ارتداد الشارع.. كيف انقلب منطق توظيف الاحتجاجات على صانعيه من طهران إلى واشنطن
بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مقدمة
لم تعد التظاهرات في عالم اليوم مجرّد تعبير عفوي عن الغضب الشعبي، بل تحوّلت إلى أداة جيوسياسية فاعلة تُستَخدم لإعادة تشكيل الدول والأنظمة من الداخل، فمنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ولا سيما بعد ” موجات “الربيع العربي”، نشأ نموذج جديد في إدارة الصراع الدولي يقوم على تسييس الشارع بدل اللجوء إلى الحرب المباشرة، وقد لعبت الولايات المتحدة، في ظل إدارات مختلفة وصولًا إلى عهد دونالد ترامب، دورًا محوريًا في ترسيخ هذا النموذج عبر دعم أو تشجيع أو شرعنة موجات احتجاجية في دول تُصنَّف بوصفها خصومًا أو دولًا غير منسجمة مع المصالح الأمريكية و”الإسرائيلية”، وفي مقدمتها إيران.
غير أن هذا النموذج لم يبقَ محصورًا في “الآخر”، بل بدأ يرتدّ على الداخل الأمريكي نفسه، حيث تشهد الولايات المتحدة اليوم موجات احتجاج واسعة ضد سياسات ترامب، مستخدمة الأدوات والخطابات ذاتها التي استُخدمت في الخارج، وهنا تبرز المفارقة التاريخية:
من زرع سياسة توظيف الشارع عالميًا، يحصد اليوم تمرد الشارع في بلاده.
أولًا: الاحتجاج بوصفه أداة في الاستراتيجية الأمريكية
في الفكر الاستراتيجي الأمريكي الحديث، لم يعد تغيير الأنظمة يعتمد فقط على الغزو العسكري أو الانقلابات التقليدية، بل على ما يمكن تسميته “الهندسة الاجتماعية السياسية”، أي إعادة تشكيل وعي المجتمعات عبر:
الإعلام الدولي
شبكات التواصل
منظمات المجتمع المدني
الضغط الحقوقي والاقتصادي
في هذا الإطار، تُستثمر التظاهرات بعدّها رافعة شرعية لإضعاف الدولة المستهدفة، ويتم تصوير السلطة بعدّها قمعية وفاسدة، والشارع بعدّه التعبير الحقيقي عن “الإرادة الشعبية”، حتى لو كانت هذه التظاهرات تمثل شريحة محددة أو يجري تضخيمها إعلاميًا.
تظاهرات مؤيدة للجمهورية الإسلامية والسيد علي الخامنئي
ثانيًا: الحالة الإيرانية كنموذج مكتمل لتسييس الشارع
تمثل إيران أحد أكثر النماذج وضوحًا في النظام الدولي المعاصر على تحويل الاحتجاج من فعل اجتماعي داخلي إلى أداة جيوسياسية، فمنذ أكثر من عقد، ولا سيما بعد موجات الاحتجاج الكبرى في أعوام 2009 و2017 و2019 و2022، لم تُقرأ هذه التحركات في واشنطن وتل أبيب بوصفها شأنًا داخليًا إيرانيًا، بل باعتبارها فرصة استراتيجية لإضعاف خصم إقليمي مركزي من داخل مجتمعه.
لقد جرى تأطير هذه الاحتجاجات في الخطاب الغربي ضمن عناوين أخلاقية جاهزة مثل “حقوق المرأة”، و”الحرية”، و”مقاومة الاستبداد الديني”، غير أن هذا الخطاب، على أهميته القيمية الظاهرية، كان يخفي وراءه وظيفة سياسية أعمق: نزع الشرعية عن الدولة الإيرانية في لحظة اشتباك إقليمي حاد، وإظهار النظام السياسي بوصفه كيانًا فاقدًا للتمثيل الشعبي، تمهيدًا لإضعاف موقعه التفاوضي والعسكري في الإقليم.
وفي هذا السياق، لم يكن الدعم الأمريكي والغربي للاحتجاجات في إيران مجرد تعاطف حقوقي، بل ترجم عمليًا إلى إجراءات سياسية وتقنية، ففي ذروة احتجاجات 2022، أعلنت واشنطن تخفيف القيود على شركات التكنولوجيا الغربية لتمكينها من تقديم خدمات اتصال وإنترنت داخل إيران، وهو ما وفر بنية تحتية رقمية متقدمة للناشطين لتجاوز الرقابة وتنظيم الحراك، وهذا القرار، في جوهره، يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن السيطرة على الفضاء الرقمي تعني السيطرة على ديناميات الشارع.
إلى جانب ذلك، نشطت عشرات المنظمات الإيرانية في الخارج، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، بدعم من مؤسسات مثل “الصندوق الوطني للديمقراطية” (NED) ووكالات أمريكية أخرى، في مجالات تدريب الناشطين، وإنتاج المحتوى الإعلامي، وتنظيم الحملات الرقمية العابرة للحدود. وبهذا تحوّل الاحتجاج من فعل محلي إلى شبكة دولية لإدارة الضغط السياسي على الدولة الإيرانية.
هكذا تحوّل الشارع الإيراني إلى ما يشبه ساحة حرب غير تقليدية، تُدار عبر الإعلام والمنصات الرقمية والضغوط الحقوقية، في إطار ما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”الحرب الهجينة”، حيث تصبح التظاهرات، مثل العقوبات والهجمات السيبرانية، أدوات لإعادة صياغة سلوك الدولة المستهدفة دون إطلاق رصاصة واحدة.
ثالثًا:ترامب وتطبيع منطق الشارع العالمي
لم يكن دونالد ترامب خروجًا عن الاستراتيجية الأمريكية في توظيف الشارع ضد الخصوم، بل كان لحظة تكثيف فجّة لها، ففي عهده، بلغت ازدواجية المعايير ذروتها: الاحتجاجات في إيران، فنزويلا، الصين، وروسيا تُقدَّم في الخطاب الأمريكي بوصفها “ثورات حرية” و”انتفاضات كرامة”، بينما يُنظر إلى أي حراك شعبي في دول حليفة أو داخل الفضاء الغربي نفسه بعده “شغبًا، أو تهديدًا للاستقرار”، أو نتيجة “تدخل خارجي مشبوه”، هذا الانقسام في توصيف الشارع لم يكن لغويًا، بل كان سياسيًا بامتياز، إذ يُحدَّد معنى الاحتجاج بناءً على هوية الدولة المستهدفة لا على طبيعة المطلب.
ترامب، بخطابه الشعبوي الحاد، نقل هذا المنطق من مستوى السياسة الخارجية إلى عمق السياسة الداخلية الأمريكية، فقد بنى خطابه على فكرة أن “النخبة” والمؤسسات التقليدية- الإعلام، القضاء، الكونغرس، الأجهزة البيروقراطية- قد اغتصبت إرادة “الشعب الحقيقي”، وأن استعادة هذه الإرادة لا تمر بالضرورة عبر القنوات الدستورية، بل عبر الضغط الجماهيري المباشر، وهكذا جرى تقديم الشارع، لا القانون، بوصفه الحكم النهائي على الشرعية، وهذا المنطق يحمل في جوهره تناقضًا قاتلًا: فإذا كان الشارع في الخارج يُعدّ مصدرًا مشروعًا لإسقاط الأنظمة أو إضعافها، فلماذا لا يكون الشارع في الداخل هو الآخر أداة لتحدي الدولة والمؤسسات؟ لقد فتح ترامب هذا الباب حين شكك بشكل منهجي في نزاهة الانتخابات، واعتبر أن “الجماهير” التي خرجت لدعمه هي التعبير الحقيقي عن الأمة، حتى عندما خالفت نتائج الصناديق، وهنا انتقل الشارع من كونه وسيلة ضغط إلى كونه بديلًا عن الآلية الديمقراطية ذاتها.
بهذا المعنى، أسهم ترامب في تطبيع فكرة خطرة على مستوى النظام العالمي: أن الدولة الحديثة ليست كيانًا تحكمه المؤسسات والقانون، بل كيانًا هشًا يمكن تطويعه أو كسره عبر تعبئة الجماهير، وهو المنطق نفسه الذي استُخدم طويلًا ضد دول الخصوم، لكن ارتداده على الداخل الأمريكي كشف حدوده المدمّرة، فحين تُصبح الجماهير أداة لإلغاء المؤسسات، لا يبقى للدولة سوى القشرة، وتتحول السياسة إلى صراع شوارع بدل أن تكون تنافس برامج وقوانين.
عملاء الهجرة الفيدراليون المنتشرين في مينيابوليس يستخدمون أساليب قمعية عنيفة للسيطرة على الحشود، والتي أصبحت مصدر قلق بالغ في أعقاب حادثة إطلاق النار المميتة التي أودت بحياة امرأة داخل سيارتها الأسبوع الماضي.
رابعًا: ارتداد النموذج داخل الولايات المتحدة
اليوم، ومع تصاعد موجات الاحتجاج داخل الولايات المتحدة، سواء تلك المرتبطة بسياسات الهجرة، أو العنف الشرطي ضد الأقليات، أو الاتهامات المتكررة بنزعة السلطوية وتسييس القضاء، نرى بوضوح النسخة الأمريكية من النموذج الذي صُدّر سابقًا إلى إيران وإلى دول عديدة في العالم، فالمشهد الذي كانت واشنطن تقدّمه لسنوات بوصفه “نضال شعوب ضد أنظمة قمعية” أصبح يُعرض الآن على الشاشات من قلب نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو، واللافت أن الخطاب هو ذاته تقريبًا، فالمتظاهرون في الشارع الأمريكي يتحدثون بلغة “العدالة” و”الحرية” و”كرامة الإنسان”، ويطرحون ثنائية “الشعب في مواجهة الدولة” ويكررون شعار “لا أحد فوق المحاسبة”، هذه المفردات ليست عفوية أو جديدة، بل هي القاموس نفسه الذي استخدمته الإدارات الأمريكية ووسائل إعلامها لتوصيف احتجاجات خصومها في الخارج، وكما في إيران أو فنزويلا أو غيرهما، يتم تأطير الصراع بوصفه مواجهة أخلاقية بين سلطة منحرفة وشعب يطالب بحقه الطبيعي في تقرير مصيره.
أما الأدوات فهي الأخرى تكاد تكون نسخة طبق الأصل: تعبئة رقمية عبر المنصات الاجتماعية، بث مباشر للمواجهات مع الشرطة، توظيف واسع للإعلام الدولي، شبكات من الناشطين والمحامين والمنظمات الحقوقية، وضغط متواصل عبر المؤسسات القضائية والرأي العام، وهذه البنية، التي طالما قُدّمت كجزء من “القوة الناعمة” الأمريكية في الخارج، أصبحت اليوم جزءًا من الصراع السياسي الداخلي، حيث تتحول الولايات المتحدة إلى ساحة حرب سرديات بين من يملك السلطة ومن يملك الشارع.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: دونالد ترامب، الذي روّج لسنوات منطق “الشارع الثائر” في مواجهة حكومات الخارج، يجد نفسه الآن في مواجهة شارع يتحدث اللغة التي أسهم هو في تعميمها، فحين تُقدَّم الاحتجاجات ضد الخصوم بوصفها تعبيرًا عن الشرعية الشعبية، يصبح من الصعب نزع هذه الصفة حين تُوجَّه الاحتجاجات إلى الداخل، وحين تُشيطَن المؤسسات في الخارج بوصفها أدوات قمع، فإنها تفقد تلقائيًا هالتها حين تحاول فرض القانون في الداخل.
بهذا المعنى، لا تبدو الاحتجاجات الأمريكية الراهنة مجرد أزمات اجتماعية أو سياسية معزولة، بل هي ارتداد لنموذج جيوسياسي كامل، لقد عاد السلاح الرمزي الذي استُخدم ضد الآخرين ليصيب من صنعه، والولايات المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها حكمًا أخلاقيًا على صراعات العالم، باتت اليوم تُحاكَم بالقواعد ذاتها التي فرضتها على غيرها.
خامسا:تآكل القيم الأخلاقية الأمريكية وصلته بانفجار التظاهرات
في سياق هذا المقال، لا يمكن فهم موجات الاحتجاج داخل الولايات المتحدة بمعزل عن الانهيار التدريجي لمنظومة القيم التي حكمت السلوك السياسي الأمريكي لعقود. فالدولة التي كانت تُقدِّم نفسها للعالم بوصفها حارسة “الحرية” و”الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”، باتت تمارس هذه القيم بانتقائية فجّة، وتحوّلها إلى أدوات ضغط ضد الخصوم، لا إلى مبادئ ناظمة لسلوكها هي. هذا التناقض لم يبقَ في فضاء السياسة الخارجية، بل عاد ليضرب شرعية النظام السياسي في الداخل، حين يرى المواطن الأمريكي أن حكومته تُدين القمع في إيران، لكنها تُبرر عنف الشرطة في شوارعها، وأنها تتحدث عن “الانتخابات الحرة” في الخارج، لكنها تُشكك في نزاهتها في الداخل، وأنها ترفع شعار “سيادة القانون” عالميًا، لكنها تستخفّ بالقضاء والمؤسسات عندما لا تخدم مصالح الرئيس- فإن فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع تتسع إلى حد الانفجار. وهنا تصبح التظاهرات ليست مجرد احتجاجات مطلبية، بل تعبيرًا عن أزمة أخلاقية عميقة في بنية الحكم.
التظاهرات الأمريكية الراهنة هي، في جوهرها، محاكمة شعبية لهذا السقوط القيمي. فالشعارات التي تُرفع في الشارع- العدالة، الكرامة، لا أحد فوق القانون- ليست فقط مطالب اجتماعية، بل ردّ مباشر على الخطاب الرسمي الذي فرّغ هذه القيم من مضمونها. الناس لا يخرجون لأنهم فجأة اكتشفوا الظلم، بل لأنهم رأوا بأعينهم كيف تحوّلت القيم إلى أدوات نفاق سياسي، تُستخدم ضد الآخرين وتُسحب عند الحاجة في الداخل، وهكذا، فإن ترامب لم يواجه فقط معارضة سياسية، بل واجه ارتداد أزمة أخلاقية صنعها بنفسه وبالنهج الذي مثّله. فحين تُهدم القيم التي تُعطي للدولة شرعيتها المعنوية، لا يبقى أمام المجتمع سوى الشارع ليطالب باستعادتها. وبذلك تصبح التظاهرات الأمريكية، في أحد أعمق معانيها، ثورة على ازدواجية المعايير، قبل أن تكون احتجاجًا على سياسات بعينها.
إضاءات
الشارع كسلاح سياسي عالمي: لم تعد التظاهرات مجرد تعبير اجتماعي، بل تحولت في الاستراتيجية الأمريكية إلى أداة ضغط جيوسياسي تُستخدم لإرباك الخصوم وإضعاف الدول، تمامًا كما تُستخدم العقوبات أو الحرب الإعلامية.
إيران كنموذج للتوظيف الخارجي للاحتجاج: الاحتجاجات الإيرانية جرى تضخيمها وتدويلها ليس بدافع حقوقي، بل بوصفها وسيلة لإرهاق الدولة الإيرانية في سياق صراع إقليمي ودولي مفتوح.
ترامب وشرعنة تجاوز الدولة بالشارع: خطاب ترامب أسهم في ترسيخ فكرة أن “إرادة الشارع”يمكن أن تتجاوز المؤسسات والقانون، وهو منطق استُخدم ضد الخارج ثم عاد ليُستخدم داخل أمريكا نفسها.
ارتداد النموذج إلى الداخل الأمريكي: ما تشهده الولايات المتحدة اليوم من احتجاجات هو النسخة الداخلية من النموذج الذي صدّرته إلى العالم: تعبئة رقمية، خطاب حقوقي، ومواجهة بين الشارع والدولة.
التظاهرات بوصفها أزمة قيم: الاحتجاجات الأمريكية لا تعبّر فقط عن رفض سياسات، بل عن فقدان الثقة في القيم التي تدّعي الدولة تمثيلها، مثل العدالة والمساواة وسيادة القانون.
ازدواجية المعايير كمحرّك للغضب: حين تُستخدم القيم ضد الخصوم في الخارج وتُعطَّل في الداخل، يتحول المواطن إلى معارض أخلاقي للنظام، لا مجرد خصم سياسي.
من الهيمنة إلى الفوضى: توظيف الشارع لإضعاف الآخرين أضعف في النهاية هيبة الدولة الأمريكية نفسها، فالدولة التي تقوّض شرعية غيرها تفقد تدريجيًا شرعيتها.
أمريكا تُحاكَم بقواعدها الخاصة: الولايات المتحدة لم تعد حكمًا على “ثورات الآخرين”، بل أصبحت ساحة تُطبَّق عليها المعايير ذاتها التي فرضتها على العالم.
الخاتمة
تكشف التظاهرات داخل الولايات المتحدة أن النموذج الذي استُخدم طويلًا لإضعاف خصومها عاد ليحاكمها من الداخل، فحين تُفرَّغ القيم من مضمونها وتُستبدل بالمصلحة والازدواجية، يتحول الشارع إلى ساحة صراع على الشرعية. وما يعيشه الأمريكيون اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل ارتداد عميق لمنطق الهيمنة حين ينقلب على أصحابه.
المصادر
ضجة احتجاجية واسعة عقب مقتل رينيه جود على يد ضابط من ICE