شهر رمضان.. ضيافة الله الكبرى

إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ… بهذه الكلمات افتتح النبيّ صلى الله عليه وآله خطبته في آخر جمعة من شعبان، معلناً قدوم ضيف لا يشبه سواه من الضيوف، ضيفٌ يأتي محمّلاً بالمعنى قبل الزمن، وبالرحمة قبل الجوع، وبالإصلاح قبل الطقس، فرمضان ليس مجرّد شهر في التقويم، بل موسم سماوي تتنزّل فيه البركات، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان وربّه ونفسه ومجتمعه.

يقول تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185)، فالزمن هنا ليس حيادياً، بل زمنٌ مؤطَّر بالهداية، ومشحون بالرسالة، ومهيّأ للتحوّل الأخلاقي.

 

شهر رمضان.. زمنٌ مشحون بالقيمة لا بالعدد

إذا كان الزمن في الثقافة الحديثة يُقاس بالإنتاج والاستهلاك، فإن الزمن في رمضان يُقاس بالتزكية والتحوّل، إنّه زمن يُعاد فيه تعريف “الربح والخسارة” فالرابح هو من غلب نفسه، لا من أشبعها، والخاسر هو من مرّ عليه الشهر ولم يتغيّر فيه شيء.

يقول الإمام علي عليه السلام الصِّيَامُ ابْتِلَاءٌ لِإِخْلَاصِ الْخَلْقِ فالصيام ليس حرماناً جسدياً بقدر ما هو اختبار أخلاقي: هل يستطيع الإنسان أن يقدّم أمر الله على رغبة نفسه؟

ويقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 183)، فالغاية ليست الجوع، بل التقوى، أي إعادة ترتيب الداخل الإنساني وفق ميزان الضمير لا وفق ضغط الشهوة.

 

العبادة بوصفها أسلوب حياة

في الرؤية القرآنية، العبادة ليست فعلاً طقوسياً معزولاً، بل نمط وجود: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162)، وفي خطبة النبيّ في استقبال رمضان نقرأ: أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ.

هذه النظرة تُخرج العبادة من ضيق الشعيرة إلى سعة الحياة، وتحوّل اليوميّ البسيط إلى فعلٍ معنوي: الأكل يتحوّل إلى شكر، والتعب إلى أجر، والصبر إلى معنى.

ويقول الإمام الصادق عليه السلام: لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ فالفرح هنا ليس بيولوجياً فقط، بل وجودياً: فرح باستعادة السيطرة على الذات.

 

البعد الاجتماعي للصيام

لم يُشرّع الصيام لإنتاج ناسكين منعزلين، بل لصناعة مجتمع متراحم. يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 2)، وفي الخطبة النبوية جاء: تَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ، وَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، ويقول الإمام علي عليه السلام: اللَّهَ اللَّهَ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَشَارِكُوهُمْ فِي مَعَايِشِكُمْ.

الصيام هنا ليس تجربة فردية فقط، بل تجربة تضامن: يشعر الغني بألم الجوع، فيعيد النظر في مفهوم الاكتناز، ويستعيد المجتمع لغة المشاركة بدل لغة التفاوت.

 

تزكية النفس في عصر الضجيج

من أبرز وصايا النبي في الخطبة: “احْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَسْمَاعَكُمْ”، ويقول تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)، ويقول الإمام زين العابدين عليه السلام: وَأَعِنِّي عَلَى صِيَامِهِ بِكَفِّ الْجَوَارِحِ عَن مَعَاصِيكَ

 

في زمننا هذا- زمن الصورة والكلمة السريعة- يصبح الصيام تدريباً على:

  1. الصمت الواعي.

  1. تنقية النظر.

  2. ترشيد الاستماع.

  3. مراجعة اللغة والسلوك.

 

فالصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن الإساءة، وصيام القلب عن القسوة، وصيام العقل عن السطحية.

 

شهر رمضان بين التاريخ والحداثة

كان المسلمون الأوائل يستقبلون رمضان كتحوّل في نمط العيش، لا كاستمرار للعادة، واليوم، مع تسارع الحياة وتحويل الشهر إلى موسم استهلاك، يصبح استحضار مقاصده ضرورة ثقافية لا وعظية فقط. يقول الإمام الصادق عليه السلام: إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ، فالصيام مشروع شامل لإعادة بناء الإنسان في زمن التشتّت.

فيمكن لشهر رمضان اليوم أن يكون:

 

  1. مساحة هدوء في عالم صاخب.

  1. مراجعة ذاتية في زمن السرعة.

  2. وقفة أخلاقية في حضارة الاستهلاك.

 

الخاتمة

شهر رمضان ليس شهراً يمرّ، بل رسالة تُعاش، هو مدرسة للتقوى، ومختبر للإرادة، وموسم لإعادة بناء الإنسان من الداخل، فيه نتعلّم أن الصبر ليس حرماناً بل تربية، وأن العبادة ليست طقساً بل أسلوب حياة، وأن الرحمة ليست شعاراً بل ممارسة يومية.

يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)، ويقول الإمام علي عليه السلام: أَلَا وَإِنَّ التَّقْوَىٰ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ

فلنستقبل هذا الشهر كما يُستقبل الضيف الكريم: بقلوب طاهرة، ونوايا صادقة، وسلوك يُشبه ما نرجوه من الله، فإن أعظم الخسارة أن يمرّ رمضان ولا يتغيّر فينا شيء، وأعظم الفوز أن نخرج منه وقد صلح القلب، واستقامت الطريق، وتخفّفت الروح من أثقالها.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى