إعداد: مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لم تعد الإشكالية الاقتصادية في العراق مجرد اختلال في موازين الحسابات الجارية أو فجوات رقمية يملأها الاقتراض، بل باتت تعبيراً عن أزمة هُوية في فلسفة إدارة الدولة، ونحن اليوم أمام تحول هيكلي يمس جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع، فالمسألة تجاوزت البحث عن حلول للعجز المالي لتستقر عند سؤال الوجود الاقتصادي: لمن تُدار الموارد، ومن يدفع ثمن البقاء؟
خلال الشهرين الماضيين (بعد الانتخابات مباشرة)، تصدّر شعار “تعظيم موارد الدولة” منصات القرار في الحكومة والمجلس الوزاري للاقتصاد، ليُقدّم كضرورة تقنية فرضتها وطأة الديون والتزامات الإنفاق التشغيلي المتضخم، لكن، عند إخضاع هذا الشعار للتشريح البنيوي، نجد أنه يخفي خلفه مخاطر كبرى، إذ يجري اختزال الإصلاح في قدرة المنظومة على استخلاص الفائض المالي من جيوب الطبقات الوسطى والهشة، دون تقديم حزمة موازية من الحقوق التنموية أو الخدمات النوعية.
إننا أمام مفارقة مركزية: الدولة تحاول معالجة أزمة سيولة عبر خلق أزمة وجود للمجتمع، فبينما يُسمى هذا التوجه إصلاحاً مالياً في التقارير الحكومية، فإنه يترجم في الواقع الاجتماعي كاستنزاف بنيوي يطال رأس المال الثقافي (التعليم) والأمن المعيشي، وهذا المسار يؤسس لأنموذج اقتصادي هجين، يجمع بين سوء الإدارة الريعية وقسوة الأنظمة الجبائية، مما يهدد بتآكل ما تبقى من ثقة في العقد الاجتماعي، ويحول الدولة من راعية للمصالح العامة إلى محصل ديون يبحث عن التوازن الرقمي على حساب الاستقرار المجتمعي بعيد الأمد.

الديون السيادية: من أثر جانبي إلى أداة لضبط المجتمع
يُصدّر الخطاب الرسمي الدين العام بعدّه قدراً محتوماً وخطراً وجودياً يُكبّل حركة الدولة، مما يمنح الحكومة شرعية اضطرارية لاتخاذ إجراءات تقشفية قاسية، بيد أن القراءة المتأنية لجذور هذه الديون في العراق تكشف عن بنيوية الأزمة، فهي ليست ديوناً تنموية اقترضتها الدولة لبناء قواعد صناعية أو بنى تحتية مدرّة للدخل، بل هي في جوهرها ديون استهلاكية نشأت لتغطية تضخم الجهاز الإداري، وترضية التوازنات السياسية عبر التوظيف العشوائي، وتبديد الفوائض النفطية في قنوات الإنفاق الجاري غير المنتج.
هنا يبرز التحول الخطير في الوظيفة السياسية للدين: إذ لم يعد الدين مجرد نتيجة لسوء إدارة سابقة، بل استحال إلى أداة لإعادة هندسة الأولويات، يتم استحضار بعبع الدين العام لتبرير الانسحاب التدريجي للدولة من التزاماتها الاجتماعية، فتصبح الديون مبرراً أخلاقياً وقانونياً للتضحية بالقطاعات التي تفتقر إلى مخالب سياسية أو جماعات ضغط Lobbying قوية تحميها داخل أروقة القرار.
في ظل هذا المشهد، يقع التعليم والتشغيل في فخ المفاضلة الصفرية، حيث يُقدّم سداد أقساط الديون والفوائد كأولوية تقنية تسبق الاستثمار في الإنسان، هذا المسار يؤدي إلى تأميم المستقبل لصالح أخطاء الماضي، فبدلاً من أن يكون الدين وسيلة لتمويل النمو، أصبح قيداً يُستخدم لتفكيك مؤسسات الرفاه وتجميد فرص التنمية البشرية، مما يحول الدولة من محرك للتغيير إلى حارس لمصالح الدائنين على حساب تطلعات الأجيال الصاعدة.
تعظيم الموارد: المفهوم كما يُطرح والمضمون كما يُمارَس
في أبجديات الفكر الاقتصادي الرصين، يُشتق مفهوم تعظيم الموارد من قدرة الدولة على تحفيز الدورة الإنتاجية؛ أي توسيع الوعاء الضريبي من خلال نمو الأعمال، وتنويع القاعدة الاقتصادية لتقليل الارتهان لتقلبات أسعار النفط، والاستثمار في رأس المال البشري بوصفه المحرك الأساسي لخلق القيمة المضافة، فالتعظيم الحقيقي هو عملية تراكمية تهدف إلى زيادة كعكة الناتج المحلي الإجمالي قبل البحث عن حصة الدولة منها.
إلا أن المقاربة المعتمدة في العراق حالياً تمارس نوعاً من الانتقائية المجهدة، حيث جرى اختزال التعظيم في أدوات الجباية القسرية، وبدلاً من أن تكون الضرائب والرسوم نتيجة طبيعية لانتعاش القطاع الخاص، تحولت إلى غاية بحد ذاتها، تُفرض على اقتصاد لا يزال يعاني من اختناقات هيكلية في الإنتاج والخدمات، إن التركيز على تشديد التحصيل الجمركي وزيادة الرسوم في بيئة تفتقر إلى البنية التحتية الداعمة للمنتج المحلي، يحوّل الدولة من شريك في التنمية إلى منافس على السيولة المحدودة لدى الأفراد والمؤسسات الصغيرة.
بهذا المعنى، نحن لا نشهد تعظيماً للموارد بمعناه الإنمائي، بل نشهد تعظيماً لـ قدرة الدولة الاستخلاصية Extractive Capacity وهذه القدرة تتوجه للداخل (المجتمع) لتعويض الإخفاق في تنويع الموارد الخارجية، إن خطورة هذه الممارسة تكمن في أنها تتم في اقتصاد لم يغادر محطة الريع بعد، مما يعني أن الدولة تفرض أعباء الاقتصاد المنتج على مجتمع يعيش في كنف اقتصاد ريعي معطل، وهي مفارقة تؤدي بالضرورة إلى استنزاف القوة الشرائية، وإضعاف الطلب المحلي، وبالتالي خنق أي بادرة لنمو حقيقي بعيداً عن هيمنة النفط.
التعليم: المورد المؤجل الذي يسهل التضحية به
في ظل هيمنة المنطق المحاسبي على القرار الاقتصادي، يُعامل التعليم كبند استهلاكي في الموازنة وليس كاستثمار استراتيجي بعيد الأمد، إن قرارات تقليص البعثات العلمية، وتجفيف منابع الدفع المالي للجامعات، وتجميد تطوير البنى التحتية الأكاديمية، تندرج جميعها تحت لافتة ترشيد الموارد، بيد أن هذا الترشيد ينم عن عماء استراتيجي، فهو يتجاهل أن العائد على الاستثمار في رأس المال البشري (ROI in Human Capital) هو الأعلى عالمياً، لكنه عائد غير مرئي في الموازنات السنوية لأنه يحتاج إلى عقود ليتبلور.
إن التضحية بالتعليم هي أسهل الحلول تقنياً لأن التعليم قطاع صامت، فلا هو يمتلك القدرة على تعطيل الشوارع كقطاعات الخدمات الأخرى، ولا هو ينتج أرباحاً نقدية سريعة تُغذي الخزينة، وهذا التجاهل يُحول التعليم من محرك للنمو إلى خسارة مؤجلة، فعندما تُقيد البعثات وتُهمل الجامعات، فإن الدولة لا توفر المال، بل تقوم بتصدير الكفاءات مستقبلاً أو وَأْدَها في مهدها، مما يوسع الفجوة التكنولوجية والمعرفية بين العراق ومحيطه الإقليمي الذي يتسارع نحو اقتصاد المعرفة.
أما على الصعيد السوسيولوجي، فإن الخطورة تكمن في كسر سلم الترقي الاجتماعي، فالأسرة العراقية، لاسيما الطبقة الوسطى، استثمرت لعقود في التعليم كأداة وحيدة للانتقال من ضيق العيش إلى سعة الفرص، اليوم، حين يرى المواطن أن الدولة ترفع يدها عن جودة التعليم وتقنن آفاقه، يتولد لديه شعور بالانسداد القيمي، حيث تفقد المعرفة قيمتها كعملة للنجاح، ويحل محلها الولاء أو الاكتفاء الوظيفي الأدنى، وهذا التحول يعيد إنتاج مجتمع قانع بالحدود الدنيا من المهارات، مما يحرم الاقتصاد الوطني من المبتكرين والرياديين، ويحول الطموح التنموي إلى مجرد رغبة في الأمان المعيشي الهش.
التعرفة الجمركية: إيراد سريع بكلفة معيشية عالية
تُسوق إعادة هيكلة التعرفة الجمركية في الخطاب الرسمي بوصفها ضربة معلم مزدوجة الأثر: فهي من جهة أداة لتنويع الإيرادات غير النفطية، ومن جهة أخرى جدار حماية للمنتج الوطني، لكن، عند فحص الواقع البنيوي للعراق، نجد أن هذا الطرح يصطدم بمركب معقد من الهشاشة الإنتاجية والفساد المؤسساتي، فالتعرفة في علم الاقتصاد لا تعمل كحافز للإنتاج إلا إذا كانت هناك قاعدة صناعية وزراعية مرنة قادرة على تعويض المستورد، أما في العراق، حيث يغطي المستورد الغالبية العظمى من سلة الاستهلاك، فإن رفع التعرفة يتحول تلقائياً من أداة حماية إلى ضريبة مبيعات غير مباشرة يدفعها المواطن في نهاية السلسلة.
إن الإشكالية الكبرى تكمن في اللا عدالة التي يفرزها هذا النظام، فالمنافذ الحدودية التي تعاني من ثقوب الفساد واتساع مسارات التهريب، تخلق واقعاً مشوهاً حيث تلتزم الشركات النظامية والمستورد الرسمي بالدفع، بينما تتسرب السلع عبر المنافذ الظل دون رسوم، هذا لا يحقق إيراداً كاملاً للدولة، بل يمنح ميزة تنافسية للمهربين على حساب الملتزمين قانونياً، ويجعل المنتج الصغير الذي يحاول البدء بصناعة وطنية محاصراً بين مطرقة ارتفاع كلف المواد الأولية المستوردة وسندان المنافسة غير العادلة من السلع المهربة.
وعلى مستوى المعيشة، يظهر الأثر الأكثر قسوة؛ فالموظف وذوي الدخل المحدود يعانون من تآكل القوة الشرائية، ففي الوقت الذي تبقى فيه الأجور ثابتة، يؤدي رفع التعرفة إلى موجات تضخمية متلاحقة تطال السلع الأساسية، هنا، لا يلمس المواطن سيادة اقتصادية أو حماية للمنتج، بل يلمس انكماشاً في قدرته على تلبية احتياجات أسرته، إن ما يتحقق فعلياً هو إيراد مالي محدود ومضطرب للخزينة، يقابله ضريبة اجتماعية باهظة تتمثل في سحق الطبقة الوسطى ودفع الفئات الهشة نحو حافة الفقر، مما يحول التعرفة من أداة تنموية إلى آلية لاستنزاف ما تبقى من فائض لدى المجتمع لتغطية عجز الإدارة الحكومية.
إيقاف التعيينات: التوفير الزائف وصناعة الاغتراب الاجتماعي
يُسوق قرار تجميد أو تقييد التعيينات في الخطاب المالي الرسمي بوصفه جراحة ضرورية لترشيق الموازنة العامة المثقلة بكتلة الرواتب التي تلتهم الجزء الأكبر من الإيرادات النفطية، لكن هذه الجراحة تُجرى في بيئة يفتقر فيها الجسد الاقتصادي إلى البدائل الحيوية، ففي ظل قطاع خاص مكبل بالبيروقراطية، وضعف التمويل، والمنافسة غير العادلة مع المستورد، يتحول إيقاف التعيينات من ضبط مالي إلى انسداد في الأوردة الاجتماعية، فالدولة هنا لا تعالج التضخم الوظيفي بقدر ما تقوم بترحيل الأزمة من جداول الحسابات إلى الشارع، محولةً البطالة من مشكلة اقتصادية إلى قنبلة موقوتة في صلب الأمن المجتمعي.

إن الإشكالية الأعمق تكمن في إهدار القيمة المضافة للخريجين؛ فالشاب الذي استثمرت الدولة والأسرة في تعليمه لأكثر من عقدين من الزمن، يجد نفسه فجأة خارج العقد الإنتاجي، وهذا الانسداد يولد نوعاً من الاغتراب الوطني، حيث يشعر الخريج أن مؤهلاته أصبحت عبئاً عليه بدلاً من أن تكون جسراً لمستقبله، هذا الإحباط يدفع بالطاقات البشرية نحو خيارين أحلاهما مُرّ: إما الانخراط في العمل الهش (المهن الهامشية التي لا تراكم خبرة ولا تولد نمواً)، أو الهجرة النوعية التي تمثل نزيفاً مستمراً للعقول.
بمنطق المحاسبة القومية، يمثل هذا الواقع خسارة صامتة هائلة لا تظهر في موازين العجز والدين العام، فالدولة التي تعجز عن استيعاب خريجيها في دورة العمل (سواء في القطاع العام المنظم أو الخاص المدعوم) هي دولة تخسر أصولها الأهم، إن ما توفره الحكومة اليوم من مبالغ الرواتب، ستدفعه غداً أضعافاً مضاعفة على شكل تكاليف اجتماعية، وأمنية، وتراجع في الإنتاجية الكلية، وفقدان للأمل الذي هو المحرك الأساسي لأي إصلاح اقتصادي حقيقي لعام 2026 وما بعده.
المجلس الوزاري للاقتصاد: بين الحساب المالي والواقع الاجتماعي
يُفترض بالمجلس الاقتصادي، بوصفه الجهة الأعلى لرسم السياسات الاقصادية، أن يضطلع بدور المايسترو الذي يحقق التوازن الحرج بين متطلبات الاستقرار المالي (Macro-stability) ومقتضيات العدالة الاجتماعية، بيد أن الممارسة الفعلية تكشف عن غلبة المنطق المحاسبي الصرف على مداولاته وتوصياته، فالمجلس يتعامل مع الدولة كأنها شركة مأزومة مطلوب منها تصفية ديونها وتحقيق فوائض رقمية، متجاهلاً أنها كيان اجتماعي وظيفة الاقتصاد فيه هي خدمة الاستقرار البشري، وليس العكس.
هذا الانكفاء على الأرقام الصمّاء أنتج ما يمكن تسميته بالنجاحات الشكلية، فمن الممكن تحقيق موازنة متزنة وتقليل العجز، ولكن بكلفة غير مرئية في جداول البيانات، وهي التآكل البنيوي في رأس المال الاجتماعي، إن تعظيم الموارد، حين يُفصل عن سياقه الثقافي والاجتماعي، يصبح عملية تجريدية لا تبالي بمدى قدرة المجتمع على الامتصاص أو التكيف، فالقرار الذي يبدو صحيحاً محاسبياً في أروقة المجلس، قد يكون كارثياً اجتماعياً في أزقة المدن، حيث يترجم كفقدان للأمل، وزيادة في معدلات الجريمة، وانحسار في الانتماء.
إن خطورة هذا النهج تكمن في تحويل الإصلاح إلى حزمة من الإجراءات العقابية بدلاً من أن يكون مشروعاً وطنياً يحظى بالقبول، فالمجلس الوزاري للاقتصاد، بغيابه عن قراءة سيكولوجية السوق وواقع الطبقات الهشة، يخلق فجوة ثقة تتعمق يوماً بعد آخر بين الدولة والمواطن، وإن النجاح في المؤشرات الدولية (مثل تقارير صندوق النقد أو البنك الدولي) قد يمنح الدولة شهادة صلاحية ماليّة مؤقتة، ولكنه لا يضمن لها الاستقرار المجتمعي المستدام، فالاقتصاد في نهاية المطاف هو سلوك بشر وليس مجرد حركة أرقام، وبدون أنسنة هذه السياسات وربطها ببرامج حماية وتمكين حقيقية، ستبقى قرارات المجلس بمثابة مُسكّنات موضعية تُعالج العَرَض (العجز المالي) وتُفاقم المرض (الانسداد التنموي).
مآلات 2026: استقرار هش أم إصلاح مؤجل؟
إذا استمرت سياسات تعظيم الموارد بالمنهج الحالي، فمن المرجح أن يحقق العراق توازناً مالياً نسبياً على المدى القصير، مقابل كلفة طويلة الأمد تتمثل في إضعاف التعليم، وتآكل الطبقة الوسطى، وتوسيع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
أما التحول الحقيقي، فيتطلب إعادة تعريف مفهوم التعظيم نفسه، ليشمل الاستثمار في الإنسان، وضبط الفساد في المنافذ والجباية، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، بوصفها موارد سيادية لا تقل أهمية عن النفط.
إن تعظيم موارد الدولة لا يتحقق بزيادة ما يُؤخذ من المواطن، بل بزيادة ما تستطيع الدولة إنتاجه عبره، والاقتصاد العراقي الحالي أمام خيارين واضحين: إما إدارة مالية قصيرة النفس تُحسّن الأرقام وتُضعف المجتمع، أو إصلاح بنيوي يعيد الاعتبار للتعليم والعمل ورأس المال البشري بوصفها الركائز الحقيقية لأي استقرار اقتصادي مستدام.
الاستنتاجات
-
سياسات الحكومة والمجلس الوزاري للاقتصاد في إطار تعظيم موارد الدولة لعام 2026 تُظهر أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في نقص الموارد بقدر ما تكمن في طبيعة المقاربة المعتمدة لإدارتها، فالديون التي تُستَخدم بوصفها مبرراً لإعادة ترتيب الأولويات ليست نتيجة صدمات خارجية فقط، بل حصيلة خيارات مالية مزمنة قامت على تضخيم الإنفاق الجاري وإهمال الاستثمار الإنتاجي، ما جعل أي محاولة للتصحيح المالي ذات كلفة اجتماعية عالية.
-
يتضح أن مفهوم تعظيم الموارد قد جرى اختزاله عملياً في أدوات جباية سريعة وضبط إنفاق قصير الأمد، بدلاً من توسيع القاعدة الإنتاجية وتنمية رأس المال البشري، وهذا الاختزال أفضى إلى نقل عبء الإصلاح من الدولة إلى المجتمع، خصوصاً الفئات ذات الدخل المحدود والطبقة الوسطى، التي تحملت تبعات التضخم وارتفاع الأسعار دون تحسن مقابل في مستوى الخدمات أو فرص العمل.
-
تكشف السياسات المعتمدة أن التعليم لم يُعامَل بوصفه مورداً استراتيجياً، بل ككلفة قابلة للتقليص عند الأزمات، وإن تقليص البعثات وضبط الإنفاق التعليمي يعكسان رؤية مالية ضيقة، تتجاهل العائد طويل الأمد للاستثمار في المعرفة، وتُسهم في إضعاف الحراك الاجتماعي وإهدار رأس المال البشري، وهو ما يقوّض أسس التنمية المستدامة.
-
كما أظهرت تجربة رفع التعرفة الجمركية أن تعظيم الإيرادات غير النفطية في بيئة إنتاجية ضعيفة يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يتحول إلى عامل تضخمي يضغط على معيشة المواطنين، ويضعف الطلب المحلي، ويحدّ من قدرة المنتجين الصغار على التوسع، ما يقلل فعلياً من فرص توليد موارد مستدامة.
-
أما إيقاف التعيينات وتقييدها، فقد أسهم في تحقيق توازن مالي نسبي، لكنه لم يعالج جذور البطالة، بل نقل آثارها إلى المجال الاجتماعي والنفسي، لاسيما فئة الشباب والخريجين، وفي ظل غياب قطاع خاص قوي، تحولت هذه السياسة إلى إدارة مؤجلة للأزمة، لا إلى حل تنموي حقيقي.
-
يتبيّن غلبة المنطق المحاسبي على قرارات المجلس الاقتصادي قد أضعفت البعد الاجتماعي والثقافي للسياسات الاقتصادية، ما أنتج فجوة متنامية بين الدولة والمجتمع، فنجاح السياسات المالية لا يُقاس فقط بتحسن المؤشرات الرقمية، بل بقدرتها على تعزيز الثقة، وتحقيق العدالة، وبناء استقرار طويل الأمد.
الخاتمة
تؤكد هذه القراءة أن مستقبل الاقتصاد العراقي لا يتوقف على تعظيم الموارد المالية فحسب، بل على إعادة تعريف مفهوم التعظيم ذاته، ليشمل الإنسان بوصفه المورد الأهم، ومن دون إدماج التعليم، والعمل المنتج، ورأس المال البشري في صلب السياسات الاقتصادية، ستبقى محاولات الإصلاح أقرب إلى إدارة أزمة مؤقتة، لا إلى مشروع دولة قادر على مواجهة تحديات ما بعد 2026.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى