العراقية بعد سنوات من الهشاشة المؤسسية.

  1. ربطه بسياق إقليمي أوسع: لا سيما التوترات في الخليج والممرات البحرية.

  2. لغة محايدة نسبيًا: إذ لم تُصوَّر الخطوة كتصعيد مباشر، بل كإجراء قانوني قابل للنقاش عبر القنوات الدبلوماسية.

وهذا يعكس تصورًا غربياً يرى في الخطوة العراقية انتقالًا من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة القانونية.

من جهة ثانية عرف النظام الدولي حالات مشابهة لايداع خرائط المياه، منها:

 

  • قطر- البحرين: حيث أودعت الدولتان خرائطها البحرية لدى الأمم المتحدة، وأدى التضارب في الإحداثيات لاحقًا إلى نزاع قانوني أمام محكمة العدل الدولية.

  • الصومال- كينيا: أودعت الصومال خرائط مياهها الإقليمية، ما اعترضت عليه كينيا، وتحوّل الخلاف إلى نزاع قضائي انتهى بحكم لصالح الصومال جزئيًا.

  • اليونان- تركيا: قامت اليونان بإيداع خرائط جرفها القاري، ورفضتها تركيا، ما أدى إلى تغطية إعلامية واسعة حول الأمن الإقليمي.

وتثبت هذه الحالات أن إيداع الخرائط غالبًا ما يتحول إعلاميًا إلى ملف سياسي، رغم كونه قانونيًا في جوهره، وأن التغطية الإعلامية تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الصورة الذهنية للصراع.

 

خارطة المجالات البحرية العراقية

 

الخطاب الخليجي– بين القلق المشروع والانفلات الإعلامي

جاءت ردود الفعل الخليجية على مستويين:

  1. المستوى السياسي- اتسم الموقف الخليجي بـ:

  • التشكيك في نوايا الخطوة العراقية.

  • تصويرها أحيانًا باعتبارها تغييرًا أحاديًا للوضع القائم.

  • الدعوة إلى التشاور دون إطار قانوني واضح.

 

  1. المستوى الإعلامي- كان أكثر حدة من السياسي، واتسم بـ:

  • لغة انفعالية تتجاوز منطق القانون الدولي.

  • تضخيم الحدث بوصفه تهديدًا مباشرًا للأمن البحري.

  • استخدام مفردات سيادية حساسة لإثارة الرأي العام، وتحويل الخرائط إلى مادة صراع رمزي.

 

عدم الانضباط الإعلامي وأثره السياسي

يكشف الأداء الإعلامي الخليجي عن مشكلتين رئيستين:

 

  1. غياب الفصل بين القانون والسياسة- إذ جرى خلط الإجراء القانوني بالتصعيد السياسي.

  2. تسييس الجغرافيا- حيث تحولت الخرائط إلى رموز للهيمنة بدل كونها أدوات تنظيم قانوني.

هذا النمط من التغطية يفضي إلى تأزيم الخلاف بدل احتوائه، وتقليص فرص الحل القانوني، فضلا عن خلق رأي عام ضاغط يصعب على السياسيين التراجع أمامه.

 

الاستنتاجات

  1. الخطوة العراقية قانونية وليست تصعيدًا- وإيداع الخرائط البحرية لدى الأمم المتحدة يمثل ممارسة سيادية إجرائية مدعومة بالقانون الدولي، لا محاولة فرض واقع أحادي الجانب.

  2. الإعلام الخليجي حول الإجراء القانوني إلى أداة ضغط سياسي- جاء الخطاب الإعلامي متسارعًا وغير منضبط، حيث قدم الحدث كتهديد محتمل للأمن الإقليمي بدل عرضه كملف قانوني.

  3. القضية تُظهر الصراع بين سرديتين:

  • سردية قانونية: تثبيت الحقوق، وضمان الشفافية، واحترام القنوات الدولية.

  • سردية إعلامية وسياسية: تضخيم المخاطر، تسييس الجغرافيا، وربط الإجراء بالنزاعات التاريخية.

  1. التاريخ الدولي يكرر نفس النمط- تثبت حالات مثل قطر- البحرين، الصومال- كينيا، اليونان- تركيا أن إيداع الخرائط كثيرًا ما يتحوّل إعلاميًا إلى ملف سياسي رغم كونه قانونيًا.

  2. غياب الانضباط الإعلامي يضعف فرص الحوار القانوني- عندما يُقدَّم الإجراء القانوني كتهديد، يصبح من الصعب معالجته دبلوماسيًا دون خسارة صورة الدولة أو تزايد الضغوط الإقليمية.

 

الرؤية الاستشرافية

  1. بناء سردية عراقية مضادة: تعزيز التواصل القانوني والإعلامي مع المجتمع الدولي لتوضيح الطبيعة القانونية للخطوة ومنع تحويلها إلى أداة توتر.

  2. التعامل مع الإعلام الخليجي بشكل استباقي: فتح قنوات حوارية رسمية، تقديم البيانات القانونية بشفافية، وتصحيح الانطباعات المغلوطة.

  3. التركيز على التعاون الإقليمي بدل الصراع: استثمار الخرائط كأداة تفاوضية لتعزيز التعاون البحري والإقليمي، وتقليل فرص تأزيم الخلافات.

  4. تحصين الخطوات المستقبلية قانونيًا وإعلاميًا: أي تحديث للحدود البحرية يجب أن يُصاحب باستراتيجية إعلامية واضحة لإبراز الالتزام بالقانون الدولي.

  5. الرصد المستمر للتغطية الإعلامية الدولية: لأن الصورة المقدمة عالميًا تؤثر مباشرة على التفاعلات الدبلوماسية، ما يستدعي استشراف المخاطر قبل حدوث أي أزمة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى