بقلم: د. حسن هاشم حمود
باحث في مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مقدّمة
شهد النظام الدولي، منذ نهاية الحرب الباردة، تحولاتٍ بنيويةً عميقةً أعادت تشكيل خريطة القوة والنفوذ على المستوى العالمي، فقد أفضى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى إنهاء نظام الثنائية القطبية، وفتح المجال أمام بروز الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة المهيمنة الوحيدة، القادرة على توجيه مسارات السياسة والاقتصاد والثقافة عالميًا، غير أن هذه الهيمنة لم تكن مجرد تفوق عسكري أو اقتصادي، بل تجسدت في نموذج شامل من السيطرة، ارتبط بصعود الرأسمالية المالية المعولمة، وتحول السوق إلى أداة مركزية لإخضاع الدول والمجتمعات.
يهدف هذا المقال إلى تحليل الهيمنة الأميركية في سياقها التاريخي والبنيوي، وبيان علاقتها بتطور الرأسمالية المتوحشة، من خلال مقاربة نقدية تستند إلى الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع التاريخي.
أولًا: الجذور التاريخية للهيمنة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية
انتقل الصراع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية إلى مستوى سياسي- اقتصادي- أيديولوجي، تجسّد في الصراع الثنائي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وقد شكّلت الحرب الباردة في جوهرها “حرب أزمات”، كان الحسم فيها مرتبطًا بقدرة كل طرف على إدارة النزاعات وحماية مصالحه.
وفي هذا الإطار، بلورت الولايات المتحدة ثلاثة مشاريع استراتيجية كبرى لتكريس هيمنتها:
-
مشروع ترومان (1947): لاحتواء النفوذ السوفياتي وسدّ الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ البريطاني، مع ضمان السيطرة على منابع النفط.
-
مشروع مارشال (1947): لإعادة إعمار أوروبا وربطها اقتصاديًا وسياسيًا بالولايات المتحدة.
-
مشروع إيزنهاور (1957): لملء الفراغ الذي خلّفه الاستعمار الأوروبي في “الشرق الأوسط”.
كما جرى تأسيس منظومات أمنية واقتصادية داعمة، أبرزها اتفاقية ريو (1948) وحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949.
ولهذا أخذت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى بكل ما تملكه من قوة للهيمنة على كل المنابع الاقتصادية في أي بقعة من بقاع العالم تطالها يدها، إذ إنها ترى أن العامل الاقتصادي يمثل جوهر الهيمنة وأحد المحددات الأساسية لقوة الدولة، إذ يوفّر القاعدة المادية للأمن القومي، والقوة العسكرية، والاستقرار السياسي. وقد أظهر انهيار الاتحاد السوفياتي أن التراجع الاقتصادي يؤدي بالضرورة إلى فقدان المكانة الدولية.
ولذلك سعت الولايات المتحدة إلى الحفاظ على هيمنتها عبر:
-
ضمان تفوق نموذجها الاقتصادي.
-
السيطرة على الأسواق العالمية.
-
استخدام المساعدات والقروض كأدوات نفوذ.
-
توظيف العقوبات الاقتصادية سلاحًا سياسيًا.
وقد أصبحت العقوبات، بعد الحرب الباردة، أداة مركزية لفرض الإرادة الأميركية.
ثانيًا: الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة المهيمنة في النظام الدولي
عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة اتسمت بتحول بنيوي نحو الأحادية القطبية، حيث تصدّرت الولايات المتحدة الأمريكية قمة الهرم الدولي بوصفها القوة الأولى عالميًا، وقد وجدت واشنطن نفسها في موقع غير مسبوق تاريخيًا، جامعًا بين التفوق العسكري، والقدرة الاقتصادية الفائقة، والهيمنة التكنولوجية والثقافية، فضلًا عن الانتشار الجغرافي الواسع لقواعدها العسكرية وأدوات نفوذها السياسية.
فعسكريًا، تمتلك الولايات المتحدة أكبر شبكة انتشار خارج حدودها، مدعومة بأساطيل بحرية عابرة للمحيطات، وقدرات صاروخية متقدمة، وقوات جوية وبرية وبحرية قادرة على التدخل السريع في مختلف مناطق العالم.
واقتصاديًا تُعدّ الاقتصاد الأكبر عالميًا، ومركزًا رئيسيًا لتصدير السلع الصناعية والتكنولوجية والزراعية، فضلا عن تصدير الأنماط الثقافية والرمزية عبر الإعلام وصناعة الترفيه، أما على مستوى المعرفة، فقد احتلت موقعًا متقدمًا في صناعات المعلومات والاتصالات والوسائط الرقمية، وهو ما عزّز قدرتها على التأثير في الوعي العالمي وصياغة الأجندات الدولية.
غير أن هذه المكانة لم تكن وليدة الصدفة، ولا نتاج ظرف تاريخي عابر، بل جاءت نتيجة فلسفة سياسية واستراتيجيات كبرى تبنّتها الولايات المتحدة منذ نشأتها، وتطورت عبر مراحل متعاقبة من سياستها الخارجية، وصولًا إلى تكريس وضعها كقطب أحادي بعد الحرب الباردة.
ويذهب معظم السياسيين والمفكرين من مختلف التوجهات إلى أن الهيمنة الأميركية قد ترسّخت فعليًا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، نتيجة غياب منافس ندّي قادر على موازنتها، معتمدةً في ذلك على مجموعة من المعايير المركّبة للهيمنة، تجمع بين:
-
القوة الصلبة (العسكرية والاقتصادية).
-
القوة الناعمة (الثقافية، الإعلامية، القيمية).
-
القدرة على صياغة قواعد النظام الدولي.
-
فرض العقوبات وإدارة المؤسسات الدولية.
-
الانتشار العسكري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي عالميًا.

ثالثًا: الرأسمالية المتوحشة والهيمنة الأميركية
مع نهاية القرن العشرين، دخل العالم مرحلة الرأسمالية المالية المتوحشة، إذ تراجعت القيود القانونية والأخلاقية، وصعد منطق السوق المعولم فوق سيادة الدول، وقد لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في ترسيخ هذا النموذج، سواء عبر “إجماع واشنطن” أو عبر سياسات القوة والعقوبات والابتزاز الاقتصادي.
وأصبح الاقتصاد العالمي يعمل بطريقة عابرة للقانونية، لا هو خارج القانون رسميًا، ولا خاضع له فعليًا، فالسلطة الحقيقية لرأس المال لا تُستمد فقط من الاستثمار، بل من خيار الانسحاب وسحب الأموال من دولة ما لإعادة توظيفها في مكان آخر، بما يفرض على الدول الامتثال لشروط السوق العالمي. وهنا لا تتجلى الإمبريالية دائمًا في شكل عسكري مباشر، بل في إمبريالية السوق وروح التجارة، التي تُخضع الشعوب حتى عندما تنتفض ضدها.
فالرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي يقوم على التوزيع الخاص للملكية أو الخيرات، بل هي نمط إنتاج تاريخي شامل تجد الإنسانية من خلاله، في بعدها الاجتماعي، الوسائل المادية لتحقيق وجودها وضمان تطورها. وقد عرف هذا النمط تطورًا هائلًا في القوى المنتِجة، لاسيما منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، مدفوعًا بالثورة الرقمية والتكنولوجية، غير أن هذا التطور لم يكن محايدًا اجتماعيًا، بل جاء محمّلًا بتناقضات حادة عزّزت اللامساواة ورسّخت منطق الهيمنة.
وفي هذا السياق، يلفت كارل ماركس إلى ما أسماه “الارتباط المميت بين تراكم الرأسمال وتراكم البؤس”، إذ يقود تراكم الغنى في قطب اجتماعي إلى تراكم الفقر والمعاناة والجهل والانحطاط والعبودية في قطب مضاد، أي في صفوف الطبقات المنتِجة نفسها. هذه الجدلية لا تزال قائمة، بل ازدادت حدّة في ظل الرأسمالية المعولمة والمالية المعاصرة.
وفي هذا الإطار، تكشف السياسة الأميركية المعاصرة الوجه الأوضح للرأسمالية المتوحشة، فقد جرى ابتزاز دول عربية تحت ذرائع توفير الأمن وحماية الأنظمة السياسية، مقابل أموال وصفقات ضخمة تضمن ديمومة الحكم واستمرار النفوذ الأميركي. وخلال إدارة دونالد ترامب، أصبح هذا المنطق علنيًا وفجًّا، حيث تحوّلت العلاقات الدولية إلى صفقات مالية مباشرة، تُشترى فيها الحماية والاستقرار.
أما في أمريكا اللاتينية، فقد مثّلت فنزويلا نموذجًا صارخًا للتدخل الإمبريالي، عبر العقوبات ومحاولات نزع الشرعية عن قيادتها، في سياق صراع واضح على الثروات النفطية. ولم يكن ذلك بعيدًا عن تصريحات وممارسات أميركية أخرى، مثل محاولة الاستحواذ على جزيرة غرينلاند من الدنمارك، بدافع ما تختزنه من ثروات طبيعية ومعادن استراتيجية، في تعبير فجّ عن منطق السوق القائم على تحويل الجغرافيا والسيادة إلى سلع.
رابعًا: الولايات المتحدة كدولة ابتزاز عالمي
تمارس الولايات المتحدة اليوم دور العرّاب الأعلى للرأسمالية المتوحشة، فهي لا تتعامل مع الدول بوصفها كياناتٍ ذات سيادة، بل كأسواقٍ وخزائن، أو مواقعَ نهبٍ محتملة. وهي تُجسّد في المرحلة الراهنة نموذجًا للدولة التوسّعية التي توظّف آليات الرأسمالية المعولمة بوصفها أدوات ضغط وهيمنة، متجاوزةً في ممارساتها المفهومَ التقليدي للعلاقات الدولية القائم على احترام السيادة المتبادل، فالتعامل مع الدول لا يتم بوصفها وحداتٍ سياسية مستقلة، بل بوصفها أسواقًا قابلة للاختراق، أو مصادر تمويل، أو فضاءاتٍ محتملة لإعادة إنتاج النفوذ الاقتصادي- الاستراتيجي.
وتبرز بعض الدول العربية، على نحوٍ خاص، كحالة نموذجية لهذا النمط من التفاعل غير المتكافئ، إذ يُعاد تعريف الأمن الإقليمي بعده خدمةً تُشترى، لا حقًا سياديًا. وتُفرض على هذه الدول معادلة سياسية- اقتصادية قوامها: الدفع مقابل “الحماية”، والانخراط في سباقات تسلّح باهظة الكلفة لا تخدم بالضرورة متطلبات الدفاع الوطني، بقدر ما تعزّز التبعية الاستراتيجية وتضمن استمرارية تدفق الموارد المالية نحو مراكز صناعة القرار والقوة في الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، يُقوَّض الدور الشعبي في صناعة القرار، وتُعاد هندسة البُنى السياسية بما يضمن استقرار أنظمة مرتبطة وظيفيًا بالمصالح الأميركية، على حساب الشرعية الداخلية والتنمية المستقلة.
وقد بلغت هذه النزعة التوسّعية ذروتها خلال إدارة دونالد ترامب، التي مثّلت لحظة انكشاف غير مسبوقة للمنطق السوقي في السياسة الخارجية الأميركية، إذ جرى التخلي، إلى حدّ بعيد، عن الخطاب الدبلوماسي التقليدي، واستُبدل بلغة صفقات مباشرة تقوم على مبدأ الربح والخسارة: الامتثال مقابل الحماية، والرفض مقابل العقاب، وشكّلت الصفقات المالية والعسكرية الضخمة مع دول الخليج مثالًا واضحًا على تحويل مفاهيم السيادة والتحالف إلى التزامات مالية، تُدار بمنطق الفاتورة لا بمنطق الشراكة الاستراتيجية.
ويعكس هذا التحول أن السياسات التوسّعية الأميركية لم تعد تستند فقط إلى التفوق العسكري أو الخطاب الأيديولوجي، بل باتت تعتمد بصورة متزايدة على الابتزاز الاقتصادي وإعادة هيكلة العلاقات الدولية وفق منطق السوق، بما يعمّق اختلالات القوة في النظام الدولي، ويُكرّس نمطًا من الهيمنة يدمج بين الرأسمالية المتوحشة والتوسّع السياسي في إطار واحد.
خامسًا: العقوبات كصور من احتقار القانون الدولي وكأداة هيمنة
لقد شكّلت العقوبات الاقتصادية أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية الأميركية في العقود الأخيرة، ورغم أن القانون الدولي يحدّد المؤسسات المسؤولة عن فرض العقوبات (مثل مجلس الأمن الدولي) ومعاييرها، فإن الولايات المتحدة عمدت إلى توظيف هذه الأدوات بطرق أحادية الجانب أو شبه قانونية، مما أثار جدلًا واسعًا حول مشروعية هذه العقوبات وامتثالها لالتزامات القانون الدولي.
يتجلّى الطابع الإمبريالي للرأسمالية الأميركية المتوحشة في الاستخفاف الممنهج بالقانون الدولي؛ فحكم محكمة العدل الدولية عام 1986، الذي أدان الولايات المتحدة لاستخدامها غير القانوني للقوة ضد نيكاراغوا، قوبل بالرفض والتجاهل، بل جرى مضاعفة التمويل للعمليات العسكرية. كما استخدمت واشنطن حق النقض في مجلس الأمن ضد قرارات تدعو إلى احترام القانون الدولي، وصوّتت ضد قرارات مشابهة في الجمعية العامة.
أما العقوبات على كوبا، فهي من أقسى العقوبات في التاريخ الحديث، فُرضت منذ عام 1960، وجُرى تشديدها رغم غياب أي تهديد فعلي للأمن القومي الأميركي، وقد أقرّ المسؤولون الأميركيون صراحة بأن هذه العقوبات شأن داخلي أميركي”لا يهم ما يقرره العالم”، في تجسيد فاضح لمنطق القوة فوق القانون.
وكذلك استمرت الولايات المتحدة في سياستها الممنهجة لفرض العقوبات، ففرضت على العراق حصارًا اقتصاديًا بوصفه عقوبة جماعية طالت جميع أفراد المجتمع بعد غزو النظام العراقي السابق للكويت، ففي 6 آب 1990، أقرّ مجلس الأمن الدولي القرار رقم 661، الذي فرض عقوبات شاملة على العراق بعد غزوه الكويت، وشملت هذه العقوبات تجميد الأصول ومنع التجارة كافة مع العراق، باستثناء البضائع الإنسانية مثل الغذاء والدواء، مع التلاعب بالضوابط الإنسانية والهيمنة الأميركية على آليات تنفيذ عقوبات الأمم المتحدة.
وعلى الرغم من أن العقوبات كانت مُقرّة من قبل مجلس الأمن، جرى التدخل السياسي الأميركي في سير تنفيذ برنامج “النفط مقابل الغذاء” الذي بدأ عام 1996، وأصبح البرنامج محل جدل واسع حول مئات الآلاف من الوفيات المضافة بسبب ضعف التغطية الإنسانية وقيود التنفيذ والرقابة.
وكذلك مارست الولايات المتحدة الأميركية عقوبات صارمة وحصارًا اقتصاديًا مجحفًا بحق الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وضاعفت هذه العقوبات، وكان أقساها ما عُرف بسياسة “الضغط الأقصى” في عقوبات 2025–2026. ففي 29 نيسان 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات في الصين وإيران، متهمةً إياها بدعم برنامج الصواريخ الإيراني، في إطار استراتيجية الضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وكذلك أعلن الرئيس الأميركي، في الفترة 12–15 كانون الثاني 2026، فرض تعرفة بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجاريًا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فضلًا عن عقوبات تستهدف مسؤولين وشبكات مالية بهدف الضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولم تكن هذه الإجراءات مرتبطة بقرارات صريحة من الأمم المتحدة، بل اتخذتها واشنطن من منطلقات أحادية، متجاوزةً بذلك آليات التفاوض الجماعية الدولية، وهو ما يرى بعض الخبراء أنه يشكّل تناقضًا مع مبادئ القانون الدولي الذي يحدّد مجلس الأمن الدولي بوصفه الجهة الوحيدة المخوّلة بفرض عقوبات دولية شاملة.
ووفقًا للقانون الدولي، يُفترض أن تُقرّ العقوبات الكبرى من خلال قرارات مجلس الأمن الدولي، استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنح المجلس صلاحيات تنظيم التدابير الاقتصادية ضمن الفصل السابع. لكن الولايات المتحدة مارست عقوبات أحادية الجانب ضد دول مثل إيران، والعراق لاحقًا عبر قراراتها أثناء احتلال العراق، مما يعكس تطبيقًا انتقائيًا للقانون الدولي الذي ينبغي أن يكون شاملًا ومتسقًا مع الالتزامات الدولية.

سادسًا: فنزويلا وجزيرة غرينلاند… العالم كغنيمة
تكشف الحالة الفنزويلية بوضوح أن السياسات الأميركية تجاه هذا البلد لا يمكن اختزالها في خطاب “الدفاع عن الديمقراطية” أو “حماية حقوق الإنسان”، بل تندرج ضمن منطق اقتصادي- سياسي أوسع يستهدف السيطرة على الموارد الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط، وإخضاع الدول التي ترفض الاندماج القسري في منظومة الهيمنة الرأسمالية العالمية. فقد شُكِّلت منظومة متكاملة من أدوات الضغط، شملت العقوبات الاقتصادية الشاملة، والحصار المالي، ومحاولات نزع الشرعية عن القيادة السياسية، والدعم المباشر وغير المباشر لتغيير النظام، بوصفها آليات بديلة عن التدخل العسكري المباشر عندما تتعذّر السيطرة عبر الوسائل “الناعمة”.
وتُظهر هذه الممارسات أن الرأسمالية الأميركية، في طورها المالي- الإمبريالي، لا تتردد في توظيف أدوات القانون الدولي والمؤسسات السياسية بصورة انتقائية، بما يخدم مصالح رأس المال العابر للحدود، حتى وإن أدّى ذلك إلى تقويض السيادة الوطنية، وتعميق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وتحميل المجتمعات المحلية كلفة الصراع الجيو- اقتصادي.
أما محاولة الاستحواذ على جزيرة غرينلاند من مملكة الدنمارك، فتشكّل لحظة كاشفة عن التحول العميق في الذهنية السياسية- الاقتصادية الأميركية، إذ يُعاد تعريف الجغرافيا والسيادة والتاريخ من منظور السوق. ففي هذا الإطار، تُختزل الأرض إلى مخزون من الموارد الطبيعية والمعادن الاستراتيجية، وتُعامَل السيادة الوطنية بوصفها عنصرًا قابلًا للتفاوض والشراء، لا كحق قانوني وسياسي ثابت. ويعكس هذا المنطق نزعة رأسمالية متوحشة تُعيد إنتاج أنماط الهيمنة الإمبريالية التقليدية، ولكن بأدوات معاصرة تقوم على التبادل السوقي والابتزاز الاقتصادي بدل الاحتلال العسكري المباشر.
وتدلّ هاتان الحالتان، فنزويلا وغرينلاند، على أن الرأسمالية الأميركية في مرحلتها الراهنة تميل إلى تحويل النظام الدولي إلى فضاء تنافسي مفتوح، تُقاس فيه قيمة الدول بقدرتها على توفير الموارد الاستراتيجية أو الانصياع لشروط السوق العالمي، لا بمدى احترام سيادتها أو حق شعوبها في تقرير مصيرها. وبذلك يغدو “العالم كغنيمة” ليس توصيفًا بلاغيًا، بل تعبيرًا تحليليًا عن منطق هيمنة يسعى إلى إخضاع الجغرافيا والثروة والقرار السياسي لمقتضيات تراكم رأس المال.
الخاتمة
يبيّن هذا التحليل أن الهيمنة الأميركية ليست مجرد تفوق عسكري أو اقتصادي، بل هي بنية شاملة من السيطرة تقوم على تداخل الرأسمالية المتوحشة مع أدوات القوة السياسية والعسكرية والثقافية. فالولايات المتحدة تمارس “شرعية القوة”، إذ يُحترم القانون الدولي عندما يخدم مصالحها، ويُتجاوز حين يتعارض معها.
وتكشف الأزمات المالية العالمية، وتنامي العقوبات، واتساع الفجوة الاجتماعية، أن هذا النموذج يعاني من تناقضات بنيوية عميقة تهدد استقراره على المدى الطويل. ومن ثمّ فإن فهم الهيمنة الأميركية يقتضي تجاوز الخطاب الليبرالي السائد، والعودة إلى التحليل النقدي للاقتصاد السياسي بوصفه المدخل الأنجع لتفكيك آليات السيطرة وإعادة التفكير في بدائل أكثر عدالة للنظام العالمي.
كما تكشف دراسة العقوبات الأميركية على العراق وإيران، إلى جانب السياسات المتبعة في فنزويلا وغرينلاند والعالم العربي، عن نمط ثابت من الاستخفاف بالقانون الدولي، وتحويل الأدوات الاقتصادية إلى وسائل عقاب جماعي وهيمنة سياسية. فلم تعد العقوبات استثناءً قانونيًا، بل أصبحت بنية دائمة في النظام الدولي تقودها الولايات المتحدة خارج أي مساءلة فعلية. فضلًا عن أن هذا المسار لا يعكس قوة النظام الرأسمالي الأميركي بقدر ما يكشف أزمته البنيوية والأخلاقية، إذ يجري تعويض التراجع النسبي في الشرعية الدولية بتكثيف أدوات الإكراه الاقتصادي. وبهذا المعنى، فإن الرأسمالية الأميركية المتوحشة لا تنتج الاستقرار، بل تعمّق اللامساواة، وتعيد إنتاج الصراع، وتُقوّض أسس القانون الدولي ذاته.
المصادر
-
بيك، اولريش، مجتمع لمخاطرة، ترجمة جورج كتورة و إلهام الشعراني، المكتبة الشرقية، بيروت، ط1، 2009.
-
تشومسكي، نعوم، الدول المارقة استخدام القوة في الشؤون العالمية، ترجمة أسامة أسبر، مكتبة العبيكان، المملكة العربية السعودية، 2004.
-
رشيح، حسين رزاق و ثجيل، عادل عبد الحمزة، مقومات استمرار القطبية الاحادية الأمريكية (الهيمنة)، مجلة دراسات دولية، جامعة بغداد، العدد 97، 2024.
-
سمارة، عادل، أزمة الرأسمالية المعولمة عتبة إلى الاشتراكية، جبهة العمل النقابي التقدمية، فلسطين، ط1، 2009.
-
عامر، قادة و ساعد، رشيد، مسارات الصعود الأمريكي نحو الهيمنة الدولية من الاستقلال الى نهاية القرن العشرين، مجلة ابحاث قانونية وسياسية، الجزائر، المجلد 9، العدد 2، 2024.
-
عصام، بن الشيخ، الهيمنة كهدف في السياسة الخارجية الأمريكية دراست في ادبيت جوزيف ناي، فرنسيس فوكوياما، زبيغينيو بريجنسكي، دفاتر السياسة والقانون، الجزائر، العدد 15، 2016.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى