من مدرسة التقوى إلى موسم المسلسلات.. سيرة التحوّل الرمضاني
بقلم: د. طارق حسين طارش
باحث في وزارة التربية / مديرية تربية الرصافة الثالثة
يتحوّل التدين إلى صورة قابلة للنشر، وإلى مشهدٍ يُستهلك بصريًا
رمضانكماأُريدلهأنيكون
لم يكن شهر رمضان في الوعي الإسلامي مجرد موسمٍ للامتناع عن الطعام والشراب، بل كان حدثًا روحيًا عميقًا يعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه، وبربه، وبالناس من حوله، كان مساحة زمنية تُفتح فيها أبواب المراجعة الداخلية، وتُستعاد فيها بوصلة المعنى بعد أن تتيه في صخب الحياة، كان زمنًا يتقدّم فيه القلب على الجسد، والنية على العادة، والصدق على المظهر. لم يكن الغرض منه أن نجوع ساعاتٍ ثم نعود إلى ما كنّا عليه، بل أن نهتزّ من الداخل، وأن نكتشف هشاشتنا، وأن نتعلّم كيف نضبط رغباتنا بدل أن تضبطنا.
كان رمضان شهرًا لتصفية الداخل قبل تزيين الخارج، شهرًا لإعادة بناء الضمير قبل استعراض التدين، شهرًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بقدرته على كبح غضبه، وخفض صوته، وكفّ أذاه، لا بقدرته على إعلان صيامه. فيه يتعلّم المرء أن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل امتناعًا عن الظلم، وعن القسوة، وعن كل ما يشوّه نقاء الروح، وفيه يدرك أن الجوع المقصود ليس جوع المعدة فقط، بل جوع النفس إلى التزكية، وإلى نورٍ يبدّد عتمة الاعتياد.
غير أن ما نراه اليوم يشير إلى تحوّل مقلق، إذ أصبح رمضان في كثير من البيئات شهر طقوسٍ اجتماعية تُؤدّى بلا تأمل، وموسم استهلاك تُزيَّن فيه الموائد أكثر مما تُزكّى النفوس، ومناسبة إعلامية يعلو فيها صوت الإعلان على صوت القرآن. صار التركيز على المظهر أكثر من الجوهر، وعلى العادة أكثر من المقصد، وعلى الحركة أكثر من السكون الذي يولد فيه المعنى. لقد بقي الشكل حاضرًا بقوة، بقيت المظاهر، والطقوس، والتقاليد، لكن المعنى العميق الذي أراد أن يصنع إنسانًا أتقى وأرحم أخذ يتراجع بصمت، حتى كاد يتحول الشهر من مدرسةٍ للتقوى إلى محطةٍ عابرة في تقويم الحياة.
الغايةالقرآنيةمنالصيام: التقوىلاالجوع
القرآن حين شرع الصيام لم يربطه بالجوع، ولا بحرمان الجسد، ولا بإرهاق الحواس، بل ربطه بهدف أخلاقي عميق ومركزي في البناء الإيماني للإنسان: ﴿لَعَلَّكُمْتَتَّقُونَ﴾، وكأن الغاية ليست في الفعل ذاته، بل في الأثر الذي يُحدثه الفعل في الداخل، ليست في الامتناع، بل في التحوّل، ليست في عدد الساعات، بل في نوعية الوعي الذي يتشكّل خلالها. فالتقوى في المنظور القرآني ليست طقسًا يُؤدّى، ولا مظهرًا يُرى، بل حالة يقظة دائمة، ورقابة داخلية تستقر في الضمير، فيشعر الإنسان بحضور الله في السر قبل العلن، ويستحي من الخطأ حين لا يراه أحد، كما يستحي منه أمام الناس. إنها انتقال من رقابة المجتمع إلى رقابة الذات، ومن الخوف من الفضيحة إلى الخوف من الله، ومن التدين الشكلي إلى الوعي الأخلاقي العميق.
الصيام، في جوهره، مدرسة لإعادة ترتيب الأولويات داخل النفس، تدريب عملي على ضبط الرغبات بدل الانقياد لها، تمرين يومي على كسر هيمنة الجسد حين يطالب بحقه الفوري، إعلان رمزي بأن الإنسان قادر على أن يقول لشهوته “لا” حين يكون “لا” هو الطريق إلى الله. إنه استعادة للقيادة الأخلاقية للنفس بعد أن تهيمن عليها العادات والاندفاعات، وهو اختبار حقيقي لمدى تحرر الإنسان من عبوديته لما يشتهي. لكن حين يُختزل الصيام في الامتناع عن الطعام والشراب، وحين يُفهم بوصفه تجربة جسدية فحسب، فإنه يُفرَّغ من غايته الكبرى، ويتحوّل من مشروع تزكية إلى عادة موسمية، ومن موقف إيماني واعٍ إلى سلوك اجتماعي متكرر، يؤديه الإنسان لأنه اعتاد أداءه، لا لأنه يعيش معناه ويستشعر أثره في قلبه وسلوكه.
منالعبادةإلىالعادة: كيففُرّغرمضانمنمضمونه؟
هذا التفريغ لم يأتِ من فراغ، ولم يكن حادثة عابرة، بل هو نتيجة تحولات ثقافية واجتماعية عميقة تراكمت عبر الزمن، إذ انتقل الدين في وعي كثيرين من كونه تجربة روحية حية إلى كونه إطارًا شكليًا يُمارَس ضمن العادة الجماعية، ومع صعود الثقافة الاستهلاكية الحديثة، أُعيد تشكيل رمضان لا بوصفه مدرسة للتقوى، بل بوصفه موسمًا اقتصاديًا ضخمًا، موائد عامرة تتضاعف فيها الأطباق، وإعلانات متدفقة تستثمر العاطفة الدينية، وأسواق تبلغ ذروة نشاطها تحت شعار “عروض رمضان”، تحوّل الشهر من زمن تهدئة الرغبات إلى زمن تحفيزها، ومن لحظة تقليل إلى سباق تكثير، حتى بات الاستهلاك فيه أعلى من سائر شهور العام، في مفارقة صارخة مع فلسفة الصوم القائمة على التقشف وضبط النفس.
بدل أن يكون رمضان شهر تهذيب الشهوة، أصبح شهر إعادة إدارتها، نمتنع ساعات، ثم نُفرط ساعات، نُمسك نهارًا، ثم نُطلق العنان لغرائز الطعام والشراء والسهر ليلًا، وهكذا لم تُكسَر الشهوة، بل أُعيد تنظيمها ضمن جدول جديد، حتى معاني الفقر والزهد والتضامن مع المحتاجين، التي كانت جوهر التجربة الرمضانية، تراجعت أمام منطق السوق الذي لا يعرف إلا العرض والطلب، ولا يعترف إلا بالقوة الشرائية،ـ صار التركيز على امتلاء المائدة أكثر من امتلاء القلب، وعلى تنوع الأطباق أكثر من تنوع أعمال البر، فتبدّل الميزان، وأصبح رمضان، في صورته المشوّهة، طقسًا اجتماعيًا متكررًا، لا رحلة تحوّل داخلي تعيد للإنسان بساطته ونقاءه.
لم يعد الإعلام مجرّد ناقلٍ لأجواء رمضان، بل أصبح صانعًا لنسخةٍ بديلة منه، نسخة تُعاد فيها صياغة الشهر وفق إيقاع الشاشة لا إيقاع الروح، ووفق جدول البثّ لا جدول العبادة. تتزاحم المسلسلات، وتُحشد برامج الترفيه، وتُطلق الحملات الإعلانية بكثافة محسوبة، حتى يغدو رمضان موسمًا دراميًا بامتياز، لا محطةً للتأمل والمراجعة. الشاشات لا تعكس روح الشهر بقدر ما تفرض عليه منطقها، فتبتلع زمن القيام، وتزاحم لحظات الخشوع، وتحوّل الليل الذي كان يُعاش في حضرة القرآن إلى سباق مشاهدةٍ طويل، يمتد حتى السَّحر. أما لحظة السكون التي كانت تُخصّص للدعاء والخلوة، فقد أُعيد تعريفها بوصفها فرصةً للتصفّح وملاحقة الترندات، وهكذا، شيئًا فشيئًا، استُبدلت العلاقة الرأسية المتجهة إلى الله بعلاقة أفقية متصلة بالشاشة، وصار الحضور الرقمي أقوى من الحضور الروحي.
الفيلسوف الفرنسي غي ديبورد صاحب كتاب “مجتمع الاستعراض”
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذا التحول في ضوء ما سمّاه عالم الاجتماع الألماني Max Weber بـ”علمنة المقدّس”، إذ لا يُلغى الدين من المجال العام، بل يُعاد تفسيره ضمن منطق السوق والعقل الأداتي، فيبقى رمضان حاضرًا في الواجهة، لكن بوصفه حدثًا ثقافيًا واجتماعيًا، لا تجربةً روحية عميقة، ويعزّز هذا الفهم ما طرحه الفيلسوف الفرنسي Guy Debord في نظريته عن “مجتمع الاستعراض”، حيث لم تعد القيمة فيما نعيشه فعلًا، بل فيما نعرضه ونتباهى به، ففي هذا السياق، يتحوّل التدين إلى صورة قابلة للنشر، وإلى مشهدٍ يُستهلك بصريًا، فيعرض الصائم صيامه، ويبثّ لحظاته، ويشارك تفاصيل عبادته، لكنه قد لا يعيش التحوّل الداخلي الذي يفترض أن يصنعه الصوم، وهكذا يُختزل رمضان في تمثيل رمزي، لا في تجربة تغيير حقيقي تمسّ القلب والسلوك.
مدرسةأهلالبيت: الصومكتزكيةلاكطقس
في خضم هذا التحوّل الذي أصاب معنى الصيام، يصبح الرجوع إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام ضرورة فكرية وروحية، لأنها لم تتعامل مع الصوم بوصفه ممارسة جسدية مؤقتة، بل باعتباره مشروع تزكية شامل يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. لقد شدّد أئمة أهل البيت على أن قيمة العبادة لا تُقاس بصورتها، بل بأثرها، ولا بظاهرها، بل بعمقها في الضمير. فالصيام، في هذا المنهج، ليس ما يدخل الفم فيُمنع، بل ما يخرج من القلب فيُطهَّر، ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل امتناع عن الغيبة، وعن الظلم، وعن القسوة، وعن كل ما يجرح إنسانية الإنسان. إنه صوم اللسان قبل المعدة، وصوم النظر قبل اليد، وصوم القلب عن الحقد قبل صوم الجسد عن الشهوة.
وفق هذا الفهم، لا يكون الجوع غايةً في ذاته، بل وسيلة لتحرير الإنسان من عبودية الرغبة، ومن استبداد العادة، ومن أسر الشهوة التي تُقيّد الإرادة. الصوم الحقيقي هو الذي يكسر هيمنة الأنا، ويُعيد للإنسان قدرته على الاختيار الأخلاقي الواعي. لذلك فإن رمضان، في ميزان هذه المدرسة، لا يُقاس بأيامه المعدودة، بل بآثاره الممتدة بعد انتهائه، فإن خرج الإنسان من الشهر أكثر صدقًا في قوله، وأكثر رحمةً في تعامله، وأكثر عدلًا في مواقفه، فقد صام حقًا. أما إذا انتهى الشهر وعادت القسوة كما كانت، واستُؤنفت الأخطاء كما هي، فإن الطقس قد أُدّي، لكن التزكية لم تتحقق.
الخاتمة
هلمازالرمضانيهزّنامنالداخل؟
إن أخطر ما أصاب رمضان اليوم ليس الفضائيات ولا الأسواق، بل قبول الناس بأن يعيشوه بلا وعي، فالشهر لم يُشرَّع ليكون موسمًا، بل ليكون صدمة روحية تعيد ترتيب الأولويات، وتهزّ الإنسان من الداخل،