العفة في الموروث العراقي بين الكرامة والهُوية

بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

يقول المثل: من سترها سترها الله

 

المقدمة

لم تكن العفّة في الموروث العراقي قيمةً أخلاقيةً عابرة، بل كانت عبر آلاف السنين بنيةً حضاريةً متجذّرة في وعي المجتمع ونظامه الرمزي، فمن ألواح سومر وشريعة بابل، إلى أدبيات الزهد في الحيرة ونينوى، وصولًا إلى الفقه الإسلامي في النجف وبغداد، تشكّلت العفّة بوصفها حارسًا للكرامة الإنسانية، وميزانًا للاستقرار الاجتماعي، وعنوانًا لهوية المرأة العراقية، لقد مثّلت المرأة في هذا السياق أكثر من فردٍ في أسرة، كانت حاملة شرف الجماعة ومرآة قيمها، ولذلك ارتبطت العفّة بها بوصفها قوة معنوية تضبط علاقة الجسد بالمجتمع، والحرية بالمسؤولية، والخصوصية بالقداسة، ومن هنا، فإن دراسة مفهوم العفّة في الموروث العراقي ليست استعادةً لماضٍ أخلاقي فحسب، بل هي تفكيكٌ عميق لأسس الهُوية العراقية ذاتها، في زمنٍ تتعرض فيه هذه القيم لاختبارات قاسية تحت ضغط التحولات الثقافية والإعلامية المعاصرة.

 

أولًا:  الجذور السومرية والبابلية لمفهوم العفّة 3000–5000 ق.م

لم تولد العفّة في العراق بوصفها توجيهًا أخلاقيًا فرديًا، بل تشكّلت منذ البدايات الأولى للحضارة كجزء من البنية القانونية والرمزية التي تنظّم المجتمع كله، ففي المدن السومرية ثم البابلية، لم يكن الجسد- ولا سيما جسد المرأة- شأناً خاصًا، بل عنصرًا مرتبطًا باستقرار الأسرة، ونقاء النسب، وأمن المدينة، ولهذا ارتبط مفهوم العفّة بالعدالة والسلطة والقانون، لا بالوعظ وحده.

 

قانون حمورابي

  1. العفّة في شريعة حمورابي

تمثل شريعة حمورابي نحو 1750 ق.م أقدم تقنين واضح لمفهوم الشرف الجنسي في تاريخ العراق، فقد نصّت مواد عديدة على حماية الزوجة من الاعتداء، وتجريم الخيانة الزوجية، ومعاقبة من ينتهك حرمة المرأة المتزوجة، وهذا يعني أن العفّة لم تكن مجرد فضيلة شخصية، بل قيمة قانونية تُحمى بقوة الدولة، فالمجتمع البابلي كان يرى في خرق العفة تهديدًا مباشرًا لبنية الأسرة، ومن ثم تهديدًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، لأن النسب والإرث والسلطة كلها كانت تقوم على وضوح العلاقة الزوجية ونقائها، بهذا المعنى، كانت العفّة جزءًا من مفهوم “الأمن الاجتماعي”، أي أن الحفاظ على جسد المرأة داخل إطار شرعي هو ضمان لسلامة المجتمع كله.

 

  1. المرأة المقدّسة والعفّة الطقسية

إلى جانب البعد القانوني، حملت العفّة في العراق القديم بعدًا روحيًا عميقًا، ففي المعابد السومرية، كانت هناك فئة من النساء تُعرف بالكاهنات أو الـNaditu، وهن نساء يُكرّسن حياتهن للخدمة الدينية، ويعشن في طهر وانقطاع عن العلاقات الجسدية، لم يكن هذا الانقطاع تعبيرًا عن احتقار الجسد، بل عن تقديسه، إذ كان يُنظر إلى جسد الكاهنة بوصفه “حرمًا إلهيًا”، لا يُمس لأنه مكرّس للسماء.

العفّة هنا ليست كبتًا ولا حرمانًا، بل اصطفاءً روحيًا يجعل المرأة جسدًا ذا قداسة، لا سلعة اجتماعية، وهذا يعكس تصورًا عراقيًا مبكرًا يرى في الجسد الأنثوي مجالًا للكرامة، لا مجرد غريزة.

 

ويمكن القول في الحضارة السومرية والبابلية، تبلورت العفّة بوصفها قانونًا يحمي المجتمع، ورمزًا روحيًا يقدّس المرأة، ومنذ تلك اللحظة المبكرة، تشكّل في الوعي العراقي تصور راسخ: أن المرأة العفيفة ليست امرأة محجوبة عن الحياة، بل امرأة مصونة لأنها تمثل معنى الجماعة وشرعيتها وكرامتها.

 

 

ثانيًا: العفّة في العراق الآرامي واليهودي والمسيحي 500 ق.م –600 م

في المرحلة التي أعقبت سقوط بابل وامتداد النفوذ الآرامي ثم اليهودي والمسيحي في وادي الرافدين، لم تختفِ فكرة العفّة بل أُعيد تأويلها روحيًا وأخلاقيًا، إذ تحوّل مفهوم العفّة من كونه قانونًا يحمي النسب، إلى كونه قيمة أخلاقية تحمي النفس، لا سيما في المدن الكبرى مثل بابل والموصل والحيرة، حيث التقت الثقافات والديانات وتنافست القيم.

 

  1. العفّة في التقاليد اليهودية البابلية

في البيئة اليهودية التي ازدهرت في بابل بعد السبي، ارتبطت العفّة ارتباطًا وثيقًا بفكرة العهد مع الله، فالمرأة الصالحة في الأدبيات التوراتية والتلمودية وُصفت بأنها “بيت مغلق لا يدخله الغريب”، أي أن جسدها وسمعتها وحدودها الخاصة تمثل حرمة مقدّسة، لا يجوز انتهاكها إلا في إطار الزواج المشروع، وهذا التصور لا يجعل المرأة ملكًا للرجل، بل يجعلها حرمة مستقلة، تمامًا كما يُحترم المعبد أو النص المقدس، فالعفّة هنا ليست خوفًا من المجتمع، بل التزامًا أمام الله، مما يمنحها بعدًا أخلاقيًا داخليًا، لا مجرد رقابة خارجية.

 

  1. العفّة في المسيحية الشرقية العراقية

مع انتشار المسيحية في نينوى والحيرة وبلاد آشور، برز نموذج جديد للعفّة تمثل في الزهد والرهبنة النسوية، إذ ظهرت راهبات نينوى ونساء الزهد اللواتي اخترن العفّة طريقًا للخلاص الروحي، فحوّلن أجسادهن من مجال للرغبة الاجتماعية إلى فضاءٍ للتقديس، ففي هذا السياق، أصبحت العفّة تعني: ضبط الجسد لصالح الروح، أي تحرير الإنسان من سطوة الغريزة ليبلغ صفاءً داخليًا وسموًا أخلاقيًا، وكانت المرأة العفيفة تُنظر إليها بوصفها كائنًا متجاوزًا للابتذال الاجتماعي، لا تابعًا له…

ويمكن القول في العراق الآرامي واليهودي والمسيحي، انتقلت العفّة من كونها نظامًا اجتماعيًا إلى كونها قيمة روحية داخلية، فالمرأة العفيفة لم تعد فقط من تحفظ النسب، بل من تحفظ المعنى: معنى الطهارة، والالتزام، والسمو فوق الاستهلاك الجسدي، وهكذا ترسّخت في الوعي العراقي فكرة أن العفّة ليست قيدًا على المرأة، بل ارتقاء بها.

 

 

ثالثًا: العفّة في الإسلام منذ القرن السابع الميلادي

مع دخول الإسلام إلى العراق، لم يبدأ مفهوم العفّة من الصفر، بل جرى إعادة تأصيله ضمن منظومة دينية وأخلاقية شاملة استوعبت الموروث الحضاري القديم وأعادت توجيهه نحو رؤية توحيدية للإنسان والجسد والمجتمع، فالعراق، بما يحمله من إرث سومري- بابلي وروحي يهودي ومسيحي، كان أرضًا مهيّأة لتلقي مفهوم العفّة لا بوصفه قيدًا، بل بوصفه قيمة تنظيمية تحفظ كرامة الإنسان.

في الفقه الشيعي الذي تشكّل في الحواضر العراقية الكبرى مثل الكوفة والنجف وبغداد، لم تُختزل العفّة في المظهر الخارجي، بل عُرِّفت بوصفها: “صيانة الجسد عن الامتهان، وصيانة النفس عن الابتذال” أي أن جوهر العفّة هو منع تحويل الإنسان- امرأةً كان أو رجلًا- إلى موضوع للاستهلاك أو الاستغلال، سواء جسديًا أو معنويًا.

 

 

وهنا يبرز الفارق الجوهري بين العفّة والاحتشام الشكلي، فالحجاب، في هذا التصور، ليس سوى أداة من أدوات العفّة، لا حقيقتها، فالعفّة في الإسلام منظومة أخلاقية متكاملة تشمل:

 

  • عفّة اللسان: أي الامتناع عن الفحش، والابتذال، وإشاعة الكلام الذي يشيّئ المرأة أو يبتذل العلاقة بين الجنسين.

  • عفّة النظر: أي ضبط العين عن تحويل الجسد إلى موضوع رغبة، وحماية الإنسان من التشييء البصري.

  • عفّة السلوك: أي أن يكون التصرف الاجتماعي منسجمًا مع قيمة الاحترام، لا مع منطق الإثارة أو الاستهلاك.

لقد قدّم الإسلام في العراق نموذجًا يرى في المرأة العفيفة كائنًا ذا سيادة أخلاقية، لا مجرد تابع أو موضوع حماية، فالعفّة هنا ليست خوفًا من العقوبة، بل وعيًا بالكرامة، وليست انغلاقًا، بل تحريرًا من أن تُختزل المرأة في جسدها، وبذلك اكتملت في التجربة العراقية صيغة فريدة للعفّة تجمع بين الإرث الحضاري القديم والرؤية الإسلامية للإنسان بوصفه كائنًا مكرّمًا.

 

المرأة الريفية العراقية: العفّة بوصفها رأسمالًا رمزيًا

حتى بدايات القرن العشرين، لم تكن العفّة في الريف الجنوبي صفة شخصية فقط، بل كانت رصيدًا اجتماعيًا ورمزيًا يُحمي شرف الأسرة ويُقوّي مكانة المرأة في المجتمع، ففي هذا السياق، كانت المرأة تعرف أن قيمتها لا تُقاس بجمالها وحده، بل بقدرتها على ضبط سلوكها ومظهرها وصوتها ونظرتها في كل موقف اجتماعي، لتظل كيانًا محترمًا داخل شبكة العلاقات القبلية والاجتماعية.

 

  1. عفّة الجسد في الفضاء العام

أحد أبرز مظاهر العفّة هو ضبط الجسد في الأماكن العامة، ففي القرى والمدن الجنوبية مثل الناصرية وأبو الخصيب، لم يكن الجسد الأنثوي حاضرًا كشيء “للنظر”، بل كعنصر خاضع للرقابة الأخلاقية، لذلك طورت النساء مجموعة من التصرفات الرمزية منها:

 

  • الجلوس في “كومة نساء“: عند مرور رجل غريب، تجتمع المرأة فورًا مع الأخريات لتختفي ضمن جماعة نسائية، فلا يُرى جسدها منفردًا، بل جزءًا من نسيج جماعي يحميها.

  • الوقوف بمحاذاة الجدار: عند مرور الرجال، تقف المرأة إلى جانب الجدار، تخفض رأسها، وتضيق المساحة بين جسدها والحائط، معلنةً بشكل صامت أن جسدها ليس متاحًا للنظر.

  • إدارة الحركة في الطريق: لا تمشي المرأة في منتصف الطريق ولا تسبق الرجال، بل تسلك مسارًا يعلن الاحترام والتحفظ.

  • وضع العباءة على الفم عند الضحك أو الكلام: اعتقادًا أن الفم والأسنان عورة أمام الرجال، فتغطيه كجزء من سترها وحماية سمعتها.

هذه التصرفات لم تكن مجرد عادة، بل طقوس يومية للعفّة الجسدية، تحافظ على هيبة المرأة ومكانتها الرمزية في المجتمع.

 

  1. عفّة الصوت والكلام

العفّة لم تقتصر على الجسد، بل شملت الصوت واللسان.  المرأة الريفية:

  • لا ترفع صوتها أمام الرجال الغرباء.

  • لا تضحك بصوت عالٍ.

  • لا تدخل في مزاح أو جدال معهم.

  • تكلم فقط بالضرورة، وبكلمات مختصرة ومحترمة.

في الثقافة الريفية، الصوت يُعد امتدادًا للجسد، أي ارتفاع أو تجاوز في الكلام يمكن أن يُعتبر خرقًا للحدود الأخلاقية، وهو ما يؤكد أن العفّة هي ضبط كامل لحضور المرأة الاجتماعي.

 

  1. عفّة الجلوس والنظر

حتى في المجالس المختلطة، كانت المرأة:

  • تجلس في زاوية بعيدة عن الرجال.

  • تنظر إلى الأرض ولا تواجه الرجل بنظرة مباشرة.

النظرة نفسها في هذا السياق ليست مجرد عفّة بصرية، بل لغة رمزية تعكس ضبط المرأة لجسدها وكيانها الاجتماعي، وتؤكد احترامها لنظام الشرف الذي تحمله.

 

  1. عفّة الحضور الاجتماعي والسمعة

المرأة الريفية لم تكن كثيرة الخروج، ولم تُرى في أماكن اللهو أو المجالس المختلطة إلا للضرورة، حتى جمالها لم يكن سببًا للافتخار الشخصي، بل كان جزءًا من سمعة العائلة وكرامتها، فالسمعة قبل الجسد كانت أهم مقياس للعفّة: فتاة تُحافظ على حضورها المكبوت وقيودها الرمزية تُعد رأسمالًا أسريًا واجتماعيًا يُحمي الأسرة ويمكّنها من الزواج والاحترام.

 

 

ويمكن القول ان المرأة الريفية الجنوبية لم تكن صامتة أو مقهورة، بل كانت مديرة لحدودها الرمزية في المجتمع. كانت تعرف بالضبط: أين تقف، وكيف تجلس، ومتى تتكلم، وكيف تنظر… كل هذه التصرفات معًا تشكّل شبكة العفّة التي تحمي كرامتها الشخصية والاجتماعية، وتجعلها ركيزة أساسية لاستمرارية القيم الأخلاقية في الريف العراقي.

 

في بغداد القديمة

في بغداد القديمة، وفي أحياء الكاظمية والأعظمية والنجف وأحياء الموصل القديمة، كانت العفّة قيمة أساسية تحدد مكانة الفتاة داخل المجتمع، فكانت لا تخرج إلا برفقة أحد من أهلها، ولا تضحك في الشارع، وكانت سمعتها هي معيار قيمتها أكثر من مظهرها أو جمالها، ما جعلها رمزًا للانضباط والكرامة الاجتماعية. وعلى الرغم من الاختلاف الظاهري بين المدينة والريف، فإن روح العفّة نفسها موجودة عند المرأة الريفية الجنوبية، لكنها تأخذ صورًا عملية أكثر وضوحًا في سلوكها اليومي: فهي تجلس في كومة نساء عند مرور رجل غريب، وتقف بمحاذاة الجدار، وتضبط صوتها ونظرتها وحركتها، إن المرأة البغدادية لم تكن تقلد الريفية، لكنها تشاركها الهدف نفسه: حماية جسدها وسمعتها والحفاظ على مكانتها الاجتماعية، مع اختلاف الآليات والطقوس بحسب البيئة المحيطة.

 

العفّة في الموروث الشعبي العراقي: رصيد اجتماعي وقيّم ثقافية

في العراق القديم والحديث، لم تكن العفّة مجرد فضيلة شخصية للمرأة، بل كانت رصيدًا اجتماعيًا يحدد مكانتها وسمعة أسرتها داخل المجتمع. وقد تجلّى هذا الرصيد في الأمثال الشعبية والحكم المتداولة التي حرصت على نقل القيم الأخلاقية للأجيال، حيث نجد أمثلة واضحة تعكس فهم المجتمع العميق للعفّة منها:

 

  • يقول المثل: الحرمة سترها بيدها، أي أن المرأة مسؤولة عن حماية جسدها وسمعتها، وأن قيمتها مرتبطة بوعيها وسلوكها الشخصي، وليس بمراقبة المجتمع وحده.

  • ويؤكد المثل: السمعة مثل الزجاج إذا انكسر ما ينجبر، مشيرًا إلى أن فقدان العفّة يؤدي إلى تشويه مكانة المرأة وعائلتها، وأن استعادتها صعب أو مستحيل.

  • أما المثل الشعبي: المرأة الحصينة سترها أكثر من بيتها، فيسلط الضوء على أن المرأة العفيفة تجعل نفسها محمية بالحياء والانضباط أكثر من أي جدار أو قفل.

  • وفي الجنوب العراقي، يقال: العيون ما تشوف إلا الستار، في إشارة إلى أن العفّة تتحقق أيضًا بضبط النظر والجسد، وليس بمجرد الحجاب.

  • ويشير المثل: من سترها سترها الله إلى الاعتقاد الديني والشعبي بأن العفّة ليست فقط رصيدًا اجتماعيًا، بل حماية روحية يكرمها الله ويعطيها الاحترام بين الناس.

هذه الأمثال وغيرها تظهر أن العفّة في الموروث الشعبي ليست صفة فردية، بل شبكة متكاملة من السلوكيات والقيود الرمزية التي تحمي المرأة وتضمن احترامها ومكانتها. كما أنها تربط العفّة بالأسرة والمجتمع والكرامة، فلا تعتبر مجرد فضيلة شخصية، بل رصيدًا اجتماعيًا قيمًا يتوارثه المجتمع ويُقاس به الشرف والمقام.

 

 

سادسًا: التحوّل المعاصر لقيم العفّة في العراق بعد  2003

بعد عام 2003، شهد العراق تغيّرًا عميقًا في البنى الاجتماعية والثقافية، لم يكن مجرد تطور طبيعي، بل كان نتيجة تحولات قسرية فرضتها عوامل سياسية واجتماعية وتقنية، فقد تعرضت القيم التقليدية، ومن بينها العفّة، لتفكيك شبه منهجي عبر الإعلام والسوشيال ميديا والثقافة الاستهلاكية الجديدة.

 

  1. العفّة والجسد: من رمز شرف إلى سلعة

في المجتمع العراقي التقليدي، كان جسد المرأة حاملًا للكرامة ومقياسًا للشرف الأسري والجماهيري، سواء في الريف أو المدينة، أما في البيئة المعاصرة بعد 2003: صار الجسد أكثر ظهورًا في الإعلانات، والميديا، والفيديوهات، والأزياء الحديثة المستوردة، وتم تصوير المرأة بوصفها منتجًا استهلاكيًا، ليس ككائن له كرامة مستقلة، بل كعنصر يجذب الانتباه ويزيد الأرباح، تحول هذا الموقف تدريجيًا إلى معيار اجتماعي جديد، إذ بدأ المجتمع يربط قيمة المرأة بمظهرها أو قدرتها على الظهور الإعلامي، بدل سمعتها أو تصرفاتها الأخلاقية.

 

  1. المرأة بين المقام والعرض

في التقليد العراقي، كانت المرأة مقامًا يحميه المجتمع ويقدّره، سواء في الريف الجنوبي حيث كانت العفّة تصنع من جسدها وسلوكها حصنًا رمزيًا، أو في المدن مثل بغداد حيث كان الحياء والسمعة هما المقياس، بعد 2003: صار للمرأة دور مركّب في الإعلام والسوشيال ميديا، وغالبًا ما كانت موضوعًا بصريًا بدل أن تكون محورًا أخلاقيًا، وكثير من النساء اللواتي يسافرن أو يظهرن على المنصات الافتراضية أصبح حضورهن مؤشرًا على العرض لا على الاحترام، وهو انعكاس لتفكيك القيم التقليدية للعفّة.

 

 

  1. الإعلام والسوشيال ميديا كأداة تفكيك القيم

الإعلام الحديث، ولاسيما المنصات الرقمية، لعب دورًا مزدوجًا: من جهة، مكّن المرأة من التعبير عن نفسها، وتحقيق مساحة من الحرية، ومن جهة أخرى، حوّل الانفتاح إلى سلعة مرئية، حيث يُقاس النجاح الاجتماعي للمرأة بمدى ظهورها، لا بمدى تمثيلها للقيم الأخلاقية.

هذا التوجه أضعف الهيبة الرمزية للمرأة، وحوّل العلاقات الاجتماعية إلى علاقات استهلاكية بصرية، فأصبحت العفّة عرضًا قابلاً للشراء أو للمشاهدة، بدلاً من كونها رصيدًا معنويًا مستقرًا.

 

 

  1. انعكاسات اجتماعية

 

نتج عن هذه التحولات عدة آثار على المجتمع العراقي:

 

  • تفكيك الدور التقليدي للأسرة

أدّى الانفجار الإعلامي بعد 2003 إلى كسر أحد أعمق أنظمة الضبط الاجتماعي في العراق، وهو نظام السمعة والعفّة الذي كانت الأسرة تضبطه وتديره عبر التربية والرقابة والقيم المتوارثة، إذ لم تعد العائلة اليوم هي الجهة التي تُنتج صورة ابنتها في المجتمع، بل أصبحت هذه الصورة تُصنع في فضاء رقمي مفتوح، حيث يمكن لصورة واحدة أو تعليق عابر أن يهدم تاريخًا طويلًا من الاستقامة والانضباط الاجتماعي، وهكذا تراجعت سلطة العائلة الرمزية، وبرزت سلطة الجمهور والمنصّة بوصفهما محكمة عليا للسمعة.

  • تحوّل الجسد من قيمة أخلاقية إلى مادة تداول

وفي هذا السياق تغيّر معنى الجسد الأنثوي نفسه، فبعد أن كان في الثقافة العراقية رمزًا للشرف وحدودًا للخصوصية، صار (عند البعض) مادة عرض ورأسمالًا رقميًا يُتداول ويُؤوَّل ويُدان، ولم تعد العفّة مرتبطة بالسلوك اليومي داخل الجماعة، بل باتت تُقاس عبر الكاميرا وعدد المشاهدات وطريقة الظهور، وكأن الجسد انتقل من كونه وعاءً للكرامة إلى كونه وثيقة عامة خاضعة للتقييم الجماعي.

  • صراع الأجيال حول معنى الكرامة

هذا التحول فجّر صراعًا حادًا بين الأجيال، فالشباب الذين تشكّلت ذواتهم داخل ثقافة المنصات يرون في العفّة التقليدية قيدًا على الحرية الفردية، بينما ترى الأجيال الأكبر فيها الأساس الذي يحفظ الكرامة والاستقرار الاجتماعي، وبين هذين المنطقين تعيش المرأة العراقية تمزقًا دائمًا: فهي مطالبة بأن تكون “حرة” وفق معيار المنصة، و”محترمة” وفق معيار الجماعة.

  • العزوف عن الزواج

ومن أخطر نتائج هذا التحول تآكل الثقة داخل مؤسسة الزواج نفسها، إذ أصبح الماضي الرقمي للمرأة، بصوره ومحتواه وتعليقاته، هاجسًا دائمًا في عقل الرجل والأسرة، حتى بات كثيرون يعزفون عن الزواج خوفًا من أن يتحول هذا الماضي إلى أداة ابتزاز أو فضيحة في لحظة خلاف، وفي المقابل تعيش كثير من النساء قلقًا عميقًا من أن يُستدعى أي أثر رقمي سابق ليُستخدم ضدهن في الزواج أو الطلاق، مما جعل الارتباط العاطفي مشروعًا محفوفًا بالمخاطر الرمزية لا بالحب وحده.

  • انتشار ثقافة الشك والرقابة

وتحت ضغط هذا الخوف الجماعي نشأت ثقافة جديدة قوامها الشك والرقابة، لم يعد الهاتف جهاز تواصل، بل ملف تحقيق، ولم تعد الحسابات فضاء تعبير، بل دليل إدانة محتمل، وهكذا ضعفت الثقة المتبادلة، وتحولت العلاقات إلى مساحات تفتيش ومساءلة بدل أن تكون فضاءات طمأنينة ومشاركة.

  • هشاشة السمعة النسوية

وفي النهاية أصبحت السمعة النسوية أكثر هشاشة برأي عدد لا يستهان به من الشباب من أي وقت مضى، ففي المجتمع التقليدي كانت تُبنى عبر السلوك داخل الحي والعشيرة والعمل، أما اليوم فهي معلّقة بصورة قد تُفبرك، أو فيديو قد يُقتطع، أو حملة تشهير قد تُطلق من مجهول، إذ لم تعد المرأة مطالبة فقط بأن تكون عفيفة، بل أن تكون أيضًا محصّنة رقميًا من التحريف والتشويه، وهو عبء وجودي جديد لم يعرفه الموروث العراقي، مهما كان صارمًا في أخلاقياته.

العبرة من هذا التحوّل هي أن العفّة ليست مجرد سلوك فردي أو ديني، بل شبكة من القيم الرمزية والاجتماعية التي تتأثر بالوسائط التقنية والتغيرات السياسية، وما يحدث بعد 2003 يوضح مدى هشاشة هذه الشبكة أمام التحولات الإعلامية والاجتماعية العميقة.

 

 

الأستنتاجات

  • العفّة قيمة تاريخية متجذرة: من الحضارة السومرية والبابلية إلى الفقه الإسلامي، كانت العفّة دائمًا جزءًا من البنية الاجتماعية والقانونية والدينية، وليست مجرد فضيلة شخصية، بل عنصر يحمي النسب، السمعة، والاستقرار الاجتماعي.

  • المرأة العراقية حاملة للعفّة ورمز للكرامة: سواء في الريف الجنوبي أو في المدن القديمة كالبصرة وبغداد والموصل، كانت المرأة مركزًا للشرف الجماعي. جسدها، صوتها، ونظرتها كانت أدوات للحفاظ على الكرامة، وعلامة على قوة القيم الاجتماعية.

  • العفّة كرصيد اجتماعي ورمزي: توضح الأمثال الشعبية العراقية مثل “الحرمة سترها بيدها” و”السمعة مثل الزجاج إذا انكسر ما ينجبر” أن العفّة لم تكن مجرد سلوك فردي، بل رصيدًا اجتماعيًا يعكس احترام الأسرة والمجتمع.

  • اختلاف صور العفّة بين الريف والمدينة: المرأة الريفية كانت تُمارس العفّة عمليًا: الجلوس في كومة نساء، الوقوف بمحاذاة الجدار، ضبط الصوت والنظر، وإدارة الحركة. أما المرأة الحضرية مثل البغدادية القديمة، فكانت تركز على السمعة، الالتزام بالصحبة عند الخروج، وضبط الضحك والنظر، مما يدل على أن الجوهر نفسه موجود، لكن الوسائل تختلف بحسب البيئة.

  • العفّة ليست قيدًا بل قوة أخلاقية: تاريخيًا، العفّة كانت وسيلة لحماية المرأة وسمعتها، ولم تكن مجرد قمع أو تقيد، بل أداة للهيبة والسيادة الرمزية للمرأة داخل الأسرة والمجتمع.

  • التحوّل المعاصر هزّ أسس العفّة التقليدية: بعد 2003، أدى الإعلام والسوشيال ميديا إلى تحويل الجسد من رمز شرف إلى سلعة، وتحويل المرأة من مقام إلى عرض، مما عرّى هشاشة القيم التقليدية أمام الانفتاح الرقمي والثقافة الاستهلاكية، وأضعف شبكة الرموز الاجتماعية والأخلاقية التي حافظت على الكرامة لقرون.

  • أهمية إعادة قراءة العفّة في السياق المعاصر: العفّة اليوم ليست مجرد مظهر أو حجاب، بل شبكة من القيم الرمزية والأخلاقية والاجتماعية التي تحتاج إلى صيانة، وإعادة تأصيل بين الأجيال، لتصبح جزءًا من التربية والثقافة وليس قيدًا جامدًا.

 

 

الخاتمة

لقد أثبتت دراسة العفّة في الموروث العراقي أنها ليست مجرد فضيلة فردية، بل ركيزة ثقافية واجتماعية متجذرة عبر آلاف السنين. من الجذور السومرية والبابلية، حيث كانت العفّة جزءًا من الشريعة والحياة الدينية والاجتماعية، مرورًا بالمرحلة الآرامية واليهودية والمسيحية التي أعادت صياغتها بوصفها قيمة روحية تضبط الجسد لصالح الروح، وصولًا إلى الإسلام العراقي الذي رأى فيها صيانة للجسد والنفس والسمعة، كانت العفّة دائمًا شبكة متكاملة من السلوكيات والرموز التي تحمي المرأة وتمنحها مقامًا يحفظ لها كرامتها وكرامة أسرتها.

غير أن التحولات المعاصرة بعد عام 2003 طرحت تحديات حقيقية، إذ أسهم الإعلام والسوشيال ميديا في تفكيك القيم التقليدية للعفّة، وتحويل الجسد من رمز للشرف إلى سلعة، والمرأة من مقام رمزي إلى عرض بصري. هذا التحوّل كشف هشاشة الشبكة الاجتماعية والأخلاقية التي حافظت على كرامة المرأة لقرون، لكنه أيضًا يفتح فرصة لإعادة النظر في مفهوم العفّة ليس كقيد، بل كقيمة أخلاقية متجددة يمكن أن تتكيف مع العصر الرقمي دون فقدان جوهرها.

إن الدرس الأخلاقي المستخلص من هذه الدراسة أن العفّة ليست مجرد حجاب أو سلوك ظاهر، بل مسار حياة متكامل يحمي الجسد والنفس والسمعة ويضمن الاحترام الاجتماعي. وهي قيمة تتطلب تربية مستمرة، ووعيًا جماعيًا، وإعادة تأصيلها في الثقافة الشعبية والتعليمية، لتظل المرأة العراقية، سواء ريفية أو حضرية، حاملة لمجدها الرمزي وراعية لكرامة أسرتها ومجتمعها.

 

المصادر
  1. الدليمي، د. دُعاء محسن علي. (2018). حقوق المرأة ومكانتها في مجتمع العراق القديم. مجلة جامعة ميسان، كلية التربية – قسم التاريخ.
  2. سعودي، رقيب حسون عبودي. (2022). دور المرأة في المجتمع العراقي بالعصور القديمة. مجلة الخليج العربي، 50(4)، 39–64.
  3. القُرّي، د. نادية. (2018). المرأة العراقية ومستقبل التغيير الاجتماعي بعد 2003 [رسالة ماجستير غير منشورة]. جامعة ديالى، كلية التربية (مركز الدراسات الاجتماعية).
  4. دراسة أكاديمية في تاريخ المرأة ودورها في العراق. Al-Ali, N. S. (2007). Iraqi women: Untold stories from 1948 to the present.
  1. تاريخ رابطة المرأة العراقية. استُرجع من ويكيبيديا Iraqi Women’s League. (n.d.).
  2. مجلة نسائية عراقية تناولت قضايا المرأة ودورها في المجتمع. Layla (magazine). (1923–1925).

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى