المدينة كفضاء مغلوب: الترييف القيمي وانكسار المدنية
بقلم: د. حسن هاشم حمود
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مقدّمة
تتميّز الجماعات الإنسانية عن سائر الكائنات بقدرتها على بناء عالم اجتماعي يتّسق مع غاياتها وأهدافها ورؤاها للوجود، غير أنّ اختلاف هذه الجماعات فيما بينها ينبع من سعي كل واحدة منها إلى تشكيل عالمٍ يعكس خصوصيتها الثقافية وهويتها الجمعية ومنظومتها القيمية وفلسفتها في الحياة، وداخل الجماعة الواحدة، يسعى الأفراد بدورهم إلى الاندماج في محيطهم الاجتماعي وترك أثرٍ يعبّر عن ذواتهم، من خلال تفاعلهم مع البيئة الاجتماعية وتراكم خبراتهم وتجاربهم وتمثّلاتهم الجمعية، وهو ما يُفضي إلى تشكّل الثقافة بوصفها الإطار الذهني والفكري الذي ينظّم سلوك الأفراد ويحدّد أنماط تعاملهم مع الواقع.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الثقافة عن البنية الاجتماعية التي تتشكّل داخل الفضاء الحضري، إذ تمثّل المدينة مجالًا مركزيًا لتفاعل القيم والأنماط السلوكية المختلفة، إلا أنّ المدن العراقية تشهد، في العقود الأخيرة، تحوّلات اجتماعية عميقة تمثّلت في تصاعد ظاهرة ترييف المدينة، مترافقة مع تمدّد القيم القبلية والعشائرية داخل الفضاء الحضري، وقد أسهمت هذه التحوّلات في إعادة تقسيم المجتمع إلى جماعات متنافسة، بات فيها الانتماء القبلي يشكّل شرطًا للحماية الاجتماعية ووسيلة أساسية لفضّ النزاعات، على حساب الدور المفترض لمؤسسات الدولة والقانون.
وتبرز خطورة هذه الظاهرة في أنّها لم تقتصر على المجال الاجتماعي فحسب، بل امتدّت لتطال القضايا المؤسسية والإدارية، حيث بدأت بعض الخلافات تُحلّ وفق منطق قبلي عشائري، بدلًا من الحلول المهنية والمؤسساتية. كما اتّسمت القبلية بمرونة عالية مكّنتها من التكيّف مع الظروف السياسية والاجتماعية المتغيّرة، فتقوى في فترات ضعف الدولة وتراجع سلطتها، وتضعف نسبيًا عند استعادة الدولة لوظيفتها التنظيمية، وهو ما أشار إليه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في تحليله للعلاقة الجدلية بين الدولة والقبيلة.
وعليه فإنّ ترييف المدن في العراق لا يُختزل في مظهر عمراني أو سكاني، بل يتجلّى بوصفه تحوّلًا قيميًا وثقافيًا يعيد إنتاج أنماط ريفية داخل المدينة، قائمة على منطق الغلبة والمنعة في تنظيم العلاقات الاجتماعية، ويُسهم في تقويض قيم التحضّر والمدنية، ومن هذا المنطلق، نسعى هذا المقال إلى تحليل ظاهرة ترييف المدن في المجتمع العراقي، والكشف عن آثارها الاجتماعية والثقافية، وانعكاساتها على مسار التحضّر وبناء الدولة المدنية.
اولًا: الهجرة من الريف إلى المدينة
تُعدّ الهجرة من الريف إلى المدينة، ولا سيما إلى العاصمة بغداد، من أبرز العوامل المؤثرة في ظاهرة ترييف المدن، فاستمرار تدفّق المهاجرين الريفيين يخلق مشكلات بنيوية لا تقتصر على المجتمعات الريفية الطاردة، بل تمتد إلى المجتمعات الحضرية الجاذبة، من حيث الضغط على البنى التحتية والخدمات، وإعادة تشكيل أنماط العلاقات الاجتماعية.
ويعرّف الترييف بوصفه ظاهرة اجتماعية ناتجة عن انتقال جماعات ريفية إلى المدينة مع احتفاظها بقيمها وعاداتها وأنماطها السلوكية التقليدية، بما يعيق اندماجها الكامل في النمط الحضري، ومع تزايد الأعداد تطفو هذه القيم على السطح وتؤثر في البنية الثقافية الحضرية، إلى الحد الذي تصبح فيه المدينة أقل قدرة على فرض نموذجها الثقافي والتنظيمي.
ومن اسباب الهجرة من الريف إلى المدينة هي :
القوى الطاردة من الريف
الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانتشار البطالة.
تدني مستوى الخدمات الصحية والتعليمية.
عزوف الشباب عن العمل الزراعي.
تراجع كميات الانتاج الزراعي بسبب قلة المياة.
توافر المستورد من المحاصيل الزراعية باسعار اقل من المنتج المحلي.
القوى الجاذبة للمدينة
ارتفاع مستويات الأجور نسبيًا.
توفر فرص العمل المرتبطة بالتنمية العمرانية.
توفر التعليم العالي والخدمات الاجتماعية.
المركزية الإدارية والسياسية والاقتصادية.
ثانيًا: ترييف المدن
ذهب البعض من علماء الاجتماع في تعريفهم للمدينة لربطها بالتغيرات الاساسية التي طرأت على نمو المدن وعلاقتها بالثقافة الغربية فيعرف ماكس فيبر المدينة في ضوء الترتيبات الاجتماعية التي تسمح بالتطور الكامل للقدرات الفردية والتجديد الاجتماعي وكان هذا تعريفة بمثابة النموذج المثالي الذي عنى به فيبر كتجريد لا يوجد في الواقع، بينما قدم دوركايم ثنائية شهيرة ميز فيها بين نمطين من المجتمعات وفقًا لشكل التضامن الاجتماعي مشيرًا إلى النمط الاول يقوم على ما اطلق عليه “التضامن الآلي” بينما يقوم النمط الثاني على “التضامن العضوي” وقد اكد دوركايم على ان النمط الاول يتميز بمجموعة من الخصائص والسمات منها: التشابه والمماثلة، وسيادة المعتقدات والعادات والطقوس والرموز المشتركة، بينما يتميز النمط الثاني بالتمايز والتباين بين الناس، وتقسيم العمل، وأن الأفراد يعتمدون على بعضهم في مواجهة إحتياجاتهم الأساسية شأنهم شأن الكائن العضوي، فكرة المماثلة العضوية.
وعلى الرغم من ظهور العديد من الاتجاهات الفكرية السوسيولوجية التي حاولت فهم المدينة الاوربية ودينامياتها الا ان معظم هذه الاتجاهات قد وضعت في اعتبارها القرية كوحدة بنائية مقابلة وقد كان ذلك يمثل سببًا اساسيًا للاهتمام بدراسة الفروق الريفية الحضرية.
وفي إطار تفسير طبيعة الحياة الحضرية، يقدّم عالم الاجتماع لويس ويرث مجموعة من المحددات التي يرى أنّها تميّز البيئة الحضرية عن البيئة الريفية، وتُسهم في تشكيل نمط العلاقات الاجتماعية داخل المدينة، ومن أبرزها:
تتّسم الروابط الاجتماعية بين سكان المدينة بالسطحية والنفعية، ويترتب على ذلك سيادة أساليب الضبط الاجتماعي الرسمي، بدلًا من أساليب الضبط غير الرسمية السائدة في المجتمعات التقليدية.
مع تطور المدينة واتساعها، تتراجع المعرفة الشخصية بين الأفراد، فتغدو العلاقات الاجتماعية في حدّ ذاتها وسيلة لتحقيق المصالح المدنية، لتحلّ العلاقات الرسمية محلّ العلاقات الشخصية.
يقوم تقسيم العمل في المدينة على أساس التخصص وظهور الشركات والمؤسسات الكبرى، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع روح المودة والتضامن التقليدي، وظهور جماعات جانبية ووظيفية.
يرتبط نمو المدينة بزيادة عدد السكان، وتعاظم تقسيم العمل، وتنامي التخصص، وتعقّد الوظائف الاجتماعية.
يفرض التوسع الحضري تنوّعًا وتطورًا في وسائل المواصلات، وهو ما لا يتوافر عادة في المجتمعات الريفية أو التقليدية.
يغلب طابع المنافسة على طابع التعاون في الحياة الحضرية، نتيجة ضعف الروابط العاطفية والانفعالية بين السكان.
غير أنّ هذه المحددات النظرية، التي صاغها لويس ويرث، لا تنطبق بالضرورة على جميع المدن وفي كل السياقات الاجتماعية، إذ إنّ لكل مدينة خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، ففي البلدان النامية، ومنها العراق، تتسم العلاقات الاجتماعية في المدينة والريف بدرجة عالية من التداخل، ويصعب الفصل الحادّ بين النمطين الحضري والريفي، وقد أسهم تطور وسائل الاتصال والتواصل، وتسارع الهجرة الريفية– الحضرية، وتأثير التعليم، والاحتكاك الثقافي المتبادل بين القرية والمدينة، في إنتاج أنماط هجينة من العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعين، الأمر الذي دفع عددًا من الباحثين المعاصرين إلى الحديث عن ظاهرتي «ترييف المدينة» و«تحضّر القرية» في آنٍ واحد.
وغالبًا ما ترتبط عملية التحضّر ونمو المدن بالطفرات الاقتصادية، والتحولات السياسية، ونوعية الخدمات المتاحة وكثافتها، لما لذلك من دور في زيادة جاذبية المدينة للسكان القادمين من خارج محيطها، وجعلها فضاءً مفتوحًا يمتد تأثيره إلى أعماق المجتمع الأوسع، وفي هذا السياق، يُعرّف الترييف بوصفه ظاهرة اجتماعية ناتجة عن انتقال جماعات ريفية إلى المدينة مع استمرار ممارستها لعاداتها وتقاليدها الاجتماعية وقيمها الثقافية الريفية، الأمر الذي يحدّ من قدرتها على التكيّف السريع مع النمط الحياتي والاجتماعي الحضري.
وتُعدّ القيم الثقافية الريفية المحمولة من قبل الجماعات المهاجرة عنصرًا أساسيًا في تشكيل الشخصية الاجتماعية لأفرادها، لما لها من أثر في تحديد أنماط السلوك والعلاقات داخل الفضاء الحضري، ومع تزايد الأعداد المتدفقة إلى المدن، كما تشير إليه العديد من المؤشرات والإحصاءات، تطفو هذه القيم والسلوكيات على السطح، وتتغلغل في شبكة العلاقات الاجتماعية الحضرية، بما يجعل المدينة أقل قدرة على ضبط هذه التحولات أو التأثير فيها، الأمر الذي يُفضي في النهاية إلى إعادة إنتاج أنماط اجتماعية ريفية داخل إطار حضري شكلي.
ثالثًا: النمو الحضري غير المنضبط وتشوه النسيج العمراني
تشهد المدن العراقية نموًا حضريًا متسارعًا في ظل غياب المعايير التخطيطية الحضرية الرصينة، وضعف الرقابة المؤسسية من الجهات المختصة، فضلًا عن غياب السياسات الواضحة للتخطيط والتنمية الحضرية، أو اتسامها بالعشوائية، وقد أسفر ذلك عن تشوه واضح في النسيج العمراني للمدن، تمثل في تنوّع أنماط البناء العشوائي وغير المنظم.
وتعيش في هذه الفضاءات الحضرية فئات اجتماعية متباينة ومتعارضة في أحيان كثيرة، الأمر الذي يؤدي إلى تنوّع واختلاف في البنية الثقافية الحضرية، ونشوء ثقافات فرعية متعددة، سواء تلك التي تحملها الجماعات المهاجرة من بيئات ريفية مختلفة، أو الثقافات الفرعية الخاصة بسكان المدينة الأصليين، على اختلاف أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والإثنية، ويؤدي هذا التعدد إلى تباين في المفاهيم الحضرية، ويُسهم في توليد صراعات اجتماعية وتوترات، لا سيما مع ازدياد الطلب على الخدمات العامة المحدودة.
تُعدّ القبيلة والعشيرة من أهم البُنى الاجتماعية التقليدية في المجتمع العراقي، إذ ما تزال تمثل إطارًا ناظمًا للعلاقات الاجتماعية، ومصدرًا فاعلًا للتكافل والتعاون والعيش المشترك، وقد أسهمت هذه البنية، تاريخيًا، في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي من خلال قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية، وفضّ النزاعات بين أفرادها، فضلًا عن تنظيم علاقاتها مع القبائل والعشائر الأخرى، اعتمادًا على منظومة راسخة من الأعراف والقيم المتوارثة.
وتستند القبيلة العراقية إلى رصيد قيمي وأخلاقي عميق الجذور، يتمثّل في تعظيم الصدق، والشجاعة، والأمانة، واحترام الجار، وتقدير العمل، وهي قيم لا تزال المجتمعات الريفية تحافظ عليها وتعيد إنتاجها اجتماعيًا بوصفها مرتكزًا لهويتها الجمعية، وقد مكّن هذا الرصيد القيمي أبناء الريف، ولا سيما المنتمين إلى العشائر، من أداء أدوار وطنية بارزة، تمثّلت في رفض الخضوع والإذلال، ومقاومة العدو الخارجي، سواء أكان محتلًا أم غازيًا، دفاعًا عن الأرض والسيادة، وحفاظًا على الثروات الوطنية.
وتُعدّ السنن أو السنائن العشائرية إحدى الركائز الأساسية للنظام الاجتماعي العشائري، إذ تمثّل منظومة من القواعد العرفية الموروثة التي تحظى بمكانة إلزامية داخل المجتمع العشائري، وتعمل بوصفها قانونًا عرفيًا منظمًا للسلوك والعلاقات، ويقبل أفراد العشيرة بهذه القواعد دون مجادلة، لاقتناعهم بدورها في تحقيق العدل والإنصاف، وضبط السلوك الفردي والجماعي، وحماية التماسك الاجتماعي، فالسنائن ليست مجرد قواعد عقابية، بل منظومة شاملة تنظم العلاقات الاجتماعية، وتحدّ من الانحراف عن القيم والمعايير التي تعتز بها الجماعة، وتسهم في تعزيز التضامن الاجتماعي ومعاقبة المعتدي ضمن إطار جماعي منضبط.
غير أنّ التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع العراقي، ولا سيما التمدد الحضري، أفرزت أنماطًا جديدة في توظيف هذه الأعراف، حيث بدأ بعض الأفراد، ممن يدّعون المشيخة أو النفوذ العشائري، باستغلال السنائن خارج سياقها الاجتماعي والأخلاقي، لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، أحيانًا على حساب المصلحة العامة. وقد أدّى هذا السلوك إلى تشويه صورة القبيلة بوصفها بنية اجتماعية فاعلة، وإلى إضعاف الثقة بالسنائن العشائرية، لا سيما عندما نُقلت هذه الممارسات إلى البيئة الحضرية بصيغ لا تعكس حقيقتها الأصيلة المتجذرة في الريف.
وعليه، فإن القراءة السوسيولوجية المنصفة تؤكد أنّ القبيلة والسنائن العشائرية لا تزالان تمثلان ركيزة مهمة في البناء الاجتماعي العراقي، شريطة الحفاظ على جوهرهما القيمي والأخلاقي، وتحييدهما عن الاستغلال الفردي، بما يضمن استمرارهما كأداتين لتعزيز السلم الاجتماعي، وترسيخ العدالة، وصون الهوية المجتمعية، خصوصًا في المجتمعات الريفية التي ما تزال تشكّل الخزان القيمي والوطني للمجتمع العراقي.
خامسًا: الترييف والقبلية في السياق العراقي
في السياق العراقي، تشهد المدن ظاهرة متنامية تتمثل في ترييف المجال الحضري، مترافقة مع تصاعد نفوذ القبلية داخل المجتمع، وقد أسهمت هذه الظاهرة في إعادة تقسيم المجتمع إلى جماعات متنافسة، بحيث أصبح الفرد مهددًا بالإقصاء أو التهميش إذا لم يكن منتميًا إلى إطار قبلي يلوذ به عند نشوء النزاعات، بدلًا من اللجوء إلى مؤسسات الدولة القانونية.
والأخطر من ذلك، أنّ عددًا متزايدًا من الخلافات ذات الطابع المؤسسي أو الإداري بات يُحلّ وفق منطق قبلي، على حساب الحلول المهنية والمؤسساتية، وتتميّز القبلية بقدرتها على التكيّف مع السياقات الاجتماعية والسياسية المختلفة، فهي تقوى في لحظات ضعف الدولة وتراجع هيبتها، وتضعف عندما تستعيد الدولة دورها الضابط والمنظّم للعلاقات الاجتماعية، وهو ما أكده عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في تحليله للعلاقة الجدلية بين الدولة والقبيلة.
وعليه، فإنّ ترييف المدينة في العراق لا يقتصر على البعد العمراني، بل يتجسّد أساسًا في ترييف قيمي وثقافي، يقوم على اعراف قبلية مشوهة قائمة على منطق الغلبة والمنعة في فضّ النزاعات، والذي يُصوَّر اللجوء إلى مؤسسات الدولة بوصفه علامة ضعف أو عجز اجتماعي، ومن ثم قد ينسحب ذلك على مفاصل الحياة الاجتماعية جميعها.
الأحياء العشوائية في بغداد تؤوي 2.5 مليون مواطن
سادسًا: الآثار الاجتماعية للترييف
يحمل المهاجرون من الريف إلى المدينة منظوماتٍ من القيم والعادات الريفية التي قد تدخل، في حال وجود فجوة ثقافية بين المناطق الطاردة والمستقبِلة، في حالة من التوتر أو الصدام مع القيم الحضرية السائدة، غير أنّ المهاجر الريفي غالبًا ما يكون في موقع اجتماعي لا يتيح له فرض ثقافته، الأمر الذي يدفعه إلى تبنّي الأنماط الثقافية الحضرية بأسلوب يتّسم بالحذر أو الحياء الاجتماعي، إلا أنّ هذا الوضع يتغيّر عندما تتجاوز أعداد المهاجرين الريفيين نسبة سكان المدينة الأصليين، إذ تحظى الجماعات المهاجرة حينها بدعم وتشجيع من بعض القيادات الاجتماعية، بما يعزز حضور قيمها وأنماطها السلوكية.
ومن أبرز الآثار الاجتماعية لهذه الظاهرة، ترييف منظومة القيم الحضرية، حيث بدأت أساليب التعامل وحلّ بعض القضايا الاجتماعية والنزاعات تتخذ طابعًا ريفيًا عشائريًا، بعيدًا عن الأطر المؤسسية والمهنية التي يفترض أن تضطلع بها مؤسسات الدولة، وقد أخذ هذا النمط في التوسع ليصبح المرجعية الفعلية في فضّ كثير من الخلافات، مسهمًا في ترسيخ ذهنية اجتماعية تعد اللجوء إلى مؤسسات الدولة، كالمحاكم ومراكز الشرطة، مظهرًا من مظاهر الضعف أو قلّة الشجاعة.
ويترتب على ذلك آثار اقتصادية واجتماعية جسيمة، من أبرزها ارتفاع كلفة تسوية النزاعات العشائرية، نتيجة تضخم مطالب الفصل العشائري إلى مبالغ طائلة قد تصل إلى أرقام فلكية، ما يعجز كثيرين عن تسديدها، ويؤدي إلى استدامة النزاع وتفاقمه، وربما انزلاقه إلى مسارات عنفية لا تُحمد عواقبها، ويُضاف إلى ذلك ترسيخ ثقافة الثأر، التي قد تضع أفرادًا أبرياء في دائرة العقاب الجماعي، فيتحملون تبعات أفعال لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، فضلًا عن انتشار جرائم ذات طابع قبلي تُقوّض سلطة الدولة وتحدّ من قدرتها على فرض سيادة القانون. وعلى الرغم من أنّ القانون العراقي قد جرّم بعض الممارسات العشائرية، مثل «الدكّة العشائرية»، وحدد عقوبات قانونية لها، إلا أنّ فاعلية هذه الإجراءات ما تزال محدودة في الحدّ من تلك الظواهر.
وفي سياق أوسع، فإنّ غياب البيئة الملائمة للعمل والاستثمار داخل الدولة والمجتمع العراقي، والتوجّه المتزايد لرؤوس الأموال نحو الخارج، إلى جانب تصاعد الهجرة الجماعية للنخب المتعلّمة والمتمدّنة، قد أفضى إلى نشوء فراغ إداري ومؤسساتي في البنية الاجتماعية، تمثّل بتراجع دور النخب المدنية والحضرية، ولا سيما الطبقات الوسطى، والكفاءات، وذوي المستويات الثقافية العالية، الذين يُعدّون الركيزة الأساسية في بناء المجتمع المدني والدولة الحديثة.
وقد مهّد هذا الفراغ لتحولات اجتماعية عميقة، تمثلت في صعود الفئات ذات الثقافة الدنيا والهامشية، ولا سيما ذات الجذور الفلاحية الريفية، الأمر الذي أسهم في تفريغ المجتمع من كثير من قيمه المدنية الحديثة، وصعود ما أطلق عليه فالح عبد الجبار مصطلح «الحطام الاجتماعي»، وأدّت هذه الموجات المتتالية من الهجرة الريفية إلى المدينة إلى حالة من الصدام الثقافي والاجتماعي بين الفضاءين الحضري والريفي، تمثلت في اجتياح وهيمنة القيم العشائرية والقبلية على المجتمع المدني الحضري، وتحويل المدينة إلى فضاء ريفي مُتمدّن شكليًا، بفعل النزوح العشوائي والغزو الثقافي والفكري للريف على المدينة في آنٍ واحد.
ويُضاف إلى ذلك الارتفاع الملحوظ في نسب السكن العشوائي غير الخاضع للتنظيم الإداري من قبل الجهات المختصة، ولا سيما أمانة العاصمة، الأمر الذي أسهم في خلق بيئات اجتماعية هشّة، تُعدّ حاضنة لارتفاع معدلات الجريمة والانحراف، نتيجة غياب الضبط المؤسسي وضعف الخدمات الأساسية.
الخاتمة
يُظهر هذا العرض التحليلي أنّ ظاهرة ترييف المدن في العراق ليست نتاج عاملٍ واحدٍ معزول، ولا يمكن اختزالها في بعدها الديمغرافي أو العمراني فحسب، بل هي حصيلة تفاعل معقّد بين التحوّلات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، التي مرّ بها المجتمع العراقي خلال العقود الأخيرة، فقد أسهمت الهجرة الريفية الواسعة، والنمو الحضري غير المنضبط، وضعف مؤسسات الدولة، وتراجع دور الطبقة الوسطى والنخب المدنية، في إعادة إنتاج أنماط وقيم ريفية داخل الفضاء الحضري، بما أفقد المدينة كثيرًا من وظائفها التنظيمية والثقافية.
ويوضح المقال أنّ ترييف المدينة في السياق العراقي يتجلّى أساسًا بوصفه ترييفًا قيميًا وثقافيًا، تُهيمن فيه الأعراف العشائرية ومنطق الغلبة والمنعة على حساب القانون والمؤسسة، الأمر الذي انعكس سلبًا على منظومة التحضّر، وقوّض أسس الدولة المدنية، وأضعف الثقة بالحلول المهنية والمؤسساتية في إدارة النزاعات الاجتماعية والإدارية. كما أسهم هذا التحوّل في تكريس أنماط من الضبط الاجتماعي غير الرسمي، وارتفاع كلفة النزاعات، وتنامي العنف والثأر، فضلًا عن تشويه النسيج العمراني وتوسّع السكن العشوائي بوصفه حاضنة لاختلالات اجتماعية وأمنية متراكمة.
وعليه فإنّ مواجهة ظاهرة ترييف المدن في العراق تقتضي مقاربة شاملة لا تقتصر على المعالجات الأمنية أو القانونية وحدها، بل تستند إلى سياسات تنموية متوازنة تعيد الاعتبار للريف بوصفه فضاءً منتجًا، وتحدّ من دوافع الهجرة القسرية إلى المدن، إلى جانب تبنّي تخطيط حضري رصين، وتعزيز دور مؤسسات الدولة في فرض سيادة القانون، وإعادة تمكين الطبقات الوسطى والنخب الثقافية بوصفها الحامل الاجتماعي لقيم التحضّر والمدنية، ومن دون ذلك ستبقى المدينة العراقية أسيرة تحوّلات قيميّة تُفرغها من مضمونها الحضري، وتحولها إلى فضاءٍ ريفيّ مُتمدّن شكليًا، عاجز عن أداء دوره في بناء مجتمع مدني ودولة حديثة قائمة على المواطنة والمؤسسة والقانون.
المصادر
الحمد، تركي، الثقافة العربية امام تحديات التغيير، دار الساقي،بيروت، ط1،
السروجي، طلعت مصطفى، السكان والبيئة رؤية اجتماعية، المكتب الجامعي الحديث، الاسكندرية، ط1، 2014.
العنبكي، وضاح فاضل و الميالي، احمد عدنان، إشكاليات الهوية وبناء الدولة والمجتمع عند فالح عبد الجبار، مركز الرافدين للحوار، النجف الاشرف، ط1، 2021.
فروج، ميلود، المدينة الجزائرية بين الترييف والتمدن، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة عبدالحميد مهري قسطينة2، الجزائر عدد 44، 2015.
ناصف، سعيد، علم الاجتماع الحضري المفاهيم- القضايا-المشكلات، ط1، 2006.