ظاهرة التحرش بالنساء في العراق .. حادثة البصرة

قراءة سوسيولوجية ونفسية في الأسباب والتحولات الاجتماعية

“حادثة البصرة ليلة رأس السنة أنموذجًا”

بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

 

مقدمة

لم تعد ظاهرة التحرش الجنسي بالنساء في العراق حوادث فردية معزولة يمكن ردّها إلى “انحرافات شخصية” أو “سلوكات طارئة”، بل أضحت ظاهرة اجتماعية مركّبة تعبّر عن اختلالات عميقة في منظومة القيم، وضعف الضبط الاجتماعي، وتراجع فاعلية المؤسسات القانونية والتربوية، وقد أسهمت التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها العراق خلال العقود الثلاثة الأخيرة في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، ولا سيما العلاقة بين الجنسين، على نحو أفرز أنماطًا جديدة من العنف الرمزي والمباشر ضد المرأة في الفضاء العام.

إن حادثة التحرش التي شهدتها مدينة البصرة في ليلة رأس السنة- والتي وثّقتها مقاطع متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي- ليست سوى تجلٍّ صارخ لظاهرة أوسع، كشفت عن هشاشة الأمن الاجتماعي، وضعف الوعي الجمعي، وتناقض القيم المعلنة مع الممارسات الفعلية.

 

أولًا:  الإطار المفاهيمي للتحرش الجنسي

يُعرّف التحرش الجنسي في علم الاجتماع بأنه:

كل سلوك ذي طابع جنسي غير مرغوب فيه، لفظيًا كان أم جسديًا أم إيحائيًا، يُمارَس في الفضاء العام أو الخاص، ويهدف- صراحة أو ضمنًا- إلى فرض السيطرة، أو الإذلال، أو انتهاك الكرامة الإنسانية للضحية.

 

ويأخذ التحرش في السياق العراقي أشكالًا متعددة، منها:

  • التحرش اللفظي: التعليقات، الإيحاءات، الشتائم الجنسية.

  • التحرش البصري: التحديق المفرط، الإيماءات.

  • التحرش الجسدي: اللمس، الدفع، التضييق.

  • التحرش الجمعي، وهو الأخطر، حيث يتحول السلوك الفردي إلى فعل جماعي تحت غطاء الزحام أو المناسبة.

 

ثانيًا:  الأسباب الاجتماعية البنيوية لانتشار الظاهرة

  1. تفكك منظومة الضبط الاجتماعي

يرى علماء الاجتماع أن المجتمع لا يحافظ على توازنه الأخلاقي والسلوكي إلا عبر منظومتين متكاملتين للضبط الاجتماعي:  الضبط الرسمي المتمثل بالقانون وأجهزة الشرطة والقضاء، والضبط غير الرسمي الذي تمارسه العائلة والأعراف السائدة والمؤسسة الدينية والرأي العام، غير أنّ هاتين المنظومتين شهدتا في العراق خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في فاعليتهما، فالقانون، رغم وجوده نصًّا، يعاني ضعف التطبيق والردع العملي، الأمر الذي قلّل من هيبته في الوعي الجمعي، في حين فقدت الأعراف الاجتماعية التقليدية كثيرًا من قدرتها على التوجيه والضبط نتيجة التحولات القيمية السريعة، والانفتاح غير المنضبط، وتآكل سلطة الأسرة والمجتمع المحلي، وهو ما أفرز مفارقة خطيرة تمثلت في انتقال الخوف من العقوبة القانونية أو النبذ الاجتماعي إلى الخوف من “الفضيحة” وحدها، لا بوصفها رادعًا أخلاقيًا، بل باعتبارها هاجسًا اجتماعيًا يطال الضحية أكثر مما يطال الجاني، وضمن هذا السياق المختلّ بات بعض الأفراد ينظرون إلى التحرش الجنسي باعتباره سلوكًا منخفض الكلفة الاجتماعية، قليل العواقب، يمكن ممارسته في الفضاء العام دون خشية حقيقية من محاسبة قانونية أو إدانة مجتمعية رادعة، الأمر الذي أسهم في اتساع الظاهرة وتطبيعها في بعض البيئات.

 

  1. التحولات الاقتصادية والبطالة والإحباط الاجتماعي

تشير النظريات السوسيولوجية، ولا سيما نظرية الإحباط- العدوان، إلى أن الضغوط البنيوية التي يتعرض لها الأفراد في المجتمعات المأزومة، مثل تفشي البطالة، واتساع رقعة الفقر، وانسداد الآفاق الاجتماعية والاقتصادية، تُراكم مشاعر الإحباط والعجز وفقدان الجدوى، وعندما يعجز الفرد عن تصريف هذه المشاعر عبر قنوات مشروعة كالعمل أو الإنجاز أو الحراك الاجتماعي، فإنها غالبًا ما تتحول إلى سلوكات عدوانية موجَّهة نحو الفئات الأضعف اجتماعيًا، وفي مقدمتها النساء، بوصفهن أقل قدرة على الردع أو المواجهة في الفضاء العام، وضمن هذا السياق المرضي يتحول جسد المرأة- على نحو لا شعوري- إلى ما يشبه “مساحة تفريغ” للإحباط الجمعي، لا باعتبارها إنسانًا كامل الحقوق والكرامة، بل كرمز للضعف في المخيال الذكوري المشوَّه، حيث يُستبدل الشعور بالعجز الاقتصادي والاجتماعي بوهم السيطرة اللحظية عبر ممارسات تحرشية تُنتج شعورًا زائفًا بالقوة وتُخفي في جوهرها فشلًا بنيويًا أعمق في تحقيق الذات.

 

  1. ازدواجية القيم والتناقض الأخلاقي

من أخطر أسباب انتشار التحرش في المجتمع العراقي ما يمكن تسميته بـ “الازدواجية القيمية”، حيث يسود في الخطاب العام خطاب أخلاقي محافظ يرفع شعارات الحياء والالتزام والفضيلة، في مقابل سلوكات منتهِكة تُمارَس في الخفاء أو في فضاءات الزحام والتجمعات الكبيرة التي تتيح إخفاء الهوية الفردية، وهذا التناقض بين القول والفعل يُنتج شخصية اجتماعية مأزومة تعيش انفصامًا قيميًا واضحًا، فهي تُدين الخطأ أخلاقيًا في العلن وتتبنى خطابًا وعظيًا صارمًا، لكنها تمارسه فعليًا متى ما توفرت فرصة الإفلات من العقاب أو ضعف الرقابة الاجتماعية، الأمر الذي يحوّل القيم الأخلاقية من منظومة سلوك مُلزِمة إلى مجرد شعارات شكلية، ويُسهم في تطبيع سلوك التحرش بوصفه انحرافًا مسكوتًا عنه لا يُواجَه إلا عند انكشافه إعلاميًا أو خروجه عن السيطرة.

 

 

ثالثًا: التحليل النفسي لسلوك المتحرش

من منظور علم النفس، لا يُفسَّر التحرش الجنسي بوصفه دافعًا جنسيًا محضًا أو استجابة لغريزة طبيعية، بل يُنظر إليه كسلوك سلطوي ينطوي على رغبة في فرض الهيمنة والسيطرة على الآخر، ويعبّر في جوهره عن نقص داخلي واضطراب في تقدير الذات، حيث يلجأ بعض الأفراد إلى هذا النمط من السلوك بوصفه آلية تعويضية عن شعور عميق بالدونية أو الفشل الشخصي والاجتماعي، ولا سيما في البيئات التي تُقاس فيها قيمة الفرد بقدرته على القوة والسطوة لا بالإنجاز والمسؤولية، فيتحول التحرش إلى وسيلة نفسية زائفة لإثبات الذات واستعادة إحساس مفقود بالقوة، ولو على حساب انتهاك كرامة الآخر وحقوقه الإنسانية.

 

  1. اضطراب مفهوم الرجولة

في مجتمعات الأزمات، ولا سيما تلك التي تعاني اضطرابات اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد، يُعاد تعريف مفهوم “الرجولة” على نحو مشوَّه، إذ يُختزل في معاني السيطرة والقوة وإخضاع الآخر بدل ارتباطه بالمسؤولية والإنجاز والاحترام، وعندما يعجز الفرد عن تحقيق هذه الصورة المتخيَّلة للرجولة عبر العمل المنتج أو النجاح الاجتماعي المشروع، يلجأ إلى ممارسات رمزية منحرفة، مثل التحرش بالمرأة، بوصفها وسيلة وهمية لإثبات الذات وتعويض الإخفاق، حيث يمنحه هذا السلوك شعورًا لحظيًا زائفًا بالتفوّق والقدرة، يخفي في عمقه هشاشة نفسية وعجزًا بنيويًا عن بناء هوية رجولية متوازنة قائمة على القيم الإنسانية لا على الاعتداء والانتهاك.

 

  1. غياب التربية النفسية والجنسية

إن الكبت غير المصحوب بتربية نفسية وجنسية سليمة يُفضي إلى نتائج خطيرة على مستوى الوعي والسلوك، إذ يسهم في تشويه الفهم الجنسي وتحويله من علاقة إنسانية قائمة على الاحترام والمسؤولية إلى تصور مشوَّه يربط الرغبة بالعنف والعدوان لا بالضبط الأخلاقي والوعي الذاتي، كما يعزز آليات نفسية دفاعية أبرزها إسقاط اللوم على الضحية بدل مساءلة الجاني، وهو ما يفسّر شيوع خطاب تبرير التحرش في المجتمع عبر تحميل المرأة مسؤولية ما تتعرض له بحجة لباسها أو وجودها في الفضاء العام، في محاولة لا واعية لتبرئة الذات من السلوك المنحرف وإعادة إنتاج ثقافة اجتماعية تُشرعن الانتهاك وتُحوِّل الجريمة إلى “خطأ” تتحمله الضحية بدل أن يُحاسَب مرتكبها.

 

  1. الآثار النفسية على الضحية

تؤكد الدراسات النفسية أن التحرش الجنسي يخلّف آثارًا نفسية عميقة وممتدة على الضحية، إذ يسهم في نشوء القلق المزمن والشعور الدائم بعدم الأمان، ويولّد خوفًا متزايدًا من الفضاء العام وما يرتبط به من أماكن وتجمعات، فضلًا عن احتمالية تطور حالات اكتئاب واضطرابات في الثقة بالنفس وتقدير الذات، وقد يدفع ذلك بعض الضحايا إلى الانسحاب الاجتماعي وتجنّب التفاعل أو المشاركة في الأنشطة العامة، وتتضاعف حدة هذه الآثار في المجتمعات التي تميل إلى تحميل الضحية مسؤولية ما جرى لها، سواء عبر اللوم الصريح أو التلميح الأخلاقي، إذ يتحول الأذى النفسي من تجربة فردية مؤلمة إلى صدمة اجتماعية مركّبة تُشعر الضحية بالعزلة والذنب بدل الدعم والإنصاف.

 

رابعًا: التحرش دينيًا وقرآنيًا في منهج أهل البيت (عليهم السلام)

يؤكد المنهج القرآني ورؤية أهل البيت (عليهم السلام) على أن كرامة الإنسان- رجلًا كان أم امرأة- أصلٌ ثابت لا يجوز انتهاكه تحت أي ذريعة، ويُعدّ التحرش الجنسي شكلًا صريحًا من أشكال الظلم والعدوان الذي يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية وروحها الأخلاقية، إذ يضع القرآن الكريم مبدأ صيانة العرض والكرامة في صلب البناء الاجتماعي، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء:70)، وهو تكريم عام لا يجيز التعدي على الجسد أو النفس أو الشعور، كما ينهى القرآن عن كل سلوك مؤذٍ أو مهين للآخرين، مؤكدًا أن الأذى- ولو كان غير مادي- يُعدّ اعتداءً محرّمًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:58)، وهو نص قرآني صريح يشمل الأذى اللفظي والجسدي والنفسي الذي يقع على النساء في الفضاء العام.

 

وفي فقه أهل البيت (عليهم السلام)، يُنظر إلى التحرش بوصفه فعلًا محرّمًا يجمع بين الاعتداء على الكرامة الإنسانية والإخلال بالأمن الاجتماعي، ويقع ضمن دائرة الإيذاء المحرَّم والفعل الفاحش، حتى لو لم يصل إلى حد الزنا أو الاعتداء الجسدي الصريح، إذ يؤكد الأئمة (عليهم السلام) أن حرمة الإنسان لا تُجزّأ، وأن النظرة المتعمّدة بشهوة، أو الكلمة المؤذية، أو الإشارة المبتذلة، كلها أفعال مؤاخَذ عليها شرعًا، وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) “من كفّ أذاه عن الناس فقد سبقهم إلى المكارم”، وهو مبدأ أخلاقي يضع كفّ الأذى أساسًا للتقوى لا مجرد العبادات الشكلية.

 

كما يشدد منهج أهل البيت (عليهم السلام) على مبدأ المسؤولية الفردية، ويرفض بشكل قاطع تحميل الضحية مسؤولية الجريمة، إذ لا يُسقط الانحراف الأخلاقي عن الفاعل أيّ ظرف خارجي، لا لباس المرأة ولا وجودها في المكان العام، بل يُحمِّل الفقه الجعفري الإنسان كامل المسؤولية عن فعله ونواياه، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:38) وهو ما يتقاطع بوضوح مع رفض ثقافة تبرير التحرش أو تسويغه اجتماعيًا، ومن منظور اجتماعي- ديني، يرى فكر أهل البيت (عليهم السلام) أن حماية المرأة من الأذى ليست “فضلًا”  يُمنَح، بل واجب شرعي وأخلاقي على الفرد والمجتمع والدولة، وأن ترك المعتدي بلا ردع يُعدّ مشاركة غير مباشرة في الظلم، وقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام ) الظلم ثلاثة: ظلم لا يُغفر، وظلم يُغفر، وظلم لا يُترك، ويُفهم من هذا أن الاعتداء على الناس في أعراضهم وأمنهم من الظلم الذي لا يجوز السكوت عنه، بل يجب منعه وردعه.

وبذلك، فإن التحرش الجنسي- وفق الرؤية القرآنية ومنهج أهل البيت (عليهم السلام)- ليس مسألة أخلاقية ثانوية أو شأنًا شخصيًا، بل جريمة دينية واجتماعية تمسّ السلم العام، وتناقض جوهر التقوى، وتكشف زيف التدين الشكلي الذي يفصل بين العبادة والسلوك، فالدين- في جوهره- مشروع لحماية الإنسان، لا لتبرير انتهاكه.

 

خامسًا: حادثة البصرة ليلة رأس السنة- قراءة تحليلية

ما جرى في البصرة ليلة رأس السنة لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي المحيط بالحادثة، فقد أسهمت التجمعات الكثيفة، وغياب التنظيم، وانعدام الردع الفوري في خلق بيئة ملائمة لتفشي السلوكيات العدوانية، إلى جانب ما يُعرف بـ “سيكولوجية الحشد” حيث يذوب الفرد في الجماعة ويصبح أقل وعيًا بمسؤولياته، ما يؤدي إلى انتقال العدوى السلوكية بسرعة وتحول التحرش من فعل فردي معزول إلى ممارسة جماعية متكررة، وهو ما يُعدّ أخطر أشكال العنف الاجتماعي لأنه يكرس الانتهاك الجماعي للكرامة ويضعف الشعور بالأمان في الفضاء العام، وما زاد من خطورة الحادثة هو تبريرها من قبل بعض الخطابات، وتركيز النقاش على سلوك الضحايا بدل محاسبة المعتدين، وتحويلها من قضية جنائية واجتماعية واضحة إلى جدل أخلاقي شكلي، مما يعكس هشاشة الردع الاجتماعي والقانوني، ويزيد من الإحباط والامتناع عن الإبلاغ لدى النساء، ويكرس ثقافة صمت المجتمع إزاء الانتهاكات الجنسية في الفضاء العام.

 

سادسًا:  نحو معالجة شاملة للظاهرة

يرى المختصون أن معالجة التحرش تتطلب مقاربة متعددة المستويات:

  1. تشريعيًا: يرى المختصون أن معالجة ظاهرة التحرش الجنسي تتطلب مقاربة متعددة المستويات تبدأ بالبعد التشريعي، إذ يجب أن يتضمن القانون تعريفًا واضحًا وصريحًا للتحرش الجنسي يحدد أشكاله وأطره القانونية بدقة، مع تشديد العقوبات على مرتكبي هذه الأفعال لتكون رادعة فعّالة، وضمان حماية قانونية للنساء المبلِّغات عن التحرش بحيث يتمكنّ من رفع شكواهن دون الخوف من الانتقام أو الوصم الاجتماعي، ويُعتبر هذا الإطار التشريعي حجر الزاوية في بناء مجتمع يحمي كرامة المرأة ويحد من الإفلات من العقاب.

  2. تربويًا: على الصعيد التربوي، يرى المختصون أن مواجهة التحرش تتطلب إدماج التربية القيمية والنفسية في المناهج التعليمية منذ المراحل المبكرة، بحيث يتعلّم الطلاب فهم الذات والآخر، وضبط الانفعالات، والتمييز بين السلوك المقبول وغير المقبول، مع تعزيز ثقافة احترام الجسد والحدود الشخصية باعتبارها جزءًا من التربية الإنسانية والأخلاقية، ما يساهم في بناء جيل واعٍ يمتلك مهارات التحكّم الذاتي والاحترام المتبادل، ويحد من السلوكيات العدوانية المبنية على الجهل أو الكبت.

  3. إعلاميًا: أما على الصعيد الإعلامي والتوعوي، فينبغي نقل الخطاب العام من لوم الضحية إلى مساءلة الجاني ومحاسبته، بحيث يُركز الإعلام والمجتمع على المسؤولية الفردية للمعتدي وعدم تحميل المرأة ما تعرضت له، مع تقديم نماذج توعوية تعليمية وثقافية لا إثارية، تهدف إلى تعزيز احترام المرأة والحدود الشخصية، وتوعية المجتمع بالمخاطر النفسية والاجتماعية للتحرش، ما يسهم في تغيير المواقف الجمعية تدريجيًا وإعادة بناء وعي سلوكي وقيمي متوازن.

  4. اجتماعيًا: وعلى الصعيد الاجتماعي، تتطلب مواجهة التحرش إعادة الاعتبار للضبط الاجتماعي الإيجابي من خلال استعادة سلطة القيم والأعراف التي تحمي الأفراد وتوجّه السلوكيات نحو الاحترام والالتزام، بالإضافة إلى كسر الصمت المجتمعي حول الظاهرة عبر تشجيع النقاش المفتوح، ودعم الضحايا نفسيًا وقانونيًا، وتحفيز الأفراد على الإبلاغ عن الانتهاكات، بما يسهم في تعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه حماية الكرامة الإنسانية وإرساء بيئة آمنة للنساء في الفضاء العام.

 

الخاتمة

إن ظاهرة التحرش بالنساء في العراق ليست مجرد أزمة أخلاق فردية أو سلوك منحرف معزول، بل هي مرآة لخلل بنيوي عميق في المجتمع يعكس أزمات الهوية، والاقتصاد، والقيم، والتنشئة الاجتماعية، ويكشف هشاشة الضبط الاجتماعي والقانوني، وتناقض الخطاب الأخلاقي بين العلن والواقع. وحادثة البصرة ليلة رأس السنة، على قسوتها، تمثل مثالًا صارخًا على نتائج هذا الخلل، لكنها في الوقت ذاته فرصة لإعادة التفكير الجاد في طبيعة الفضاء العام، وحدود الحرية، ومسؤولية الدولة والمجتمع في حماية الكرامة الإنسانية، وإرساء بيئة آمنة للنساء والأطفال وكافة الفئات الضعيفة.

ويضيف البعد الديني عمقًا أخلاقيًا وقيميًا لهذا النقاش، إذ يؤكد القرآن الكريم ومنهج أهل البيت (عليهم السلام) على صيانة كرامة الإنسان واحترام جسده وحفظ أمنه النفسي والجسدي، ويحظر كل اعتداء على الآخرين مهما كانت دوافعه، بما في ذلك التحرش اللفظي والجسدي والإيحائي، ويؤكد أن المسؤولية تقع على الفاعل وحده دون تحميل الضحية أي ذنب، كما ورد في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38). ومن هذا المنظور، فإن حماية النساء من الأذى ليست مجرد مسألة أمنية أو قانونية، بل واجب ديني وأخلاقي واجتماعي، يفرض على الدولة والمجتمع والفرد العمل بشكل جماعي لحفظ الحقوق، ومنع الانتهاك، وتعليم الاحترام كأساس للتعامل بين الناس.

وبالتالي، فإن مجتمعًا لا يحمي نساءه، ويترك الاعتداء على كرامتهن دون ردع، هو مجتمع يعجز عن حماية نفسه ويخسر قيمه الأساسية، وأي إصلاح حقيقي يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين القانون، والتربية، والتوعية الاجتماعية، والبعد الديني لضمان مجتمع أكثر عدلاً وأمانًا للجميع.

 

المصادر
  1. Abdul Sada, H. (2023). A culture of sexual harassment: Anthropological research in the city of Baghdad. Al-Adab Journal, 14(2), 45–68. Retrieved from https://aladabj.uobaghdad.edu.iq/index.php/aladabjournal/article/view/1020
  2. Khder, P. A., & Khoshnaw, J. I. A. B. (2022). Harassment and its correlation to psychological health of adolescent girls. Raparin University Journal, 7(1), 23–38. Retrieved from https://journal.raparinuni2024.org/index.php/JUR/article/view/1039
  3. Khudhr, E. A., Hassan, R. S., & Karim, S. T. (2021). Sexual harassment and productivity in Erbil city’s work and learning environment. Lfu Journal of Social Studies, 5(3), 55–72. Retrieved from https://journal.lfu.edu.krd/ojs/index.php/qzj/article/view/1575
  4. Al-Araby. (2020, January 5). التحرش لا يستثني أي شريحة من نساء العراق. Al-Araby. Retrieved from https://www.alaraby.co.uk/society/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D8%B4-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%86%D9%8A-%D8%A3%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%AD%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82
  5. Al-Araby. (2021, March 12). العراق: تحرش جنسي في الجامعات والدوائر الحكومية. Al-Araby. Retrieved from https://www.alaraby.co.uk/society/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D8%B4-%D8%AC%D9%86%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-
  6. (2018, January 5). تفاقم ظاهرة التحرش بالنساء في العراق. Rudaw Media Network. Retrieved from https://www.rudawarabia.net/arabic/middleeast/iraq/050120183
  7. Radio Nisaa. (2019, June 20). التحرش الجنسي في العراق.. ظاهرة تتفاقم ومخاوف تجبر ضحايا على “الصمت”. Retrieved from https://www.radionisaa.ps/article/28738
  8. Al-Sabaah. (2020, February 10). تفاقم ظاهرة التحرش يتطلب إجراءات رادعة. Retrieved from https://alsabaah.iq/15857-.html

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى