إعداد: مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو قبل ايام مجرد إجراء جنائي ضد شخص، بل كان إعلاناً عن انتهاء صلاحية الدولة الوطنية في مواجهة الدولة الكونية العابرة للحدود، وإن المقدمات التي سبقت الحدث- من خنق اقتصادي وتصنيف قضائي لرموز النظام كعصابة إجرامية- كانت تهدف إلى جعل السيادة مجرد قشرة رقيقة يسهل كسرها عسكرياً، والسياسة هنا لم تعد صراعاً بين دول، بل تحولت إلى مطاردة أمنية كبرى، حيث يتم استبدال الحروب التقليدية التي تستنزف الجيوش بعمليات الكوماندوز القضائي التي تستأصل رؤوس الأنظمة بأقل التكاليف، ومن منظور قانوني، تم نسف الحصانة السيادية لصالح الولاية القضائية الأمريكيةالتي نصبت نفسها حكماً فوق ميثاق الأمم المتحدة، أما اقتصادياً، فإن الحدث يمثل عملية إعادة ضبط قسري لسوق الطاقة العالمي، فاختطاف رأس الهرم في فنزويلا يمهد لخصخصة أكبر احتياطي نفطي في العالم، وكسر محور أوبك المتمرد، وهذا النوع من القرصنة المشروعة يحول الموارد الطبيعية للدول من ثروة وطنية إلى عبء أمني قد يؤدي لسقوط قادتها إذا لم يتماشوا مع المصالح الغربية. يتناول هذا المقال التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، حيث يتراجع مبدأ السيادة الوطنية لصالح أنماط جديدة من الاستباحة الانتقائية، تُدار بأدوات قانونية واقتصادية ونفسية مركّبة، لا عبر الحروب التقليدية، وينطلق المقال من قراءة الحالة الفنزويلية بوصفها نموذجاً كاشفاً لمسار أوسع، مع تحليل تداعياته البنيوية على الدول والمجتمعات، والتحذير من تعميم هذا النموذج على دول تختلف جذرياً في بنيتها الاجتماعية والسياسية، وفي مقدمتها إيران، ويخلص المقال إلى أن شرعنة منطق القوة والعنتريات السياسية تمثل تهديداً مباشراً لفكرة الدولة ذاتها، ولمستقبل الاستقرار الدولي.
شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة انتقالاً تدريجياً من منطق الصراع بين دول متكافئة سيادياً، إلى نمط أكثر تعقيداً يقوم على تصنيف الدول وفق درجة اندماجها أو تمردها على النظام الدولي المهيمن، وضمن هذا السياق، لم تعد الدولة كياناً محصّناً بقواعد القانون الدولي، بل تحوّلت إلى هدف استراتيجي قابل للإخضاع عبر ضغوط تراكمية متعددة المستويات.
الحالة الفنزويلية لا تُقرأ هنا بوصفها أزمة داخلية معزولة، بل كنموذج لطريقة اشتغال هذا النمط الجديد من الهيمنة، حيث تُختزل السيادة إلى ملف سياسي- أمني، وتُدار المواجهة خارج منطق الحرب الشاملة، بما ينسجم مع عودة الواقعية السياسية التي حذّر منها بعض منظري السياسة حين تصبح القوة المحدِّد الفعلي للعلاقات الدولية.
يمثل تسييس القوانين أحد أخطر ملامح هذا التحول، فمبدأ الحصانة السيادية، الذي شكّل ركناً أساسياً في النظام الدولي الحديث، يتعرض لتآكل متسارع عبر توسيع مفهوم الولاية القضائية خارج الحدود الوطنية.
يُستخدم القانون هنا بوصفه أداة ضغط انتقائية، يُفعَّل بقوة ضد خصوم بعينهم، ويُعطَّل أو يُفرَّغ من مضمونه في حالات أخرى، وهذا المسار يكرّس ما يوصف بـ حالة الاستثناء الدائمة، حيث تُعلّق القواعد باسم القانون نفسه، وتصبح الشرعية رهينة ميزان القوة لا النصوص القانونية.
تتجلى أزمة القانون الدولي بوضوح عند مقارنة تفعيله في بعض الحالات، مع تعطيله شبه الكامل إزاء الانتهاكات الجسيمة التي شهدها قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الماضية، فعلى الرغم من التوثيق الواسع الذي قدّمته منظمات دولية مستقلة، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، بشأن استهداف المدنيين والبنى التحتية، لم يُترجم ذلك إلى مسار قضائي دولي ملزم، بل جرى تسييس آليات المساءلة أو تعطيلها.
هذا التناقض يعزز القناعة بأن القانون لم يعد منظومة معيارية محايدة، بل أداة انتقائية تُستخدم حيث تسمح موازين القوة، وتُعلَّق حيث تتعارض مع مصالح الفاعلين الأقوياء، وهو ما حذّر منه كثير من المتخصصين في تحليلاتهم لتحوّل القانون الدولي من التزام ملزم إلى خطاب أخلاقي بلا قوة تنفيذية.

واقتصادياً، تشكّل العقوبات والحصار أحد أعمدة الاستباحة الحديثة، فهي لا تستهدف الأنظمة السياسية فقط، بل تعيد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة على المدى الطويل، وتشير أدبيات الاقتصاد السياسي، إلى أن العقوبات نادراً ما تغيّر الأنظمة، لكنها غالباً ما تُضعف المجتمعات وتعمّق الفجوة بين الدولة والمواطن، وقد تتحول الموارد الطبيعية من مصدر قوة سيادية إلى نقطة ابتزاز استراتيجية، ويُعاد دمجها في السوق الدولية وفق شروط القوة لا وفق حقوق الشعوب، بما يكرّس اقتصاداً عالمياً غير متكافئ.
تعمل استراتيجيات الضغط المركّب على مستوى نفسي عميق، إذ تولّد مناخاً دائماً من الخوف لدى النخب الحاكمة، حيث يتحول القلق من الملاحقة أو العزل إلى عامل حاسم في صناعة القرار، ويتقاطع ذلك مع تحليل ميشيل فوكو لآليات السيطرة الحديثة، حيث يُستبطن الخوف داخل الفاعلين أنفسهم، فينتج شلل استراتيجي يحدّ من القدرة على التخطيط طويل الأمد.
واجتماعياً، تؤدي الاستباحة المستمرة إلى تآكل رأس مال الدولة الرسمي، حيث تفقد الدولة قدرتها على تمثيل الحماية والمعنى. ويترجم ذلك في: تصاعد الاستقواء بالخارج، وانقسام المجتمع بين شامت وخائف، وضعف الثقة بالإصلاح الداخلي، وهي نتائج لا تفضي إلى التغيير، بل إلى هشاشة بنيوية طويلة الأمد.
وحين نتحدث سيكولوجية المصفقين، فتمثل ظاهرة المصفقين من سياسيين وكتّاب وإعلاميين أحد أخطر عناصر هذا المسار، فهؤلاء، بدافع الإحباط أو الخصومة السياسية، يشرعنون منطق القوة، ويتعاملون مع استباحة الدول بوصفها عدالة أو حلاً مختصراً.
هذا السلوك ينسجم مع ما يوصف بـالهروب من الحرية، حيث يُستبدل عبء التغيير الداخلي بالارتماء في أحضان قوة خارجية، وهو خيار لا ينتج سيادة ولا استقراراً.
ومن الأخطاء التحليلية الجسيمة افتراض أن الدول والشعوب قابلة للاستنساخ، وأن النماذج السياسية يمكن نقلها آلياً من سياق إلى آخر، فالدول لا تتشابه في بنيتها الاجتماعية، ولا في أنماط شرعيتها، ولا في علاقة المجتمع بالقيادة.
وفي هذا الإطار، تمثل الحالة الإيرانية نموذجاً مغايراً لما يفترضه المصفقون، فالمجتمع الإيراني، رغم تعددية مواقفه الداخلية، يتمتع بدرجة عالية من التماسك الهوياتي عند التهديد الخارجي، وتستند شرعية النظام فيه إلى بنية مركّبة (دينية، ثورية، وطنية، ومؤسساتية).
كما أن القيادة الإيرانية تعتمد نمط الصبر الاستراتيجي المحسوب، القائم على إدارة الصراع طويل الأمد، وتجنب الانجرار إلى مواجهات تخدم الخصم، وهو ما يتقاطع مع أطروحات الردع غير المباشر وتراكم النفوذ.
الرهان على كسر إيران عبر نماذج جاهزة أو عنتريات سياسية يعكس قصوراً في الفهم الاستراتيجي، لا قراءة واقعية للبيئة الاجتماعية والسياسية.
لا ينطلق هذا المقال من الدفاع عن أنظمة أو أشخاص، بل من التحذير من مسار عالمي يعيد العلاقات الدولية إلى منطق الغاب المقنّع بالقانون، وإن شرعنة الاستباحة، وتطبيع تسييس القانون، والاحتفاء بمنطق القوة، تقود في المدى المتوسط والبعيد إلى تفكيك فكرة الدولة، وتعميق الفوضى، وتوسيع دوائر الصراع.
إن الدول والشعوب لا تتشابه، والتجارب لا تُستنسخ، ومن يصفق اليوم لانتهاك السيادة، قد يجد نفسه غداً بلا دولة تحميه، والاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالعنتريات ولا بالكوماندوز القضائي، بل بإحياء قانون دولي عادل، واحترام خصوصيات المجتمعات، وتمكين الشعوب من التغيير من داخلها، لا عبر الاستباحة.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى