هشاشة اقتصاد الموظف العراقي

نظرة تحليلية في انتقال الأزمة من الدخل إلى الثقة المؤسسية

بقلم: أ.د. عباس علي شلال

مدير مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

 

المقدمة

لم تعد معاناة الموظف العراقي الاقتصادية تُختزل في ضعف الراتب أو محدودية الدخل الشهري، بل باتت تعبّر عن حالة أعمق من الهشاشة البنيوية التي تطال علاقة الفرد بالدولة ومؤسساتها، فالوظيفة العامة، التي شُيِّدت تاريخيًا بوصفها ملاذًا نسبيًا للاستقرار والأمان الاجتماعي، أخذت تفقد معناها الرمزي، لتتحول تدريجيًا إلى مساحة قلق دائم، تُثقل كاهل الموظف بأسئلة المستقبل أكثر مما تمنحه شعور الطمأنينة، وفي هذا السياق لا يمكن فهم أزمة الموظف بوصفها أزمة مالية منفصلة، بل كجزء من اختلال أوسع في منظومة الإدارة الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

لقد أصبح الراتب في الحياة اليومية للموظف العراقي عامل ضغط نفسي واجتماعي بقدر ما هو وسيلة عيش، إذ لم يعد قادرًا على مواكبة متطلبات المعيشة المتزايدة، ولا على توفير هامش أمان يسمح بالتخطيط أو الادخار أو الاستجابة للطوارئ، ومع تصاعد تكاليف السكن والنقل والتعليم والصحة، تآكلت القدرة الشرائية للموظف، وتحوّل دخله إلى أداة لإدارة العجز لا لبناء الاستقرار، وهذا الواقع لم يُنتج فقط شعورًا بالضيق الاقتصادي، بل أسهم في إعادة تشكيل أنماط الحياة والاختيارات الشخصية، من تأجيل مشاريع الزواج والإنجاب، إلى التفكير بالهجرة أو البحث عن مصادر دخل موازية غالبًا ما تكون غير مستقرة أو مُنهِكة.

غير أن البعد الأخطر في هذه الأزمة يتجلى في آثارها النفسية والمؤسسية المتراكمة، فاستمرار القلق الاقتصادي يولد حالة من الاستنزاف النفسي الصامت، تُضعف الدافعية، وتُفقد العمل معناه، وتدفع الموظف إلى أداء الحد الأدنى الممكن دون شعور بالانتماء أو الالتزام الحقيقي، ومع مرور الوقت، لا يبقى هذا القلق حبيس التجربة الفردية، بل يتحول إلى ظاهرة اجتماعية مشتركة داخل الوسط الوظيفي، تُطبع السلوك اليومي بثقافة الحذر، والانسحاب، والبحث عن النجاة الفردية على حساب الثقة المتبادلة.

في هذا المناخ، تبدأ أزمة الدخل بالتحول إلى أزمة ثقة مؤسسية، فحين تعجز الدولة عن تقديم ضمانات اقتصادية واضحة، أو حين يظل خطابها أسير التطمين اللفظي دون سياسات ملموسة، يتآكل العقد الضمني الذي يربط الموظف بالمؤسسة العامة، ويغدو الراتب، بدل أن يكون تعبيرًا عن حق مكتسب، موضوعًا للشك والقلق والترقب، فيما تتراجع صورة الدولة بوصفها كيانًا راعيًا وحاميًا للاستقرار، وإن هذا التآكل في الثقة لا ينعكس فقط على نفسية الموظف، بل يطال جودة الأداء المؤسسي، ويهدد الاستقرار الاجتماعي، ويفتح المجال أمام سلوكيات تعويضية قد تتعارض مع قيم النزاهة والالتزام العام.

تنطلق هذه القراءة من قناعة مفادها أن هشاشة اقتصاد الموظف العراقي تمثل اختبارًا حقيقيًا لوظيفة الدولة وقدرتها على إدارة العلاقة مع مواردها البشرية، فالمسألة لا تتعلق بزيادة الدخل بمعزل عن السياق، بل بإعادة بناء منظومة أمان اقتصادي واجتماعي تعيد للوظيفة العامة معناها، وللموظف ثقته بالمؤسسة، وللدولة مشروعيتها الرمزية، ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة الأزمة بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والنفسية والاجتماعية واليومية، مع مساءلة صريحة لدور الحكومة في إنتاج الأزمة أو احتوائها، واستشراف أفق واقعي لإعادة بناء الثقة على أسس أكثر عدالة واستدامة.

 

هشاشة الدخل وتآكل الأمان المعيشي

يشكّل الدخل الشهري للموظف العراقي حجر الزاوية في فهم هشاشة اقتصاده الشخصي، ليس بوصفه رقمًا ماليًا مجردًا، بل بعدّه المحدِّد الرئيس لنمط العيش وحدود الاستقرار، فمنذ سنوات، بات الراتب عاجزًا عن مواكبة التحولات السريعة في تكاليف المعيشة، حيث تصاعدت أسعار السكن والنقل والغذاء والخدمات الأساسية بوتيرة تفوق أي تعديل حقيقي في هيكل الأجور، ونتيجة لذلك، وجد الموظف نفسه في حالة دائمة من الموازنة القسرية بين الضروريات، يُعيد ترتيب أولوياته وفق منطق البقاء لا وفق منطق التطور، الأمر الذي أفقد الدخل وظيفته بوصفه أداة أمان طويلة الأمد.

 

إن تآكل القوة الشرائية للراتب لا يعود فقط إلى التضخم، بل يتغذى أيضًا من غياب سياسة دخل واضحة وعادلة، تتعامل مع الأجور بوصفها جزءًا من رؤية اقتصادية شاملة، ففي ظل غياب آليات دورية لتصحيح الرواتب، يتحول الموظف إلى الطرف الأضعف في معادلة الاقتصاد، يتحمل أعباء السوق دون أن يمتلك أدوات الحماية، ويزداد هذا الوضع تعقيدًا حين تُقارن دخول الموظفين بتفاوتات صارخة بين الوزارات والهيئات، ما يعمّق الشعور بالغبن الاقتصادي، ويُضعف الإحساس بالعدالة، حتى داخل الجهاز الوظيفي ذاته.

 

ويتضاعف هذا القلق الاقتصادي بفعل الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، حيث ترتبط الرواتب العامة ارتباطًا غير مباشر بتقلبات أسعار النفط، لا بقدرة الدولة على التخطيط المستدام، وفي مثل هذا السياق، لا يصبح الراتب نتيجة جهد إنتاجي أو سياسة اقتصادية راسخة، بل متغيرًا سياسيًا يخضع لحسابات العجز والفائض، هذا الارتباط الهش يولد لدى الموظف شعورًا دائمًا بعدم اليقين، ويجعل أي حديث عن الاستقرار المالي مشروطًا بعوامل خارج إرادته وإرادة مؤسسته الوظيفية.

وفي الحياة اليومية، تظهر انعكاسات هذه الهشاشة الاقتصادية بوضوح في سلوك الإنفاق والاقتراض، فغياب القدرة على الادخار يدفع الموظف إلى الاعتماد المتزايد على الديون أو الالتزامات المؤجلة، سواء لتغطية احتياجات صحية طارئة أو متطلبات تعليم الأبناء أو تكاليف السكن، ومع تراكم هذه الأعباء، يتحول الراتب من وسيلة لتنظيم الحياة إلى مصدر ضغط مستمر، يُفاقم القلق ويحدّ من القدرة على اتخاذ قرارات مستقرة أو طويلة الأمد.

ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن وظيفة الدولة ومسؤوليتها في إدارة الاقتصاد الوظيفي، فحين تغيب الرؤية الاستراتيجية للأجور، وتُدار الرواتب بوصفها عبئًا ماليًا لا استثمارًا اجتماعيًا، تتكرس هشاشة الدخل وتفقد الوظيفة العامة أحد أهم مبرراتها، وإن الدولة التي لا تضمن لموظفيها حدًا أدنى من الأمان المعيشي، تُسهم-بقصد أو بغير قصد- في إنتاج بيئة اقتصادية غير مستقرة، تُضعف الثقة، وتُمهّد لتحولات سلوكية ومؤسسية ستنعكس آثارها لاحقًا على مجمل الأداء العام.

ويمكن القول إن الأزمة الاقتصادية للموظف العراقي ليست نتيجة ظرف طارئ، بل نتاج تراكم طويل لسياسات غير متوازنة، أفرغت الراتب من دوره الوقائي، وحوّلت الاقتصاد الوظيفي إلى مساحة هشّة، مفتوحة على القلق وعدم اليقين، وهذه الهشاشة تمثل الحلقة الأولى في سلسلة انتقال الأزمة من الدخل إلى الثقة، تمهيدًا لانكشاف أبعادها النفسية والاجتماعية والمؤسسية في المحاور اللاحقة.

 

 

القلق الاقتصادي بوصفه حالة مزمنة

لا تتوقف آثار هشاشة الدخل عند حدود الأرقام والقدرة الشرائية، بل تمتد عميقًا إلى البنية النفسية للموظف العراقي، حيث يتحول القلق الاقتصادي من حالة عابرة مرتبطة بظرف معين إلى حالة ذهنية مزمنة ترافق الفرد في تفاصيل حياته اليومية، فالخوف من المستقبل، وعدم اليقين بشأن القدرة على مواجهة الطوارئ، واستحالة التخطيط طويل الأمد، كلها عوامل تخلق شعورًا دائمًا بالتهديد، يجعل الموظف يعيش في حالة استنفار نفسي مستمر، حتى في غياب أزمات ظاهرة.

هذا القلق لا يُعبَّر عنه غالبًا بصيغ مباشرة أو احتجاجية، بل يتخذ أشكالًا صامتة ومتراكمة، تتجلى في الإرهاق النفسي، وتراجع التركيز، وضعف الرضا الوظيفي، ومع مرور الوقت، يبدأ الموظف بفقدان الإحساس بالمعنى المرتبط بالعمل، إذ تتحول الوظيفة من مساحة تحقيق ذات واستقرار، إلى التزام ثقيل لا يحمل أفقًا واضحًا، وهنا، لا يكون الاحتراق النفسي نتيجة ضغط العمل ذاته، بل نتيجة شعور عميق بعدم الجدوى، وبأن الجهد المبذول لا يقابله أمان أو تقدير مستقبلي.

ويتغذى هذا الوضع النفسي من غياب الرسائل المؤسسية المطمئنة، فحين تعجز الدولة عن تقديم رؤية واضحة أو ضمانات مستقرة، تترك موظفيها في مواجهة فراغ نفسي، تملؤه الشائعات، والتوقعات السلبية، وتجارب سابقة من الأزمات المالية، وفي ظل هذا الفراغ، يصبح القلق جماعيًا، ينتقل بين الموظفين بوصفه معرفة غير مكتوبة، ويُعاد إنتاجه داخل بيئة العمل عبر الأحاديث اليومية، والتخوفات المشتركة، ونبرة التشاؤم التي تطبع الخطاب الداخلي.

كما ينعكس هذا القلق على السلوك الوظيفي بأساليب غير مباشرة، فالموظف القَلِق اقتصاديًا يميل إلى تقليل المخاطرة، وتجنب المبادرة، والاكتفاء بالحد الأدنى من الأداء، ليس بدافع الكسل، بل بوصفه آلية دفاع نفسي في بيئة لا يشعر فيها بالأمان، ومع الوقت، يتحول هذا السلوك الفردي إلى نمط عام، يؤثر في الروح المؤسسية، ويُضعف الإنتاجية، ويُكرّس فجوة صامتة بين الموظف والمؤسسة التي يعمل فيها.

الأخطر من ذلك أن القلق الاقتصادي المزمن يُعيد تشكيل صورة الدولة في الوعي النفسي للموظف، فالدولة لم تعد تُرى ككيان راعٍ أو ضامن، بل كجهة بعيدة، غير قادرة أو غير معنية بتوفير الطمأنينة، وعند هذه النقطة، تبدأ الثقة بالتآكل على مستوى شعوري عميق، يتجاوز النقد العقلاني للسياسات، ليصل إلى إحساس داخلي بالخذلان أو التخلي، وهذا التحول النفسي يمثّل الأرضية الأولى لأزمة الثقة المؤسسية التي ستتبلور لاحقًا في السلوك الاجتماعي والسياسي.

إن فهم البعد النفسي لهشاشة اقتصاد الموظف لا يهدف إلى توصيف المعاناة فقط، بل إلى إدراك أن القلق ليس مسألة فردية أو ذاتية، بل نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية ومؤسسية، فالدولة التي تفشل في إدارة اقتصاد موظفيها، تُنتج- بالضرورة- بيئة نفسية مثقلة بالخوف وعدم اليقين، ما يجعل معالجة الأزمة الاقتصادية شرطًا أساسيًا لاستعادة التوازن النفسي، وليس العكس.

 

هشاشة الدخل وتأثيرها على الحياة اليومية والروابط الاجتماعية

تتجاوز آثار هشاشة دخل الموظف العراقي حدود الحسابات المالية، لتتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وتشكل شبكة متشابكة من الضغوط الاجتماعية والنفسية، فالراتب الذي لم يعد قادرًا على تغطية الاحتياجات الأساسية، لا يقتصر تأثيره على الموظف وحده، بل يطال أسرته المباشرة، في إعادة ترتيب الأولويات اليومية وتحديد الخيارات الحياتية الكبرى، والأسرة، بوصفها الخلية الأساسية للمجتمع، تجد نفسها أمام معضلات مستمرة: تأجيل مشاريع الزواج أو الإنجاب، إعادة النظر في مستوى التعليم للأطفال، أو حتى تقييد الحاجات الصحية والخدمية، مما يولّد شعورًا جماعيًا بالحرمان والقلق يمتد من الفرد إلى المحيط المباشر.

هذه الضغوط اليومية لا تقتصر على المعاملات المالية، بل تمتد لتؤثر على العلاقات الأسرية والاجتماعية، فالتوتر النفسي المستمر الناتج عن القلق الاقتصادي يؤدي إلى صعوبات في التواصل، وارتفاع حدة الصراعات داخل الأسرة، ويضعف قدرة الأفراد على التعاون والتفاهم، ومع تكرار هذه التجربة، يصبح القلق جزءًا من نمط الحياة، ويتحول إلى حالة اجتماعية عامة تُفقد الوسط الوظيفي والمجتمع الخاص نوعًا من التضامن والتفاعل الإيجابي.

في الحياة اليومية للموظف، تظهر انعكاسات هشاشة الدخل في سلوكات ملموسة، مثل الاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة أو مؤقتة، أو الانخراط في أنشطة إضافية قد تكون مرهقة جسديًا ونفسيًا، في محاولة لسد الفجوة بين الدخل والاحتياجات، كما تتأثر القرارات المتعلقة بالسكن، والنقل، والمشتريات الأساسية، لتصبح كل خطوة في الحياة اليومية مرتبطة بالضغوط الاقتصادية، ويغدو الموظف أسيرًا لهذه الحسابات المستمرة، ما يقلل من هامش الحرية في الاختيار ويثقل الروتين اليومي.

تتداخل هذه الضغوط مع الأبعاد الاجتماعية على نطاق أوسع، فهشاشة الدخل تُسهم في تراجع الثقة بين الموظفين والمؤسسة، وتضعف شعور الانتماء الاجتماعي، بينما تعمّق التجربة المشتركة من القلق الاقتصادي شعورًا بالاحباط الجماعي، الذي يمكن أن يظهر في صورة الاغتراب أو عزوف عن المشاركة في النشاطات الاجتماعية، أو سلوكات تعويضية تتسم بالانغلاق أو الفردانية، وقد يصبح القلق الاقتصادي قضية ليس فقط فردية بل مؤسسية واجتماعية، ويؤثر على قدرة المجتمع على إنتاج رأس مال اجتماعي قوي ومتضامن.

كما يتضح أن الدولة ليست مجرد مراقب أو متفرج، بل هي جزء أساسي من المنظومة التي تخلق هذه الضغوط أو تخفف منها، فالسياسات الحكومية المتعلقة بالأجور والمخصصات، والتأمينات، والحماية الاجتماعية، تُترجم مباشرة إلى جودة الحياة اليومية للموظف، وتؤثر في استقراره النفسي والاجتماعي، وعليه، فإن معالجة هشاشة الدخل لا يمكن أن تقتصر على زيادة الراتب وحده، بل يجب أن ترافقها سياسات متكاملة تأخذ بالحسبان متطلبات الحياة اليومية، وتوفر ضمانات للأمان الاجتماعي، وتعزز شعور الموظف بالعدالة والانتماء.

يمكن القول إن البعد الاجتماعي والحياتي يكشف أن أزمة الموظف العراقي ليست مجرد أزمة مالية، بل هي أزمة معيشية مركبة تمس الأفراد، الأسر، والمجتمع، وتتمظهر في كل تفاصيل الحياة اليومية، كما يظهر أن هشاشة الدخل ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل قضية متشابكة تتداخل فيها النفس، والحياة اليومية، والروابط الاجتماعية، لتشكل قاعدة تتحول عليها لاحقًا أزمة الثقة المؤسسية.

 

من القلق الفردي إلى أزمة الثقة المؤسسية

إن هشاشة الدخل والضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة لا تبقى محصورة داخل التجربة الفردية للموظف، بل تتحوّل مع الوقت إلى ظاهرة مؤسسية تؤثر على صورة الدولة ومصداقيتها في نظر المواطنين، فالشعور المستمر بعدم اليقين المالي والاقتصادي يولّد قلقًا نفسيًا متراكمًا، يُفقد الموظف إحساسه بالمعنى والجدوى، ويؤدي إلى تراجع الانتماء الوظيفي والالتزام المؤسسي، مما يمهّد لتحول الأزمة من مستوى شخصي إلى مستوى مؤسسي.

هذا التحول يتأتى أيضًا نتيجة التباين بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، إذ كثيرًا ما تعلن الدولة عن سياسات تهدف إلى الطمأنة أو تحسين الدخل، لكن في الواقع تظل هذه الإجراءات جزئية أو محدودة الأثر، بينما يتجاهل التخطيط المالي طويل الأمد وضع الموظف على قائمة أولويات الاستقرار الاقتصادي، وهذا التناقض بين الكلام الرسمي والواقع العملي يضعف الثقة، ويخلق شعورًا بالخذلان، فيصبح الموظف غير قادر على الربط بين جهوده اليومية ومردودها في حياته ومستقبله المهني.

مع استمرار هذه الحالة، تبدأ الثقة المؤسسية بالتآكل، ليس كفكرة نظرية، بل كحقيقة ملموسة في السلوك اليومي، يظهر ذلك في انخفاض الدافعية للعمل، واعتماد الموظف على الحد الأدنى من الأداء، والسعي إلى حلول فردية لتعويض القصور المؤسسي، مثل البحث عن مصادر دخل إضافية أو الانخراط في أنشطة موازية خارج نطاق العمل الرسمي، وهذه الظواهر لا تنعكس على الأداء الفردي فحسب، بل تؤثر في جودة الخدمات العامة، وتضعف قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، ما يزيد دائرة الهشاشة والقلق.

وقد تتحول الوظيفة من فضاء للانتماء والكرامة إلى مساحة للبقاء فقط، وتصبح الدولة في وعي الموظف كيانًا بعيدًا، غير قادر على الوفاء بالتزاماته تجاه موظفيه، بينما ينشأ شعور عام بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليست ضمانًا، بل خاضعة للمزاج السياسي أو الاقتصادي للحظة، وهذا الانكسار في الثقة لا يقتصر أثره على حياة الموظف الفردية، بل يمتد إلى الروابط الاجتماعية، ويضعف الشعور بالانتماء للمؤسسات العامة، ويزيد من فرص السلوكات التعويضية، التي يمكن أن تصل في أحيان كثيرة إلى الإحباط، والانسحاب، أو حتى الاحتجاج.

من هذا المنطلق، يمكن فهم أزمة الثقة المؤسسية على أنها نتيجة مباشرة لهشاشة الدخل، وليس مجرد انعكاس سياسي أو إداري، فالدولة التي لا تضمن لأحد أهم عناصرها البشرية- موظفيها- الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي، تضعف قدرتها على إدارة مؤسساتها، وتفقد مصداقيتها، ويصبح الموظف مرآة حية لهذه الهشاشة، وبالتالي، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تكتفي بمعالجة الأرقام أو تعديل الرواتب، بل تتطلب إعادة النظر في العقد الضمني بين الموظف والدولة، وخلق منظومة شاملة من الضمانات المالية والاجتماعية والسياساتية، التي تعيد الثقة بوصفها ركيزة أساسية للاستقرار المؤسسي والمجتمعي.

 

وظيفة الدولة وإصلاح الثقة المؤسسية

تتضح أهمية وظيفة الدولة في هذا السياق عندما نفهم أن هشاشة دخل الموظف وأزمة القلق النفسي والاجتماعي ليست مجرد مسائل فردية، بل انعكاسات مباشرة على شرعية المؤسسات وقدرتها على الأداء الفاعل، فالدولة، بوصفها الضامن الأساسي للأمان الاقتصادي والاجتماعي، تتحمل مسؤولية إنتاج بيئة عمل مستقرة، تمنح الموظف الشعور بالجدوى والانتماء، وتوفر له وسائل الحماية الضرورية للتخطيط لمستقبله الشخصي والعائلي، وعندما تفشل الدولة في ذلك، لا تنتج مجرد أزمة مالية مؤقتة، بل تزرع بذور تآكل الثقة المؤسسية التي تمتد آثارها إلى جودة الأداء العام والاستقرار الاجتماعي.

إن إعادة بناء الثقة تبدأ بمعالجة الأسباب الجوهرية لهشاشة الدخل، إذ لا يكفي تعديل الرواتب جزئيًا أو مؤقتًا، بل يتطلب ذلك تبني سياسات دخل عادلة ومستدامة، تراعي التفاوت بين الوظائف والهيئات، وتضع معايير واضحة لضمان استقرار القوة الشرائية للموظف على المدى الطويل، كما يجب أن تترافق هذه السياسات مع منظومة حماية اجتماعية شاملة تشمل التأمين الصحي، والتقاعد المستدام، ودعم مواجهة الطوارئ، بما يعكس وظيفة الدولة كمؤسسة راعية للموظف لا مجرد مسؤول لايصال الرواتب.

كما يلعب الخطاب الحكومي دورًا جوهريًا في استعادة الثقة، فالصراحة والشفافية في عرض التحديات والقيود الاقتصادية، والاعتراف بالقصور حين يحدث، أكثر فاعلية في تعزيز الثقة من التطمينات الشكلية أو الوعود غير الملموسة، وعندما يلمس الموظف أن الدولة تديره بصدق وتضعه في صميم أولوياتها، يتحول القلق من حالة سلبية مستمرة إلى شعور بالأمان النسبي، ويستعيد الموظف دافعيته وانتماءه المؤسسي.

ومن منظور أوسع، فإن وظيفة الدولة لا تتوقف عند حدود السياسات الشكلية، بل تمتد إلى تعزيز ثقافة العدالة والإنصاف في المؤسسات، ومراقبة التفاوتات، وضمان تكافؤ الفرص، بما يخلق بيئة عمل صحية تعيد إنتاج رأس المال الاجتماعي المؤسسي، فالثقة التي تُستعاد على هذا الأساس لا تُترجم فقط إلى أداء أفضل، بل إلى استقرار اجتماعي متين، حيث يشعر الموظف والمجتمع ككل بأن الدولة قادرة على حماية مصالحهم ومصالح أجيالهم القادمة.

إن معالجة الأزمة إذن تتطلب إعادة بناء العقد بين الموظف والدولة، بحيث يشمل الأبعاد الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، ويعزز الشعور بالجدوى والانتماء، فالراتب الذي يضمن الحياة الكريمة، والسياسات التي تحمي الفرد من المفاجآت الاقتصادية، والخطاب الصادق والمؤسسي، كلها عناصر متكاملة تعيد الثقة إلى مكانها الطبيعي، وبذلك تتحول وظيفة الدولة من مجرد إدارة الأزمة إلى إنتاج الاستقرار، ويصبح الموظف شريكًا فاعلًا في إعادة بناء مؤسسات الدولة، بدلاً من أن يكون متفرجًا على هشاشتها أو ضحية لها.

 

الخاتمة

لقد أظهرت القراءة التحليلية لهشاشة اقتصاد الموظف العراقي أن الأزمة لا تنحصر في ضعف الدخل أو ارتفاع تكاليف المعيشة فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا نفسية واجتماعية ومؤسسية متشابكة، تخلق حالة من القلق المستمر تهدد استقرار الأفراد والمجتمع على حد سواء، فالراتب الذي لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية يتحول إلى مصدر ضغط دائم، يؤثر على نمط الحياة اليومية للموظف، ويعيد تشكيل قراراته الأسرية والاجتماعية، من الزواج والإنجاب إلى التعليم والصحة والهجرة، وهو ما يكرّس شعورًا جماعيًا بالحرمان وعدم اليقين.

على المستوى النفسي، تولّد هشاشة الدخل حالة قلق مزمنة، تنعكس على الدافعية والانتماء الوظيفي، وتضعف الأداء الفردي والجماعي داخل المؤسسات، وهذا القلق، إذا لم تتم معالجته، يتحول تدريجيًا إلى أزمة ثقة مؤسسية، حيث يرى الموظف أن الدولة لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها تجاهه، وأن سياساتها الاقتصادية والاجتماعية غير مستدامة وغير عادلة، ما يضعف الشعور بالانتماء ويُضعف مصداقية المؤسسات العامة.

من الناحية الاجتماعية والحياتية، فإن هشاشة الدخل تضع الأسرة والمجتمع أمام ضغوط مستمرة، تعيد ترتيب الأولويات، وتخلق فجوة بين الواقع اليومي وتوقعات الموظف المشروعة، ما يسهم في تراجع التضامن الاجتماعي، ويزيد الميل إلى السلوكات التعويضية الفردية أو الانسحابية، التي قد تؤثر سلبًا على جودة الحياة العامة وفاعلية المؤسسات.

أما على المستوى المؤسسي، فتبرز وظيفة الدولة والحكومة بوصفها الضامن الأساسي للأمان الاقتصادي والاجتماعي، وإن إعادة بناء الثقة لا يمكن أن تكتمل إلا عبر سياسات دخل عادلة ومستدامة، حماية اجتماعية شاملة، خطاب صادق وشفاف، وتعزيز العدالة داخل المؤسسات، فالراتب الذي يضمن الاستقرار، والخدمات التي تتيح التخطيط لمستقبل الموظف وأسرته، والسياسات التي تعيد للوظيفة العامة معناها كمساحة للكرامة والانتماء، كلها عناصر حيوية لإعادة الثقة إلى مكانها الطبيعي، ولضمان استقرار المؤسسات والمجتمع على حد سواء.

ومن هذا المنطلق، فإن هشاشة اقتصاد الموظف ليست مجرد أزمة مالية، بل اختبار لشرعية الدولة وقدرتها على إدارة العلاقة مع أحد أهم مواردها البشرية، ومن هنا، تتضح الحاجة إلى معالجة شاملة لا تقتصر على رفع الرواتب، بل تشمل استراتيجيات متكاملة لإعادة بناء الأمان النفسي والاجتماعي، وتعزيز العدالة المؤسسية، وضمان أن تصبح الوظيفة العامة فضاء للكرامة والاستقرار، لا مجرد وسيلة للبقاء.

 

إن هذه القراءة التحليلية تؤكد أن حل أزمة الموظف العراقي مرتبط بقدرة الدولة على توحيد السياسة الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية في رؤية واحدة، تعيد للموظف ثقته بنفسه وبمؤسساته، وتعيد للدولة مصداقيتها، وتضع أساسًا مستدامًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل.

 

بناءً على ما تقدم، وانطلاقاً من مخرجات الدراسة التحليلية، يمكن صياغة التوصيات التالية كخارطة طريق واقعية تهدف إلى معالجة جذور الهشاشة وإعادة بناء الثقة المؤسسية، وعلى النحو الآتي:

 

  • هيكلة الأجور وربطها بمؤشرات التضخم: توصي الدراسة التحليلية بضرورة الانتقال من نظام الرواتب الجامد إلى نظام مرن يتضمن علاوة سنوية حقيقية ترتبط بمعدلات التضخم السنوية، والهدف هو حماية القوة الشرائية للموظف من التآكل، وضمان ألا يتحول الدخل إلى أداة لإدارة العجز، بل وسيلة لبناء الاستقرار.

  • إقرار قانون موحد وعادل للرواتب: كشفت الدراسة التحليلية أن التفاوت الكبير بين الوزارات والهيئات يغذي الشعور بالغبن الاجتماعي، وعليه تتمثل التوصية في تشريع قانون رواتب موحد يقلص الفجوات بين الموظفين في مختلف القطاعات، ويحقق العدالة التوزيعية التي تُعد الركيزة الأولى لاستعادة الانتماء المؤسسي.

  • تفعيل صناديق الأمان الاجتماعي والائتمان الميسر: لمواجهة حالة القلق المزمن تقترح الدراسة التحليلية إنشاء صناديق ائتمانية تابعة للمؤسسات العامة، تمنح قروضاً ميسرة للسكن أو الحالات الصحية الطارئة بفوائد رمزية، وهذا الإجراء يسهم في فك الارتباط بين الراتب الشهري وبين الأزمات الطارئة، مما يمنح الموظف هامشاً من الأمان النفسي.

  • اعتماد سياسة الشفافية والمكاشفة الاقتصادية: بناءً على ما رصدته الدراسة التحليلية من تآكل في الثقة نتيجة الغموض، نوصي بتبني خطاب حكومي شفاف يشارك الموظفين في التحديات والفرص الاقتصادية، وإن توفير بيانات دقيقة حول الخطط المستقبلية يقلل من تأثير الشائعات ويحد من حالة عدم اليقين التي تنهك البنية النفسية للموظف.

  • الاستثمار في الأمان غير المادي (الخدمات المؤسسية): تؤكد الدراسة التحليلية أن الضغط على الدخل ناتج جزئياً عن رداءة الخدمات العامة، لذا، تتمثل التوصية في تحسين نظم التأمين الصحي الشامل للموظفين وتوفير خدمات النقل والسكن الوظيفي، وهو ما يخفف العبء المالي عن الراتب ويحول الوظيفة العامة إلى بيئة راعية لا مجرد جهة مانحة للمال.

  • التحول نحو الإنتاجية لتعزيز المعنى الوظيفي: لمعالجة الاحتراق النفسي، تقترح الدراسة التحليلية إعادة صياغة المهام الوظيفية لربط الجهد بالنتائج الملموسة، عندما يشعر الموظف بأن جهده يسهم في خدمة المجتمع وأن هناك نظاماً عادلاً للثواب والمكافأة، يستعيد العمل معناه الرمزي، وتتراجع ثقافة الانسحاب التي شخصتها الدراسة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى