إقتصاد الريع.. حين تصبح الدولة ربّ عملٍ بلا عمل

بقلم: د. حسن هاشم حمود

باحث في مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

المقدمة

يعاني الاقتصاد العراقي منذ عقود من أزمة هيكلية عميقة تعود جذورها إلى الاعتماد شبه الكلي على النفط، وتغلغل الفساد والمحسوبية في بنية الدولة، فضلًا عن ضعف الرؤية في إدارة القرارين الاقتصادي والسياسي. وقد تفاقمت هذه الأزمة بفعل سلسلة من الصدمات الخارجية، من حروب ونزاعات واضطرابات إقليمية، فضلا عن التخبط في السياسات العامة، ما أفقد الاقتصاد العراقي قدرته على الاستقرار والتكيف.

وعلى الرغم من امتلاك العراق ثروة طبيعية كبيرة، في مقدمتها النفط والغاز، فإنه يُصنّف ضمن الاقتصادات الريعية الرخوة، إذ يرتبط أداؤه الاقتصادي ارتباطًا مباشرًا بأسعار النفط في الأسواق العالمية، ويتقلب تبعًا لها. ويُسهم قطاع النفط بنحو95% من إيرادات الموازنة العامة، في مؤشر واضح على اختلال بنيوي عميق في هيكل الاقتصاد الوطني، وغياب التنوع في مصادر الدخل.

وقد أدّى هذا الاعتماد الريعي إلى إهمال القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، كالصناعة والزراعة والخدمات التنموية، وغياب التوازن بينها وبين قطاع النفط، الأمر الذي دفع البلاد إلى الاعتماد على الاستيراد الخارجي لتلبية أكثر من 90%  من احتياجاتها الاستهلاكية من السلع والخدمات. وأسهم هذا النمط في إضعاف القاعدة الإنتاجية المحلية وتعميق التبعية للأسواق الخارجية.

 

وفي السياق ذاته، يعيش الاقتصاد العراقي حالة من الهشاشة وعدم الاستقرار، مرتبطة ببيئة سياسية متقلبة تشهد هزّات موسمية في كل دورة انتخابية، حيث تُعاد صياغة السياسات الاقتصادية وفق توازنات الكتل السياسية لا وفق متطلبات التنمية المستدامة، ويؤدي هذا الارتباط الوثيق بين عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي إلى تعميق اللايقين، وإضعاف الثقة بالمستقبل.

 

كما إن الاستقرار الاقتصادي لا يتحقق بمعزل عن الاستقرار السياسي، بل يقوم على إيجاد حالة من التوازن في النشاط الاقتصادي، وتقليل الاختلالات البنيوية على المديين المتوسط والطويل، وتجنّب الصدمات عبر سياسات عامة رشيدة، تعيد تنظيم العلاقة بين مختلف القطاعات الاقتصادية، وتوجّه موارد الدولة نحو تحقيق النمو والتنمية، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات قصيرة الأمد.

 

اولاً: ريعية الدولة في الاقتصاد العراقي

يناقش التراث النظري لمفهوم الدولة الريعية هذا النمط من الاقتصادات من خلال مجموعة من الخصائص البنيوية التي متى ما توافرت، جاز توصيف الدولة بأنها دولة ريعية، وفي مقدمة هذه الخصائص هيمنة الريوع على الاقتصاد الوطني، واعتماد النشاط الاقتصادي على ريع خارجي مرتفع القيمة، في مقابل مشاركة محدودة لشرائح المجتمع في عملية توليد هذا الريع، كما تتمثل السمة الأكثر حساسية في أن الدولة أو الحكومة هي المتلقي الرئيس للريع الخارجي، ما يمنحها دورًا مركزيًا في إعادة توزيعه، لا في إنتاجه.

وفي هذا السياق لا يتشكل الاقتصاد الريعي بوصفه اقتصادًا إنتاجيًا قائمًا على العمل والابتكار، بل كاقتصاد توزيعي، تنحصر فيه العلاقة بين الدولة والمجتمع في آليات الإنفاق والتحويلات المالية، بدلًا من العلاقة الضريبية القائمة على المساءلة والمشاركة، ونتيجة لذلك يُعفى المواطن في العادة من العبء الضريبي أو يُخفَّض إلى مستويات رمزية، الأمر الذي يُضعف الارتباط بين دفع الضرائب والمطالبة بالمحاسبة السياسية والمؤسسية.

 

وعلى مستوى العالم العربي  يشير عدد من الباحثين إلى وجود سمات مشتركة بين الدول الريعية العربية، تتمثل في أربع خصائص رئيسية:

 

أولاً: أن الدخل الريعي يشكّل المصدر السائد لإيرادات الدولة.

ثانياً: أن الريع النفطي يتمتع بحجم وتأثير كبيرين.

ثالثاً: أن الاقتصاد المحلي لا يشعر بحاجة حقيقية إلى تنمية مصادر دخل غير نفطية، ورابعها غياب قطاع إنتاجي داخلي قوي قادر على خلق فرص عمل مستدامة وتحقيق قيمة مضافة حقيقية.

 

وتُظهر هذه الخصائص أن الريع يحتل الموقع المركزي في البنية الاقتصادية، في حين تشارك نسبة محدودة من السكان في إنتاجه، بينما تستأثر الدولة بعوائده الأساسية، وفي هذا النموذج تتحقق الإيرادات العامة في الغالب من خلال اتفاقيات تقاسم الإنتاج مع الشركات الأجنبية العاملة في استخراج النفط والغاز، لا من خلال النشاط الإنتاجي الوطني أو النظام الضريبي.

وفي الحالة العراقية تتجلى ريعية الدولة بوضوح، إذ يعتمد الاقتصاد الوطني اعتمادًا شبه كامل على الريع النفطي بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات العامة، في ظل ضعف القطاعات الإنتاجية الأخرى، وتضاؤل مساهمة الضرائب في الموازنة العامة، وقد أسهم هذا النمط الريعي في إعادة تشكيل الدولة العراقية بوصفها ربّ عملٍ توزيعيًا، يوفر الوظائف والرواتب والإعانات من الريع النفطي، دون أن يقابل ذلك نشاط اقتصادي منتج، ما أدى إلى ترسيخ البطالة المقنّعة، وتضخم القطاع العام، وتعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

وبذلك لا تمثل ريعية الدولة العراقية مجرد خيار اقتصادي، بل هي بنية اجتماعية- سياسية أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس التوزيع لا الإنتاج، والولاء لا الكفاءة، والإنفاق لا التنمية، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من اختلالات الاستقرار الاقتصادي والسياسي في البلاد.

 

ثانياً: غياب الهوية الاقتصادية للاقتصاد العراقي

سعت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 إلى تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي، بوصفها مدخلًا للحصول على الدعم الفني والمؤسسي اللازم لتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي، وقد تمحورت هذه الجهود حول تحقيق الاستقرار في المؤسسات المالية والمصرفية، وإتاحة المجال أمام المؤسسات الدولية لإعداد خطط وبرامج إصلاح تتوافق مع متطلبات الاقتصاد الحديث، وفي مقدمتها تقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات العامة، وترشيد النفقات في الموازنة العامة، وتعزيز مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات الإدارية، فضلًا عن دعم القطاع الخاص الوطني ليكون شريكًا أساسيًا في عملية التنمية وخلق فرص العمل للعاطلين.

وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على التغيير السياسي، فإن الاقتصاد العراقي لم يستقر حتى اليوم على هوية اقتصادية واضحة ومستقلة،  إذ لا تزال سماته العامة تمزج بين اشتراكية الماضي وريعية الدولة من جهة، ومظاهر رأسمالية مشوّهة من جهة أخرى، في توليفة هجينة تفتقر إلى الاتساق المؤسسي والاتجاه الاستراتيجي الواضح. وقد أسهمت جملة من المعوقات والتحديات في إطالة أمد هذا الاضطراب البنيوي، من بينها الأزمات المالية المتكررة، وعدم الاستقرار السياسي، والتحديات الأمنية التي تهدد الاستقرار بين الحين والآخر، فضلًا عن الفساد والمحسوبية المستشريين في عدد كبير من مؤسسات الدولة.

 

كما أدت هشاشة البنى التحتية، وتردي مستوى الخدمات العامة، وارتفاع نسب البطالة المقنّعة داخل المؤسسات الحكومية، إلى جانب انحسار فرص العمل في القطاع الخاص، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى تكريس وضع اقتصادي هش، عاجز عن توليد ديناميات تنموية مستقرة أو استيعاب الطاقات البشرية المتزايدة.

 

ثالثاً: ضعف الحمائية التجارية

أسهم ضعف، بل وغياب، سياسات وقوانين الحمائية الاقتصادية في تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي المحلي، وانهيار عدد كبير من المشاريع الخاصة المتوسطة، وتعثر المشاريع الحكومية الكبرى، مقابل غياب شبه كامل للاستثمار الجاد في القطاعات الإنتاجية، وفي المقابل جرى توجيه النشاط الاقتصادي نحو مجالات الخدمات والاستهلاك والترفيه، على حساب القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة العالية.

ومن أبرز مظاهر غياب الحمائية، فتح الأسواق العراقية على نحو واسع أمام المنتجات الأجنبية بمختلف أنواعها، دون تطبيق معايير صارمة للجودة أو سياسات تفضيلية لحماية المنتج المحلي، وقد شكّل استمرار حالة الفوضى الاقتصادية في العراق فرصة مواتية للدول المصدّرة لضمان استدامة تدفق منتجاتها إلى السوق العراقي المنهك.

وتشير بيانات التجارة الدولية إلى أن صادرات تركيا إلى العراق بلغت نحو 13 مليار دولار أمريكي في عام 2024، في حين لم تتجاوز صادرات العراق إلى تركيا 1.83 مليار دولار في العام نفسه، وفقًا لقاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية (COMTRADE). وقد تنوعت واردات العراق من تركيا لتشمل قائمة واسعة من السلع، كان في مقدمتها اللؤلؤ والأحجار الكريمة والعملات المعدنية، وبقيمة تجاوزت مليار دولار، إلى جانب منتجات غذائية واستهلاكية كان بالإمكان إنتاجها محليًا دون تعقيد تقني كبير.

ويكشف هذا الواقع عن خلل كبير في الميزان التجاري تجاوز 11 مليار دولار لصالح تركيا، وهو خلل لا يقتصر على الأرقام التجارية فحسب، بل يعكس غياب رؤية اقتصادية وطنية، وضعف سياسات الحماية، وسوء المناخ الاستثماري المحلي والخارجي. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في إضعاف النشاط الاقتصادي الوطني، وتعطيل إمكانات التنمية، وتعميق التبعية للاقتصاد الخارجي بدل تعزيز القدرات الإنتاجية الداخلية.

 

 

رابعاً: اقتصاد ما بعد الصدمة

يعكس الاقتصاد العراقي في مطلع عام 2026 ملامح ما يُعرف بـ( اقتصاد ما بعد الصدمة) كما يطرحه جوزيف ستيغليتز (Stiglitz, 2002)، حيث يطغى منطق النجاة قصيرة الأمد على حساب التخطيط التنموي طويل الأجل، فقد خلّفت العقود الماضية من النزاعات المسلحة، والأزمات السياسية المتكررة، والانهيارات المالية الجزئية، آثارًا بنيوية عميقة في هيكل الاقتصاد الوطني، أدّت إلى إعادة تشكيل دور الدولة بوصفها مُشغِّلًا مباشرًا للقوى العاملة أكثر من كونها محركًا للإنتاج والتنمية. وفي هذا السياق، ساد منطق الاعتماد على الريع النفطي والنفوذ السياسي على حساب الكفاءة والمهارة والابتكار.

 

ومن آليات ذلك كالاتي:

أ. الوظائف الحكومية في مقابل المبادرة الخاصة

تشير المعطيات الواقعية إلى أن الوظيفة الحكومية ما تزال تمثل الخيار المفضل لغالبية الباحثين عن دخل ثابت في العراق، وهو خيار تحكمه اعتبارات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وضعف الضمانات في سوق العمل الخاص، ووفقًا لبيانات منظمة العمل الدولية (ILO, 2023)، يشغل القطاع العام أكثر من سبعة ملايين موظف، في حين لا تتجاوز مساهمة القطاع الخاص 20% من سوق العمل الفعلي.

وفي هذا الإطار، لا يُقاس النجاح الاقتصادي للفرد بقدرته على الابتكار أو امتلاكه للمهارات الإنتاجية، بقدر ما يرتبط بقربه من دوائر النفوذ أو امتلاكه ما يُعرف اجتماعيًا بـ«مفتاح التعيين». وقد أسهم هذا النمط في إضعاف الحوافز الفردية والجماعية لتأسيس مشاريع خاصة، وأدّى إلى تراجع الدور التنموي للقطاع الخاص، الأمر الذي عمّق تبعية الدولة للعائدات النفطية بوصفها المصدر الرئيس للإيرادات العامة.

 

ب. ضعف الاستثمار المحلي

يعاني الاستثمار المحلي من اختلالات بنيوية ناجمة عن هشاشة بيئة الأعمال، وانتشار الفساد، وتعقيد الإجراءات البيروقراطية، فضلًا عن غياب الاستقرار التشريعي والمؤسسي. وتشير تقارير البنك الدولي (World Bank, 2023) إلى تسجيل تراجع ملحوظ في حجم الاستثمارات المحلية، ولا سيما في القطاعين الصناعي والزراعي، مقارنة بمستوياتها قبل عام 2010.

كما تتركز غالبية الأنشطة الاستثمارية في قطاعات سريعة الربح وقليلة المخاطر على المدى القصير، مثل التجارة والخدمات، بدلًا من التوجه نحو القطاعات الإنتاجية الحيوية القادرة على خلق فرص عمل مستدامة وتعزيز القيمة المضافة. ويزيد من حدة هذا الوضع تأخر صرف الرواتب الحكومية، وضعف السيولة النقدية داخل النظام المصرفي، ما يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين، ويحدّ من قدرة السوق المحلية على استيعاب استثمارات جديدة أو تحفيز الطلب الفعلي.

وبذلك، يتكامل ضعف الاستثمار المحلي مع هيمنة الدولة الريعية، ليكرّس نموذجًا اقتصاديًا هشًا، عاجزًا عن توليد نمو مستدام، ومعتمدًا على آليات التوزيع لا الإنتاج، في سياق يتسم باستدامة الصدمات بدل تجاوزها.

 

ج. انخفاض السيولة النقدية وتأخر الرواتب

يشكّل انخفاض السيولة النقدية داخل النظام المصرفي وتأخر صرف الرواتب أحد أبرز مظاهر اقتصاد ما بعد الصدمة في العراق، يفضل كثير من المواطنين الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف، ما يقلل من السيولة المتاحة للاقتصاد الرسمي ويحد من قدرة الدولة على توجيه الإنفاق العام بفاعلية. كما أن تأخر الرواتب يضعف الاستهلاك ويزيد الضغوط الاجتماعية، ويؤدي إلى توسع النشاط الاقتصادي غير الرسمي بوصفه وسيلة تعويضية لتلبية الاحتياجات اليومية. وتشير التقارير المحلية إلى أن نحو 87 تريليون دينار محتفظ بها خارج النظام المصرفي، ما يزيد الضغط على البنوك ويقوّض قدرة الدولة على إدارة دورة الإنفاق العام بكفاءة.

الانعكاس الاجتماعي والاقتصادي:  تتراجع حركة الأسواق، ويضعف الاستثمار في القطاع الخاص، ويزداد اعتماد الاقتصاد على الريع والنفوذ السياسي بدلًا من الإنتاجية والابتكار.

 

د. انتشار الاقتصاد غير الرسمي وهشاشة الثقة

ينتج عن ضعف الاستثمار وتقلص الوظائف الرسمية توسع الاقتصاد غير الرسمي، حيث يلجأ المواطنون إلى أعمال مؤقتة أو مشاريع صغيرة لتغطية احتياجاتهم اليومية، كما تتسع ثقافة الاعتماد على الرواتب الحكومية أو المساعدات المؤقتة بدل الاعتماد على الإنتاج والعمل المنتج، وفي هذا السياق، تؤدي هشاشة الثقة بالمستقبل إلى صعوبة التخطيط طويل الأمد، سواء على مستوى الأسر أو المؤسسات الاقتصادية، مما يعمّق دائرة الاتكالية ويضع العراق في حلقة مفرغة من هشاشة اقتصادية واجتماعية مترابطة.

 

خامساً: التوصيات

أ. على المستوى الهيكلي والاستراتيجي

  1. إعادة صياغة النموذج الاقتصادي الوطني عبر الانتقال التدريجي من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد متنوع، يعتمد على الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية.

  2. فصل الاستقرار الاجتماعي عن التوظيف الحكومي، من خلال تطوير أنظمة حماية اجتماعية فعالة لا ترتبط بالتعيين في القطاع العام.

  3. إعادة بناء العقد الاقتصادي- الاجتماعي على أساس الضرائب مقابل الخدمات، بما يعزز المساءلة والشفافية.

ب. على مستوى المالية العامة والسياسة النقدية

  1. خفض النفقات التشغيلية تدريجيًا.

  2. تعزيز الثقة بالنظام المصرفي عبر إصلاح البنوك الحكومية، وضمان الودائع، وتوسيع الشمول المالي.

  3. تقليص الكتلة النقدية خارج المصارف من خلال حوافز حقيقية للإيداع، وليس فقط عبر الدفع الإلكتروني الإجباري.

ج. على مستوى القطاع الإنتاجي والاستثمار

  1. تفعيل سياسات حمائية ذكية تحمي الإنتاج المحلي دون الإضرار بالمنافسة أو المستهلك.

  2. دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بوصفها العمود الفقري لأي تحول إنتاجي، وتوفير تمويل ميسر لها.

  3. إعادة هيكلة الاستثمار الأجنبي ليكون مكمّلًا للقدرات المحلية لا بديلًا عنها.

د. على المستوى المؤسسي والاجتماعي

  1. مكافحة الفساد والمحسوبية بوصفها شرطًا بنيويًا للإصلاح الاقتصادي، لا ملفًا إداريًا ثانويًا.

  2. إصلاح الإدارة العامة عبر تحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وربط التوظيف بالكفاءة.

  3. إعادة الاعتبار لقيمة العمل المنتج من خلال التعليم، والإعلام، والسياسات العامة، بما يعزز ثقافة المبادرة والاعتماد على الذات.

 

الخاتمة

يكشف تحليل الاقتصاد العراقي بوصفه اقتصادًا ريعيًا يعيش ضمن منطق ما بعد الصدمة عن أزمة بنيوية عميقة تتجاوز حدود الاختلالات المالية الظرفية، لتطال طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ووظيفة الدولة نفسها في العملية الاقتصادية. فقد تحولت الدولة من فاعل إنتاجي ومُنظِّم للسوق إلى ربّ عملٍ ريعي، يعتمد على توزيع الموارد النفطية بوصفها أداة للضبط الاجتماعي، لا كرافعة للتنمية المستدامة.

وقد أسهم هذا النموذج في إضعاف القطاعات الإنتاجية، وتوسيع الاقتصاد غير الرسمي، وترسيخ ثقافة الاتكالية، فضلًا عن تفكيك الهوية الاقتصادية الوطنية، ما جعل العراق أكثر هشاشة أمام تقلبات أسعار النفط والصدمات الخارجية. كما أن أزمة السيولة وتأخر الرواتب ليست سوى أعراض مباشرة لهذا الخلل البنيوي، وليست أزمة مالية عابرة يمكن تجاوزها بإجراءات إدارية مؤقتة.

إن استمرار هذا المسار يهدد بتكريس حلقة مفرغة من الريع، والبطالة المقنّعة، والعجز المالي، ويقوض فرص بناء اقتصاد منتج قادر على تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي. وعليه، فإن الخروج من هذا النموذج يتطلب تحوّلًا جذريًا في فلسفة إدارة الاقتصاد، وإعادة تعريف دور الدولة من موزّع للريع إلى محفّز للإنتاج، ومن ربّ عمل إلى ضامن لبيئة اقتصادية عادلة ومستقرة.

 

المصادر
  1. حسن، عمر حواس و ابراهيم، ابراهيم اديب، المشاكل الاقتصادية وسياسات لانعاش والاستقرار للمدة 2000- 2019 العراق انموذجاً، مجلة الريادة للمال والاعمال، المجلد الثالث ، العدد1، 2021.
  2. صالح، منتظر مهدي و جسم، عبير محمد، الاغراق التجاري في الاقتصاد العراقي (الاسباب والنتائج)، مجلة الريادة للمال والاعمال، المجلد 3، العدد 1، 2021.
  3. العزاوي، دهام محمد، الاصلاح الاقتصادي في العراق بين التحديات السياسية والمعوقات القانونية والإدارية، محلة لباب للدراسات الاستراتيجية، الدوحة، لعدد 28، 2025.
  4. Nuri, Z. M. ve Aşkar Karakır, İ. (2022). The impact of ‘Rentier State’ on economic development: The case of Kurdish Regional Government (KRG) of Iraq. Türkiye Politik Çalışmalar Dergisi, 2(1), 1-17.
  5. Andrzej GUZOWSKI, University of Warsaw, Rentier stateasan obstacle to development in the Middle East, Politikon: IAPSS Political Science Journal Vol. 21, September 2013.
  6. محمد الباسم، تأخرت رواتب الموظفين والمتقاعدين بسبب نقص السيولة،\30 نوفمبر 2025 
  7. https://www.alaraby.co.uk
  8. (Shafaq News, 2024) تأخر الرواتب الحكومية وضعف السيولة النقدية في المصارف

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى